Share

الفصل الثالث

last update publish date: 2026-03-14 16:27:09

عجز سديم عن وصف ذلك الوخز الحارق الذي كان ينهش نياط قلبه كلما وقعت عيناه على لينا، وتساءل بحيرة: 

- هل كان هذا وخز الذنب لأنه يقودها بيده نحو خطر قد يسحق روحها الرقيقة، أم أنها مرارة الخيانة لثقة منحتها له؟

كانت مشيته بخطوات الهويناء تحرق أعصاب روحه، فتمنى في أعماقه لو يسرع الخطى لعل سرعة الحركة تخفف وطأة الألم الذي يعتصر صدره، ومضى يتساءل بحيرة مريرة تفتك به:

- هل أجازف وأخبرها الحقيقة الآن؟ لا، قد لا تستمع لي أبدا، بل ربما ترفض مساعدتي وتوليني ظهرها. 

كيف أجرؤ على إخبارها أن الطريق الذي نسلكه لا ينفعها في شيء، بل هو طريق ممهد لمصلحتي أنا وحدي؟

واصل سديم معاتبة نفسه بمرارة لاذعة، وشعر بضيق في تنفسه كأن هواء الغابة قد نضب، فحدث نفسه بصوت بمرارة مكتومة:

- كيف لي أن أخدع نفسا تؤمن يقينا بأني ملاذها وصديقها الصدوق؟ كيف تسير خلفي بهذا الهدوء وهي لا تدري أن كل خطوة تخطوها قد تقربها من طريق لا تنجو منه.

كانت ملامح وجهه تضطرب كلما التقت نظراتهما، فيشيح بصرة بعيدا نحو عتمة الأشجار، محاولا إخفاء ذلك الصراع الذي يعصف بكيانه، بينما كان قلبه يرتجف خلف ضلوعه كعصفور سجين، يدرك أن حريته ثمنها غدر لا يغتفر لصديق.

بينما كان سديم يغرق في عمق تساؤلاته التي لا تنتهي، كانت الغابة تخلع عنها رداء النهار لتكتسي بوحشة قاتمة، ومضى الأفق يبتلع آخر خيوط الضوء حتى استسلم المكان لظلمة مخيفة، وفي قلب ذلك السواد، بدأت الفراشات المضيئة تنبثق من بين الشجيرات بكثافة مذهلة، فاستحالت العتمة لوحة منقوشة بنقاط النور الراقصة، مما جعل لينا تتسمر في مكانها بذهول صامت، وهي تتابع تلك الكائنات الساحرة بأعين ملتمعة بالدهشة.

كان سديم يسرق النظرات نحوها، يراقب انعكاس الضوء الضئيل في محجريها، وتلك الفرحة الطفولية التي ارتسمت على محياها، فغرس ذلك المشهد في صدره حسرة مريرة؛ إذ كان قلبه يخفق بسرعة كلما التفت ليطمئن عليها، مدركا أن هذه الأحراش تخفي في جوفها قسوة لا ترحم، غير أن تصميمه كان يتصلب داخل أعماقه كالصخور الصلبة، مقسما على نفسه أن يبلغ بها الوجهة المنشودة مهما كان.

وفجأة، تمزق سكون الغابة تحت وطأة خطوات سريعة ومضطربة، كان وقعها على الأرض اليابسة يوحي بقدوم خطر وشيك، تجمد سديم في مكانه لثوان، قبل أن يندفع بجسده ليقف حائلا بين لينا ومصدر الصوت، متخذا وضعية الدفاع، وحين شعر بارتعاش يديها الذي انتقل إليه كتيار كهربائي، همس قائلا:

- لا تقلقي.. أنا معك.

تضاعف صخب الخطوات، وبدأت أشباح مجهولة تلوح من بعيد وسط الظلال المتداخلة، فانتفضت أعصابه وتشنجت عضلات كتفيه وهو يحدق في المجهول القادم، كان سديم يعلم يقينا أن هذه الغابة المضطربة قد تقذف في وجه المرء أهوالا لا يستسيغها العقل البشري، فدارت في عقله أمنية وهو يشعر بضعفه: 

- ليت القادم يكون من أبناء مملكتنا، فجسدي الإنسي الهالك هذا لن يقوى على مجابهة جني أو ردع بطش أي شخص، سأكون عاجزا تماما عن حماية نفسي أو حماية لينا.

برز ظلان من بين الشجيرات الكثيفة، يتهاديان كطيفين غامضين تحت الضوء الشحيح الذي تذرفه الفراشات، وفي تلك اللحظة التي بلغ فيها اضطراب قلبه ذروته، شق سديم الصمت بصوت حاد، تحمل نبرته مزيجا من التوجس والتحدي:

- من أنتما؟!

حين دنا الظلان وبرزت ملامحهما تحت ضوء الفراشات المتراقص، انفرجت أسارير سديم الذي كان يتأهب لأسوأ الاحتمالات، فزفر زفرة ارتياح طويلة بددت بعضا من تشنج عضلات صدره، ثم قال بنبرة معاتبة خالطها صدى التوتر الباقي في حنجرته:

- أنتما؟!

كان صديقاه يبتسمان بريبة غامضة حين وقعت أنظارهما على لينا القابعة خلفه، وتقدم "جارح" بخطواته الثقيلة، وسأل مستفهما بنبرة حملت في طياتها تساؤلا لم يكتمل:

- إذا.. هل وجدت..

قاطعه سديم بحدة مباغتة، مغلقا عليه طريق الكلام قبل أن يفضح سره المدفون الذي يخشى كشفه أمامها، وقال بلهجة حاسمة:

- نعم، لقد وجدت من أوصى الشيخ بضرورة مساعدتها وحمايتها.

تبادل الصديقان نظرة ذات مغزى، صمتت فيها الكلمات وتحدثت فيها العيون بلغة لم تفهمها لينا، قبل أن تستدرك "سارلا" الموقف بذكاء، قائلة برقة مصطنعة وهي تميل برأسها قليلا:

- آه، أنت إذا الفتاة التي أمرنا الشيخ بحمايتها.

بحثت لينا في ملامحهما برعب لم يتبدد تماما، وكان ضياء الفراشات المنسكب فوقهما يتلاعب بتفاصيل الوجوه، يظهرها تارة بوضوح ويخفيها تارة أخرى خلف ستائر من ظلال متأرجحة، لكنها استنتجت من هيئتهما الخارجية أنهما على هيئة البشر، فسمحت لنفسها أن تتنفس الصعداء قليلا وهي تحدث نفسها بصوت داخلي خافت: 

-ربما كنت مخطئة في هواجسي السوداوية، لابد أنهم صادقون في رغبتهم بمد يد العون لي.

كان "جارح" رجلا ضخم البنية، عريض المنكبين، يتميز بأنف طويل وعينين بنيتين عميقتين.

أما "سارلا"، فكانت تبدو رقيقة الملامح، بخصلات شعرها الفاحم الذي ينسدل كموج الليل، وعينيها السوداوين اللتين تماثلان في عتمتهما ليل الغابة الدامس.

مدت سارلا يدها وأمسكت بيد لينا بلطف، وأكدت بكلمات قاطعة ونظرات واثقة أنهم سيظلون بجانبها، ويحفظوا أمنها من غدر الطريق، وفي تلك اللحظة بدأت أسوار الشك العالية لدى لينا تنهار واحدة تلو الأخرى، رغم وجود ذلك الصوت الضئيل الذي لا يزال يطن في أعماق روحها، هامسا بخوف: 

- أهذا الذي يحدث حقيقة،

أم مجرد كذبة منسوجة بإتقان لجرها نحو الهاوية؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل التاسع

    كان المشهد الذي وجده سديم أمامه، مؤلم حد الوجع، شعر برعشة جسده الذي وهن لما رأى جارج وسارلا، فاقدا الوعي، ولا يظهر أي أثر للينا.تجمدت الدماء في عروق سديم وهو يطالع المشهد الماثل أمامه؛ كان الحطام النفسي أشد وطأة من وهن جسده الذي أخذ ينتفض بعنف، حين رأى جارج وسارلا هامدين، بينما خلت الزوايا تماما من أي أثر للينا.انقبض قلبه بشدة، واندفع بجنون نحو سارلا التي بدأت تطلق أنينا واهنا يشي بعودة الوعي إليها. جثا على ركبتيه، وأمسك وجهها بين كفيه الباردتين، محاولا استحثاثها على النهوض، بينما خرج صوته متهدجا مخنوقا وهو يسأل:سارلا.. أرجوك استيقظي! أخبريني ما الذي جرى؟ وأين لينا؟فتحت سارلا جفنيها ببطء، وحاولت استجماع بقايا طاقتها المتبددة وسط أجواء المكان التي ما زالت تحمل بقايا رائحة غريبة من أثر الدخان، ونظرت إلى سديم وأجابت بصوت خافت متقطع:- لا أعلم يا سديم... ظهر شخص مقنع فجأة، ملامحه توحي بأنه بشري، هددنا بكلمات سريعة ثم ألقى شيئا انبعث منه دخان كثيف... شعرت بدوار شديد ثم سقطنا جميعا... لا بد أنه هو من اختطفها.تضاعف خفقان قلب سديم حتى صار يسمع دقاته في أذنيه، لم تحتمل مخيلته فكرة اختفاء

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الثامن

    ظل سديم متسمرا في موضعه، وتنهشه حيرة مريرة.كان يعلم يقينا ما يتوجب عليه فعله في اللحظة التالية، غير أن أطرافه خانته وبدا جسده وكأنه يقاوم أوامر عقله، أمال رأسه إلى الخلف قليلا، شاخصا ببصره نحو السماء لثوان معدودة، وعندما شعر بضغط الوقت يداهمه، حدق إلى عيني لينا مباشرة، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة.بدأت الدموع تتجمع ببطء في محجر عينيه الخضراوين، وفي تلك الأثناء، انتشرت حرارة مفاجئة في عروق جسده البشري؛ هذا الجسد الذي بات يشعر بثقله، ويدرك أنه قد يتخلى عنه اليوم وبشكل نهائي.في تلك اللحظة القاسية، تدافعت إلى ذهنه تفاصيل الخطة التي وضعها مع شيماء.كانت الخطة تهدف في جوهرها إلى جر صديقتها التي وصفوها بـ "طيبة وستصدق" إلى دهاليز حرب نفسية لا ترحم، حرب تعمل على تجميد عقلها واستنزاف قواها، لتقودها في نهاية المطاف نحو اتخاذ قرارات كفيلة بتدمير حياتها تماما.لم يدر بخلده يوما أن تكون تلك الضحية المستهدفة هي لينا ذاتها، أطبق بأسنانه على شفته السفلى بقوة، وشعر بمرارة الندم تملأ حلقه لأنه كان السبب في دفعها نحو هذا المسار المظلم، هو الذي كان يقف صامتا ومقدرا لكل كلمة تخرج من بين شفتيها،

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل السابع

    لم تكن تعرجات جبهة سديم تنم عن غضب عارم فحسب، بل كانت صدى لمعركة داخلية عنيفة تكاد تنفجر، لكنه لجم ثورته قسرا حين رأى ارتجاف لينا؛ كان عليه أن يرمم شظايا طمأنينتها المكسورة قبل أن تنهار تماما، التفت إليها، وبنبرة حاول أن يحشر فيها هدوءا زائفا، قال:- لا تخافي يا لينا، إنه أخي الأصغر.بعد أن انتهى من كلامه، حثها على التقدم معه، لكن لينا تجمدت مكانها؛ كانت تتوق لمعرفة متى ستنتهي هذه المهمة اللعينة، متى ستخرج من هذا العالم الذي بدأ يطبق على أنفاسها، فسألته بصوتٍ متهدج، عن موعد نهاية هذه الرحلة الموحشة: - متى نصل يا سديم؟! قل لي متى نخرج من هذا الظلام؟تنهد سديم بعمق، وارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة وباهتة، ورد قائلا:- خطوة واحدة صغيرة ونصل.ترددت لينا لثوان، ثم استجمعت شتات قوتها، وخطت معه نحو المكان المنشود.وفي غمرة سيرهم، كانت سارلا ترصد حركات جلجان بعينين حادتين، كانت تتساءل في نفسها عن الصوت الذي أصدرته عند مجيئه، فإنه يشبه صوت صرير القناطر، ذلك الكائن الذي يجمع في تكوينه بين عقل البشر وضراوة الزواحف. كان الجزء العلوي من جسد القناطر يوحي بجسد بشري، لكن جلده ليس بشريا على الإطلاق،

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل السادس

    والآن، ها هي لِينا تجلسُ فوق الأرض، ترمق سديم وسارلا بنظرات صامتة، بينما كان عقلُها يغلي من الارتباك، ويزورهُ الشكُّ بَين الفينة والأخرى.كانت تلك الهمسات الخافتة المتبادلة بين الصديقين، والانزعاج الجليّ الذي ارتسم على سِحنتيهما، هو ما دفعها لتسأل نفسها بحزن:-ماذا لو كنتُ أمضي الآن إلى حيثُ لا عودة لعالمي؟!لقد ألحَّ عليها هذا السؤال أكثر من أيِّ شيء آخر.وما قطعَ رحلةَ شكّها وتساؤلاتِها، وجعل الرعب ينتفض في جسدها، هو ذلك الصوتُ الذي انبعثَ فجأة؛ وقعُ أقدام متسارعةِ الخطى، كأنها وثباتُ أحصنة جامحة، تهرولُ حولهم في حلقة دائرية محكمة.اعتراهم الارتباك جميعا، ومالوا برؤوسهم في كلِّ اتجاه يتربصون بالصوت، الذي كان ينتقلُ بغتة من اليمين إلى اليسار.ظنَّا سارلا وسديم أنّ القناطرَ قد نفذت إلى الغابة، فبهتت وجوههم من الفزع، وهتف سديم بجزع:- أتمنى ألا تكون القناطر، فمواجهتها وحدنا ومن دون سلاح تعني أننا لن نستطيع التغلب عليهم.ردت عليه سارلا بنبرة حازمة:- نعم، اسمع.. سآخذُ العصا من جارج، وسأجعل شعلتها أكبر من هذه لنتمكن من الرؤية، ولكن عليك البقاء بجانب جارج، فجسدك هذا سيتأذى بشدة لو وصلوا

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الخامس

    لم تنبس سارلا بكلمة، بيد أن صدرها ضاق بلفح الغيرة، واجتاحها خوفٌ مر؛ كأنما تخشى فقدان ذاك الحلم الذي لم يكتمل. لم تر سديم بهذا الحال من قبل؛ وريثُ مملكة النار" والمحاربُ الذي لا يُقهر، يبدو الآن أمامها واهنا وضائعا بشكل لم تألفه. وتقاطعت نظراتها مع جارج في يقين صامت: - إن سديم لا يعامل لينا كغريبة جاءت لتنفذ مهمة إنقاذ بمقابل كما سبق وأخبرهم، بل ثمّة خيطٌ خفيّ يربطه بها، لأنه يعاملها باحترام وتقدير ويخاف عليها. عجزت سارلا عن تفسير هذا التحول المريب؛ كيف لعدائهِ المعلن للبشر واستهزائه المعهود بهم أن يتحولا فجأة إلى هذا القلق المفرط؟ ولكنَّ الهدوء غزا ملامحها حين طرأ لها خاطر وجدته ملاذا لنفسها، فارتسمت على ثغرها ابتسامة خافتة وهي تهمس لقلبها: - ربما هو مجرد قناع، لعل سديم يخشى ضياع فرصته الأخيرة في استعادة قوته، فيتظاهر بالودِّ ليضمن بقاءها. ألم ينهر جارج وأمره بالصمت؟ بل وادعى كذبا أن حمايتها كانت أمرا من الشيخ؟ نعم إنه يمثل لا أكثر. تنفسَت سارلا الصعداء، وشعرت وكأنَّ حملا قد انزاح عن صدرها، فأردفت قائلة: - ما دام اهتمام سديم بلينا ليس إلا مناورة ذكية لاستعادة قوته، فهذا ي

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الرابع

    كان القمر الخجول الذي طل بين الفجوات وأنار عتمتهم، قد غاب تماما خلف جدار من رؤوس الأشجار الكثيفة؛ تتشابك أغصانها مع بعضها بعض كأصابع يد عملاقة، تسد عليهم منافذ النور، وتتركهم في أحضان العتمة القاتمة التي تشتد ببطء.لم يعد أمامهم سوى تلك الفوهة السوداء التي خلفها غياب الضوء؛ هوة سحيقة وممتدة إلى ما لا نهاية، لم يبقى أي شيء من مصادر النور، حتى الفراشات المضيئة، تلك الرفيقة التي كانت تؤنس وحشة "لينا"، دبلت حركتها واحدة تلو الأخرى، كفّت عن رقصاتها المتعرجة، وبدأ نورها الشاحب يخبو ويتلاشى شيئا فشيئا في بحر الظلمة حتى ذاب واختفى.ومع انطفاء آخر ومضة، شعرت "لينا" ببرودة تسري في أوصالها؛ لقد انقطع خيط الأمل الأخير الذي كانت تتشبث به، تاركا إياها وحيدة في مواجهة عقلها، الذي بدأ ينسج من العتمة تصورات مرعبة، وأشباحا لا وجود لها إلا في زوايا مخيلتها المضطربة.التفتت حولها بذعر، وأنفاسها المضطربة تخرج متقطعة، وبصوت عال، كانت تبحث عن أي شيء، أي علامة على النور، حتى لو كانت عيون تلك الظلال الغامضة الرابضة خلف الجذوع.شعر سديم وصديقاه باقترابهم من قلب الغابة حين اختفت الفراشات وانسحبت الظلال الحارسة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status