LOGINمشى سديم بخطى واثقة تشق صمت الغابة المهيب، وخلفه كانت لينا تقتفي أثره، موزعة نظراتها بين الطريق المتعرج تحت قدميها، وظهر سديم الذي بدا في هذه العتمة كجزء من تضاريس المكان، في تلك اللحظات، بدأت ذاكرتها تستدعي صورا قديمة؛ كلماته الدافئة، تشجيعه المستمر، وطيبته التي لم تكن تفارق ملامحه.
قفز إلى مخيلتها ذلك اليوم البعيد بين رفوف المكتبة الغارقة في السكون، حين باح لها بهويته الحقيقية. تذكرت كيف ضحكت يومها من أعماق قلبها، معتبرة حديثه مجرد "مزحة ثقيلة" أو خيال شاعر. لكن الآن، وسط هذا الصمت الذي يبتلع الأصوات ويحبس الأنفاس، اعترفت لنفسها بمرارة لم تذقها من قبل: - فعلا، لم يكن يكذب أبدا... بل أنا من أوصدت أبواب عقلي عن تصديقه لفرط الغرابة. قطع سديم حبل أفكارها حين التفت بنصف وجه، فبدت حدة ملامحه تحت ضياء الغابة الخافت كأنها منحوتة من صخر غامض، وقال بنبرة هادئة: - يا لينا، هذه الغابة جزء من عالمي، وأكثر بقاعه عصيّة على الفهم، ستجدين هنا الجمال في أبهى صوره، والجنون في أقسى تجلياته، لا تخافي، فطالما أن ظلي يلامس ظلك، فلن يجرؤ شيء على مساسك. ابتسمت لينا رغما عنها، وشعرت بدفء غريب يسري في أوصالها، بينما تابع سديم حديثه وعيناه تجولان في أرجاء المكان بنظرة غامضة انطفئت بها لمعة الحماس الذي كان قبل قليل: - نحن أمم أمثالكم؛ لنا حكام وقبائل، مدن عامرة وقرى منسية، فينا المثقف والجاهل، والشيطان والطيب. لا نختلف عنكم في الجوهر، إنما في القدرة.. والشكل. عند كلمة "الشكل"، انتفض قلب لينا بين ضلوعها، توقفت فجأة، ولم تعد تسمع كلماته بقدر ما كانت تراقب حركة شفتيه بارتيابٍ محموم، وفجأة، تسلل خاطر خفي كأفعى باردة بين شقوق أفكارها: -ماذا لو كان كل هذا فخا؟ توقفت دقات قلبها للحظة وهي تحدق في ظهره: - ماذا لو كان سديم هو نفسه الكيان الذي تلبّس شيماء؟ ماذا لو كان هناك اتفاق سري ومظلم عقده مع ذلك الشيخ العجوز ليقوداها إلى هنا بمحض إرادتها؟ حاولت الدفاع عنه، فهزت رأسها بعنف كأنما تطرد كابوسا، وهمست لنفسها: - لا، سديم الذي أعرفه لا يمكن أن يملك هذا القدر من الخبث. لكن هذا الدفاع انهار أمام صوت عقلها: - سديم الذي تعرفينه؟ أي سديم؟ أنتِ لا تعرفين سوى قناع جلدي بشري، ما الذي تعرفينه عن عالمهم وقوانينهم؟ ما الذي يمنعه من تمثيل دور المنقذ ليقودكِ إلى مملكته كصيدٍ سهل؟ لم يعد سديم في عينيها ذلك الصديق القديم، بل تحول إلى لغز مخيف؛ كائن يملك القدرة على تطويع الحقيقة، وربما كان هو الداء والدواء في آن واحد. زاد الفراغ بينهما، وسألت بتوجس كسر سكون الغابة: - الشكل؟ هل أشكالكم.. مخيفة إلى حد مرعب؟ أجاب سديم دون أن يلتفت: - نحن نرى أنفسنا طبيعيين، لكن للعقل البشري حدودا لا يمكن تجاوزها. لا أدري كيف ستبصر عيناكِ حقيقتنا، فما ترينه الآن ليس سوى ثوبٍ أرتديه لأناسب إدراككِ، أما الحقيقة.. فهي أبعد مما يتخيله بصركِ. ارتعدت فرائص لينا، وشحب وجهها حتى صار بلون الرماد، وتشبثت بصورته البشرية كغريقٍ يتشبث بقشة، رافضة تخيل أي هيئةٍ مشوهة قد يكون عليها رفيقها الوحيد. ومع توغلهما، اختفى صرير الرمال تماما، وشعرت وكأنها اخترقت غشاء غير مرئي يفصل بين واقعين؛ فقد سكنت الحرارة فجأة، وحل محلها هواءٌ رطب يحمل رائحة عتيقة، مزيجا من المسك ولحاء الشجر المبتل، ونسمةً غامضة تشبه رائحة "لحمٍ محروق" تظهر وتختفي مع الريح. أما الأوراق من حولها، فلم تعد تهتز بفعل النسيم، بل كأنها تنبض كصدور كائناتٍ حية تتنفس في صمتٍ مهيب، وحلّ همسٌ مُبهم يشبه ضحكاتٍ بعيدة أو تمتماتٍ بلغة غابرة، بينما تحولت الجذوع إلى أشكالٍ ملتوية تلمع قشورها ببريقٍ معدني كجلد الأفاعي تحت الشمس. فجأة، انسلّت من بين الظلال فراشاتٌ راقصة بأجنحةٍ شفافة، حامت حولهما وهي تخلّف وراءها خيوطا ضوئية رقيقة تتلاشى كالدخان في عتمة المكان. كان مشهدا ساحرا كسر حدّة الرعب الذي تجسد في أرجاء الغابة، وبدد قتامة المشهد بتلك الومضات الدافئة. بينما كانت لينا تُحدق بذهول، وقد سلب جمالُ الفراشات لُبَّها فأنساها لثوانٍ ذلك الظلام الدامس وتلك التمتمات الموحشة، توقف سديم فجأة أمام جذع ضخم، برز في طريقهما كأنه حارسٌ أزلي يقف على أعتاب سرٍّ عظيم.. ساد صمتٌ مطبق، قبل أن يلتفت إليها ويهمس بنبرةٍ غلّفها الحذر: - لينا، لا تطيل النظر نحو الظلال.. فالظلال هنا تملك فضولا خاصا، وقد تتبعكِ إن استشعرت ذعركِ. اندفعت لينا نحو سديم مدفوعة بذعر مباغت، وقبضت على طرف ثوبه بقوةٍ جعلت مفاصل أصابعها تبيضُّ فوق القماش الخشن، وبحشرجةٍ في حلقها الذي جفّ أثره، سألت بصوت مرتعش: - سديم.. عن أي ظلال تتحدث؟ أشار بيده ببطء نحو اليمين، وهناك، تجسد الكابوس الذي كانت تخشاه؛ انبعثت من قلب العتمة ظلالٌ شديدة السواد، ممتدة بطولٍ مرعب وهيئات مشوهة تحاكي وحوشاً ضارية كاسرة. لم تكن لها ملامح بشرية، بل مجرد أعين حمراء تطفو في الفراغ كجمراتٍ مشتعلة، تخبو وتتوهج مع كل شهيقٍ صامت. تجمدت لينا في مكانها، ويبس لسانها في حلقها، فشعر سديم بارتجاف كتفيها العنيف. وضع يديه الغليظتين على كتفيها ليثبتها، ملقيا بشيء من هدوئه الرصين في روعها، وقال بنبرة مطمئنة: - لا تخافي، لن يمسوكِ بسوء.. هم حراس الغابة، لكن احذري، فلو أطلتِ النظر إليهم سيقتفون أثركِ أينما ذهبتِ، حتى يقتنصوا الفرصة وينقضوا عليكِ ليحولوكِ إلى ظل مثلهم. تمتمت لينا بتلعثم: - هل هم.. من الجن؟ أجابها سديم بصوت منخفض: - لا، بل هي أرواحٌ تحرس هذه الغابة، لمنع اقتلاع أشجارها. انتفضت لينا والتفتت نحوه بسرعة، وكأنها تحاول إغلاق جفنيها على تلك الومضات الحمراء التي بدأت تلمع في العتمة، وسألت بنبرةٍ يملؤها الرجاء: - يعني.. لو نظرتُ أمامي فقط، فلن يتبعوني أبدا؟! هز سديم رأسه ببطء: - نعم، عيناكِ إلى الأمام دائما. واصلا المسير، ورغم كلمات سديم التي أرادت طمأنتها، إلا أن رعبها كان أقوى؛ فكانت تسترق النظر بحدقتين متسعتين لتلك الأطياف وهي تتقافز خلف الأشجار؛ بعضها قصيرٌ يتدحرج ككراتٍ من الظلام، وبعضها ممشوقٌ يتسلق الجذوع بصمت مطبق كالأشباح. انكمشت كتفاها وكأنها تحاول الاختباء داخل جسدها، ثم استجمعت بقايا شجاعتها لتسأل بصوت مخنوق عن أكثر ما يؤرق فضولها: - قلتَ إن هيئتكم مختلفة.. هل سأرى أحدا منهم الآن بحقيقته؟ أم أننا وحدنا في هذا الظلام مع هذه الأشباح؟ توقف سديم تماما، واستدار نحوها بجسده الفارع، فبدت عيناه الخضراوان تحت ضوء الغسق المتسلل كقطعتي زجاجٍ لامع، وكأنهما ثقبان يمتصان ما تبقى من الضياء، ثم قال بنبرةٍ هامسة جعلت الدماء تبرد في عروقها: - نحن لسنا وحدنا أبدا يا لينا.. شُلّت حركة لينا، وتلاطمت دقات قلبها في صدرها كأمواج هائجة. بدا لها مشهد سديم بعينيه اللامعتين وسط الظلام، محاطا بتلك الظلال المتربصة وجذور الأشجار الغليظة، وكأنها سُجنت في كابوسٍ حي. ارتجف كيانها وهي تحاول الالتفات هربا من هول المنظر، فكل شيء حولها غدا غريبا وموحشا.. حتى سديم نفسه لم يعد يشبه الإنسان الذي عرفته. وحين انطفأ ضوء الفراشات فجأة، نطق سديم باسمها بصوتٍ مبحوح: -لينا، لا تتوقفي. لم تعد لينا تقوى على الصمود أكثر، فقد انهار جدار تماسكها الأخير؛ انهمرت من عينيها دموعٌ ساخنة حرقت وجنتيها، بينما كانت تحدق بضياعٍ في عيني سديم اللتين ازدادتا لمعانا، كأنهما المصباح الوحيد في عالمٍ يغرق وسط ذلك الظلام الخام. اجتاح لينا شعورٌ مباغت بالهوان، وكأن سديما ليس إلا وحشا كاسرا يستدرجها بخديعةٍ متقنة ليقتات عليها في عقر داره. تجمّد الزمان في عينيها، وشُلّت أطرافها عن الحركة، وانعقد لسانها في جوفها؛ حتى أفكارها التي كانت تتصارع قبل قليل، خمدت فجأة لتهوي في فراغٍ سحيق، تارك إياها جثة هامدة تسكنها الروح، لا تقوى على حراكٍ أو نجاة. وفي تلك اللحظة، همس صوتٌ مخيف يتردد من بعيد، خلفهما: - وصلت أخيرا، لقد تأخرت.كان جارج يفرك يديه بتوتر وعيناه معلقتان بالمقبض، بينما ثبّت بلانو نظراته الحادة نحو العتبة، وكأن أنفاسهما كانت محبوسة طوال الساعات الماضية ...بانتظار أن تعود إيزميرا.لكن حين فتح بنسروك الباب ودخل إلى البيت، التقت عيناه على الفور بعيني بلانو وجارج الجالسين معا على الأريكة في صالة الجلوس.اضطربت دقات قلب بلانو بقوة، واتسعت عيناه حين وقع بصره على بنسروك، وقبل أن يستوعب المفاجأة، تغلبت لهفته عليه فارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، وكاد يندفع واقفا ليحييه بحرارةفي لحظات، تحول كل ما شعر به بلانو إلى انزعاج مرير وغضب مكبوت، إذ تداعت إلى ذهنه تفاصيل تلك الأحداث التي وقعت قبل خمس سنوات؛ حادثة لم ينسها قط ولم تغب عن باله يوما.انتفخت أوداجه، وحدق طويلا في بنسروك وإيزميرا،لكن ومضة عابرة من الماضي خطرت في ذهنه؛ لحظة أمسك فيها بنسروك بيده وانتشله من الوحل.فهدأت روحه قليلا، وتقديرا لسنوات العلم والصبر التي منحها إياه بنسروك، لم يشأ أن تضيع تلك الأيام سدى لمجرد خلاف فرقهما.نهض ببطء، وتقدم بضع خطوات ليحيي معلمه، ثم عاد إلى مكانه، وبكل برود أشاح بوجهه إلى الجهة المقابلة.لم تستطع إيزميرا أن تتقبل ذ
كانت الرياح الباردة تلطم وجه "بنسروك" المتجهم بقوة، ومع ذلك لم ينطق بحرف واحد طوال الطريق.وعلى الرغم من الصهيل العالي الذي كان يصدره حصانه وحصان إيزميرا، إلا أن عقله المستغرق في التفكير لم يلتقط أيا من تلك الأصوات؛ فقد كان غارقا في البحث عن حلٍّ لهذه المعضلة المفاجئة التي دخلت حياته.إذ كان يرى أن موت سديم يعني حتمًا نهاية البشرية في أرض الجن على يد ملوك الظلال، ولا سيما السحرة منهم.فضلا عن ذلك، استبدّ باهتمامه أمر الختم الذي ظهر في الآونة الأخيرة. وفي قمة غضبه وانزعاجه، وجد نفسه يطرح على عقله هذه الأسئلة المحيرة:- هذه هي الحالة الثالثة حتى الآن.. فما العمل؟! ومن ذا الذي يختمهم؟ لم أجد إجابة بعد.لكني أظن أن ماسو يعلم جيدا من يكون.. بما أنه استطاع الهرب، سأسرع لإنقاذ الفتاة، لعلها رأت من ختمها وتذكره جيدا.أمام هذا الصمت المطبق، لم تجد إيزميرا هي الأخرى ملاذا إلا أن تتحدث إلى نفسها، عاجزة عن مشاركة معلمها أفكاره كما كانت تفعل سابقا؛ فهي تدرك، بيقين أن معلمها إذا لزم الصمت حيال أمر أزعجه أو أشعل غضبه، فإنما يدفن في أعماقه بركانا قد ينفجر في أي لحظة.ولأجل ذلك، آثرت السلامة، واختار
بخطوات بطيئة هادئة الإيقاع، تقدم جيفري إلى الداخل، فلفح وجهه على الفور ذلك الجو المشحون بالضيق والانزعاج الذي كان يسيطر على أرجاء المكان. مسحت عيناه البنيتان وجوه الموجودين في نظرة سريعة حائرة، فتوقف في مكانه لبرهة مستجمعا تفاصيل المشهد، ثم تابع سيره الهادئ حتى وقف أمام ماكي مباشرة رافعا حاجبه مستفسرا عما يدور. تنحنح ماكي لكسر الجمود المحيط بهم، ثم بادره بالقول:- لقد اكتشفنا أن بنجامين، مساعد إيزميرا، خائن يعمل لصالح ماسو.شخصت عينا جيفري بذهول صامت، وعبر ذهنه سؤال حيره:- كيف تُخدع إيزميرا بهذه البساطة؟ووجّه نظراته نحوها، ثم سألها بنبرة خافتة:- أيعقل غفلتِ عن حيلته يا إيزميرا؟زمت إيزميرا شفتيها بضيق، وآثرت الصمت، كبرياؤها يرفض منح جيفري إجابة يشفي بها غليل نظراته المتفحصة؛ فهو ليس أي ساحر، بل منافسها الذي طالما أثار غيرتها، وتقسم ألا تظهر ضعفها أمامه مهما كلفها الأمر.ولمّا لم تعد تقوى على تحمّل ذلك الضغط الصامت، انسحبت من بينهم لتجلس وحيدة في زاوية الغرفة، مشيحة بنظرها وتائهة في الفراغ، بملامح متصلبة خلت تماما من أي تعبير.تابعها جيفري بطرف عينه، عاقدا حاجبيه باستغراب صامت من
التوى طرف فم بنسروك في سخرية، وقطّب حاجبا واحدا وقال بنبرة متهكمة:- نعم، يا ماسو.. كيف لا أعرفك.فرغت إيزميرا فاها واتسعت عيناها بذهول، وأخذت نظراتها تترنح بين بنسروك وماسو في محاولة يائسة لاستيعاب ما تشهده أمامها، تراجعت خطوة للوراء، وسألت بحيرة:- ما الذي يجري؟... كيف.. كيف يكون بنجامين هو ماسو؟قبل دقائق فقط، كان عقلها ينسج احتمالات شتى؛ ظنت أن بنجامين قد يكون فردا من جن الماء، الذين يصعب كشف تنكرهم البارع، أو ربما ساحرا آخر متمكنا يخفي هويته لسبب ما.أما أن يكون الشخص الذي دخل بيتها، هو ألد أعدائها على الإطلاق؟ فهذا خاطر لم يمر ببالها قط، صدمة أفقدتها توازنها حتى كادت تسقط أرضا.انعقد حاجبا ماكي قليلا، ولم يكن مصدوما من اعتراف ماسو؛ فقد عرف حقيقته منذ اللحظة الأولى التي رآه فيها، وأدرك حينها أنه قد استولى على جسد شخص آخر. وتماما كما فعلت إيزميرا، آثر ماكي مسايرته واستدراجه حتى يأتوا به إلى بنسروك، فالتفت إلى إيزميرا، وأجابها بعد أن قرأ في ملامحها رغبة عارمة في فهم ما يجري:- لقد استبدل روحه، ونقلها إلى جسد بنجامين.لم يزدها شرح ماكي إلا حيرة وضياعا، فسألت بتلعثم وقد تداخلت الكلما
وقف الملك جيلادو، وحدق طويلا إلى إيزميرا، قبل أن يعلن نهاية اللقاء قائلا:- حسنا إذا، يمكنك الذهاب الآن، وأتمنى أن تزورينا في فرصة أخرى يا إيزميرا.شكرت إيزميرا الملك على حسن ضيافته باقتضاب، ثم انطلقت فورا على ظهر "إيسو" الذي وفره لها أهل القصر، وهو دب أبيض ضخم ذو وجه مخيف وأسنان حادة جدا، يكتسي ظهره بسرج جلدي متين مُحكم الأحزمة، يعد وسيلة التنقل المثلى المهيأة لقطع المسافات الطويلة، واجتياز التضاريس الجليدية الوعرة في تلك البلاد.ظلت إيزميرا تتقدم بسرعة نحو بيت معلمها، وفي قلبها نار تضطرم لمعرفة الحقيقة: من هو بنجامين الحقيقي؟لم ترد الدخول في مواجهة مباشرة ما دام يرافقها ولا يفعل شيء، كان همها الوحيد أن توصله إلى معلمها مهما كلف الأمر، لتضع حدا لهذا الغموض الذي بدأ يهدد كل شيء.كان بنجامين يتبعها بهدوء، يراقب ظهرها، وابتسامة ماكرة تعلو ثغره، وفي أعماقه كان يحدث نفسه:- رائع.. هذا بالضبط ما أريده، أعرف أنك تشكين بي يا إيزميرا، وأعلم أن عينيك تلاحقانني كالصقر، وكنت سأقتلك...لكن صبرا، لقد غيرت هدفي وصار أنت ومعلمك.واصلا سيرهما عبر صحراء جليدية ممتدة لا نهاية لها، حيث يغيب الأفق في بي
لم يظفر بلانو بكلمة واحدة تشفي غليله من بنجامين. استمرت قبضته في الهبوط بقسوة على وجهه حتى بدأ دم بلون أسود قاتم يسيل من أنفه وفمه، مخلفا بقعا داكنة على الأرض.ومع ذلك، لم يبد على بنجامين أي انكسار، بل ظل يطلق ضحكات مكتومة ومتقطعة تخرج من بين شفتيه التي تسيل دما، ضحكة كانت تعبيرا عن جنون يفيض شرا، وكأنه يرى في هذا الألم نصرا لا يدركه خصمه.كان بنجامين في حالة ضعف واضحة؛ فقد باغته الهجوم في لحظة غفلة لم يحسب لها حسابا، لكن الأمر تجاوز مجرد المباغتة. حاول في ذروة غضبه أن يحرك ذراعيه لينقض على بلانو، أو يتمتم بتعويذة دفاعية تقلب الموازين، لكنه صُدم بحقيقة مرة؛ لقد خانته أطرافه تماما.شعر ببرودة غريبة تسري في عروقه شلت حركته، وكلما حاول استحضار قوة سحره، تلاشت الكلمات قبل أن تخرج، وكأن هناك يدا خفية تكمم روحه.أدرك بنجامين أن تعويذة الحماية التي تحيط بالمكان لم تكن مجرد درع فقط، بل كانت فخا نصبته إيزميرا ببراعة فائقة؛ سجن غير مرئي يسلب الحركة ويبطل مفعول أي سحر دخيل، كأنه طفيلي يتغذى على أنفاسه ويتركه عاجزا حتى عن رفع يديه.في قرارة نفسه، ورغم القيود، اعترف بنجامين بمرارة أن إيزميرا حقا
بحثت سوزان في ذهنها عن مخرج لهذا السؤال المباغت، لكن قبل أن تسعفها الكلمات، ارتفع صوت الشيخ ليقطع الصمت قائلاً: - لا نخفي شيئا، ولكن نحن نحتاج إلى روحٍ مخلصة، ونقية، يجمعها بالفتاة رباطٌ لا ينقطع. ابتسمت سوزان، وهزت رأسها موافقة على حديث الشيخ الذي بدا منطقيا ومقنعا في نظرها، ثم أردفت تؤكد قوله:
عندما وصلت لينا، كان المنزل قد استحال إلى مكانٍ غريب. الإضاءة خافتة مائلة للصفرة، والهواء غليظ يصعب استنشاقه. استقبلتها سوزان بامتنانٍ يمتزج بالقلق، بينما كان الشيخ يجهز مباخر وأوراقا طلاسمها غير مفهومة. بدأ الشيخ يتمتم بكلمات غير مفهومة وهو يحرك المبخرة، فانتشر دخان كثيف ذو رائحة نفاذة غطى الأرجا
تسمّر سديم في مكانه حين اخترق مسمعه صوت ارتطام مكتوم، وتدفق الدم الحار في عروقه بقوة آلمت صدغيه، عندما لم يجد لينا خلفه، فصاح بنبرة شرخت صمت الغابة: - لينا! تحسس الفراغ خلفه بجنون، فلم يجد سوى العدم، لم يسمع حفيف ثيابها ولا أنين أنفاسها، انتفض جسده برعشة هستيرية، وبدأ يتخبط في العتمة، ويمد يديه كغ
وفجأة، انطفأ بريق عيني سديم وكأن سراجا قد هَمَد، وفي المقابل اشتعلت أجنحة الفراشات من جديد بضوء أصفر وهّاج، تنثر خلفها غباراونورانيارشقّ عتمة الغابة، مكونا ما يشبه العاصفة رملية مضيئة. لكن ذلك البريق الساحر لم يفلح في تهدئة روع لينا، ولا حتى روع سديم؛ فهو يدرك تماما أن اشتعال ضوء الفراشات بعد انطفأ