Share

الفصل الثاني

last update publish date: 2026-03-14 16:26:38

فتحت لينا جفنيها ببطء، فباغتها وهج الشمس وهو ينسكب فوق الكثبان الرملية التي لا تنتهي، كأنها بحر ذهبي يمتد ليذوب في أفق السماء الباهت. 

ساد الصمت من حولها، ولم يقطعه إلا صوت أنفاسها المرتجفة، حاولت أن تستعيد ما جرى، لكن آخر ما تتذكره كان وجه صديقها، ثم ظلاما يبتلع كل شيء. 

وقفت لينا ونفضت عنها رمال الصحراء، ثم شعرت بوخزٍ غريب سرى في عمودها الفقري؛ كأنَّ نسمة جليدية لامست عنقها، التفتت بذعر، فتجمدت ملامحها وتيبست الكلمات على شفتيها المرتجفتين أمام ذاك الوجه الذي تعرفه جيدا.

كان سديم يقف هناك، بذات الهدوء الذي اعتادته، وابتسامته التي كانت يوما مرفأ أمانها، يلوح بيده بتمهل وكأنه كان ينتظر قدومها منذ فترة:

- لينا.. أهلا بكِ.

خرجت حروفها مخنوقة، تتصارع مع دهشتها: 

- سديم؟ ما الذي تفعله هنا؟ كيف... كيف لحقت بي؟ هل أنت فعلا.

توقفت الكلمات عند طرف لسانها، وتلاشت الحروف التي كانت توشك على النطق بها لتترك خلفها صمتا مفاجئا ومطبقا.

شعرت ببرودة تسري في أطراف أصابعها، وفي تلك الفجوة من الصمت، دوت كلمات الشيخ العجوز داخل رأسها، كأجراس ضخمة يتردد صداها في أروقة وعيها، هازّة كيانها من الداخل:

- سيكون لي أعوان وأصدقاء، يتشكلون بهيئة البشر، ينتظرونك هناك ليشدوا عضدك ويساعدوك.

كان وقع هذه الكلمات كافيا ليجعل نبضات قلبها تتسارع في إيقاع مضطرب خلف أضلاعها، اتسعت حدقتا عينيها وثبتت نظرتها في الفراغ، بينما بدأ عقلها ينسج خيوطا مضطربة بين الماضي والحاضر.

وفجأة، غامت الرؤية أمامها حين ترقرقت الدموع في عينيها، وتمنت لو أن الرمال تنشق وتبتلعها، لتختفي عن هذا العالم قبل أن تواجه الحقيقة المريرة التي بدأت تتشكل ملامحها أمامها.

سكنت حركتها تماما، وأطبقت شفتيها محاولة استجماع شتات نفسها، لكن فضولها لمعرفة الحقيقة، كان أقوى من قدرتها على الكتمان، فرفعت بصرها نحوه، وسألته بصوت واهن يرتجف بشدة:

- أجبني بصدق.. هل أنت منهم؟ هل أنت جني؟

ساد صمت ثقيل، وتجمد الهواء بينهما بينما شردت نظرات "سديم" نحو الأفق البعيد، ثم أعاد بصره إليها، وكانت عيناه تحملان حزنا غائرا، ثم أجاب بنبرة هادئة:

- نعم، يا لينا.

شعرت لينا وكأن الأرض قد مالت من تحت قدميها؛ اختل توازنها فجأة وترنحت إلى الخلف، وكأن الكلمات من دفعتها، فتقدم سديم نحوها بخطوة سريعة، مدفوعا برغبة في إسنادها، لكنها انتفضت بذعر لم يعهده فيها من قبل، رفعت يدها في وجهه بحركة دفاعية متشنجة، كمن يصد هجوما من كائن مفترس، وصرخت بنبرة مخنوقة:

- لا تلمسني!

توقف مكانه فورا، وتصلبت أطرافه، بينما كانت هي تحدق في كفه الممدودة برعبٍ جديد، لم تعد ترى فيها اليد التي كانت تساعدها في حمل الكتب بالجامعة، بل رأت مخالب خفية تتربص بها خلف قناع الجلد البشري.

تراجعت خطوة أخرى، وهي تشهق بأنفاس متلاحقة، وقالت بصوت يملؤه الارتياب:

- كيف لي أن أعرف أنك لا تكذب الآن أيضا؟ الجامعة، المحاضرات، كل تلك الشهور كانت مسرحية؟

ما الذي تريده بالضبط؟ هل تريد أن تؤذيني؟!

أجاب سديم، وقد لبس وجهه برودا أخفى خلفه عاصفة من الانزعاج والحزن الذي يعتصر قلبه، وقال:

- لو كنتُ أريد بكِ شرا، لما انتظرت كل هذا الوقت يا لينا، أنا هنا لأنقلك مباشرة للملك ولأساعدك.

ثم أردف بهدوء، كمن يحاول تهدئة عاصفة هبّت فجأة:

- أنا لم أخدعك يوما، هل تذكرين ذلك المساء في المكتبة حين أخبرتك بحقيقتي؟ لقد ضحكتِ طويلا ونعتني بالمجنون، لم أخفِ شيئا، لكن عقلك البشري هو من اختار التكذيب بدل التصديق.

وقعت كلماته عليها كالصدمات المتتالية، فشعرت بغصة تخنق صوتها، وقاطعته بحرقة بينما انهمرت دموعها بغزارة فوق وجنتيها الشاحبتين، تاركة خلفها مسارات من الانكسار المرير:

- بالتأكيد سأفعل! من قد يصدق أنكم تعيشون بيننا وتخاطبوننا كل يوم بملامحنا؟ لقد انتحلت هيئتنا البشرية، ومن الطبيعي أن أرفض تصديقك وأكذب حواسي، فأنا لم أشهد في حياتي أمرا يتجاوز حدود العقل كهذا.

اجتاحتها رعدة قوية وهي تدرك أن الحقيقة لم تكن مواراة خلف الجدران، بل كانت قائمة أمامها بوضوح طوال الوقت، لكنها اختارت أن تغلفها بإنكارها.

ومع هذا الإدراك المباغت، نظرت إليه وكأن ملامحه التي طالما ألفتها بدأت تذوب وتتلاشى خلف ضباب كثيف من الذعر والارتباك؛ إذ تحولت فجأة كل ذكرى جمعتهما في الجامعة إلى مجرد مشهد من مسرحية أتقن هو أداء دورها ببراعة، بينما بقيت هي المشاهد الوحيد الذي فاتته خيوط الحبكة، ولم يدرك حقيقة ما يدور.

أما سديم، فقد طرأ على ملامحه تحولٌ مباغت؛ إذ ضاقت عيناه اللوزيتان وبرزت عقدة حاجبيه الكثيفين في تعبيرٍ يشي بصراعٍ داخلي مرير، ورغم ذلك الانزعاج الذي فاضت به ملامحه، فإنه لم يكسر هدوءه الرصين، بل تشبث به كغلاف أخير يحميه من انهيار أعصابه.

وفي اللحظة التي كان جسده يستشعر فيها تلاشي حرارة الصحراء أمام برودة المساء الزاحفة، كان عقله يتقد نشاطا، محاولا رسم خطة للهرب ببراعة قبل أن يبتلعه الليل وظلامه الدامس.

أراد أن يقطع سيل أسئلة لينا التي كانت تنخر في صبره كقطرات ماء فوق صخر صلد، ضيق عينيه وظهرت ابتسامة خاطفة على ثغره، ثم أشار بيده نحو الأفق، حيث بدأت الشمس تجر أذيالها الذهبية المنهكة نحو المغيب، وقال بصوت خفيض يحمل نبرة تحذير هزت سكون المكان:

- لينا، الوقت ليس في صالحنا، إنه يهرب منا.

إن استمر هذا الجدال شيماء ستموت، إما أن نتحرك الآن أو ننسى أمر إنقاذها؛ الخيار لكِ

سكنت ثورة لينا فجأة، وانطفأت حدة غضبها تحت وطأة ذعر جديد؛ شعرت ببرودة تسري في عروقها رغم حرارة الجو المتبقية في الرمال، فصورة شيماء وهي تنازع الجن في جسدها، كانت كفيلة بتجميد كل خلافاتها مع سديم وتبديد دهشتها من حقيقته.

تنفست بعمق، محاولة طرد الغصة من حلقها، ورمت بنظرها نحو المدى اللامتناهي، مدركة في لحظة تجلٍّ مرعبة أن الرحلة التي بدأتها كانت من أجل صديقتها، ويجب أن تنهيها مهما كلف الأمر.

سألت بصوت مخنوق بالوجل، وعيناها معلقتان بوجهه الذي صار غريبا ومألوفا في آن واحد:

- ما الخطوة التالية؟

أجابها وعيناه مثبتتان عليها بنظرة ثاقبة، ثم أشار بيده ببطء نحو ما يقع خلفه، قائلا:

-أن نعبر إلى تلك الغابة، هناك حيث يربض الملك.

نظرت لينا خلف سديم، واتسعت عيناها بذهول ألجم لسانها؛ فخلف ظهره مباشرة، انبعثت من قلب العدم غابةٌ من الأشجار الخضراء المورقة، أغصانها متشابكة كأصابع عمالقة تتعانق في عنفوانٍ مهيب، كان المشهد مرعبا؛ صحراء قاحلة يقطع صمتها فجأة جدار من الخضرة الكثيفة.

ابتلعت ريقها بصعوبة وقد بدأ شعورٌ بالغرابة ينهش طمأنينة قلبها:

فكيف لصحراء قاحلة أن تحتضن في جوفها غابة بهذا الكثافة؟

ثم تلاحقت الظنون في رأسها: 

-هل الغابة هي موطنهم الفعلي، أم أن هذه الأشجار ليست سوى بوابة لعالمهم الحقيقي الأشد غموضا ورعبا؟

ورغم محاولتها المستميتة للوثوق به، كان ثمة تردد في أعماقها، حدسٌ خافت يشبه وخزة إبرة، يهمس لها بأن الدرب الذي توشك على سلوكه ليس طريقا لنجاة صديقتها، بل هو مسار لا رجعة فيه، سيحتجزها هناك للأبد، وبأنفاسٍ مضطربة، التفتت إليه وسألته:

-أين تعيشون؟ هل هذا هو عالمكم....مجرد صحراء وغابة؟

ارتسمت على شفتي سديم ابتسامة باهتة، امتزج فيها الوقار بمسحة من الحزن، ثم بدأ يخطو خطواته الأولى نحو الغابة الكثيفة وهو يقول بنبرة حازمة:

-سأجيبكِ عن كل شيء، لكن دعينا نتحرك الآن، وإياكِ والتوقف.

مشت لينا خلفه، تراقب تارة الطريق المتعرج تحت قدميها، وتارة أخرى ظهر سديم الذي كان يمشي بثقة غريبة، فبدأت تستعيد ذكرياتها معه؛ تذكرت كلماته، وتشجيعه، وطيبته ومساعدته للآخرين.

وتذكرت ذلك اليوم البعيد في أروقة المكتبة حين باح لها بهويته الحقيقية، فضحكت يومها من قلبها واعتبرتها مزحة ثقيلة. 

الآن، وسط هذا الصمت المهيب الذي يبتلع الأصوات، اعترفت لنفسها بمرارة:

- لم يكن يكذب أبدا، بل أنا من لم يصدقه حينها لغرابة الحديث.

قطع سديم حبل أفكارها، والتفت بنصف وجه نحوها، وكأن ضياء الغابة الخافت يبرز حدة ملامحه:

-يا لينا، هذه الغابة هي جزء من عالمي، وأكثر بقاعه غرابة، ستجدين هنا الجمال في أبهى صوره، والجنون في أقسى تجلياته. 

لا تخافي، طالما أن ظلي يلامس ظلك، فلن يجرؤ شيء على مساسك.

ابتسمت لينا رغما عنها، وشعرت بدفء غريب يسري في أوصالها من كلماته، رغم البرودة المفاجئة التي بدأت تتسلل من بين أوراق الشجر، تابع سديم حديثه بنبرة هادئة، وعيناه تجولان في أرجاء الغابة بنظرة غامضة:

- نحن أمم أمثالكم، لنا حكام وقبائل، مدن عامرة وقرى منسية، فينا المثقف والجاهل، والشيطان والطيب، لا نختلف عنكم في الجوهر، إنما في القدرة والشكل.

هنا، انتفض قلب لينا بين ضلوعها، وتوقفت للحظة عن السير، لم تكن تسمع الكلمات بقدر ما كانت تراقب حركة شفتيه بارتيابٍ محموم. 

وفجأة، لمع في ذهنها خاطرٌ خفي، تسلل كأفعى بين شقوق أفكارها: 

- ماذا لو كان كل هذا فخا؟

توقفت دقات قلبها للحظة وهي تحدق في ظهره؛ ماذا لو أن سديم هو نفسه الكيان الذي تلبّس شيماء؟ ماذا لو كان اتفاقا سريا ومظلما عقده مع ذلك الشيخ العجوز ليقوداني إلى هنا بمحض إرادتي؟

حاولت الدفاع عنه، فهزت رأسها بعنف كأنها تطرد ذبابة مزعجة، وهمست لنفسها: 

- لا، سديم الذي أعرفه، لا يمكن أن يملك هذا القدر من الخبث.

لكن هذا الدفاع الضعيف انهار أمام حقيقة صلبة نبتت كالشوك في عقلها؛ فندت فكرتها بمرارة وقالت بصوت داخلي يقطر وجعا:

- سديم الذي تعرفينه؟ أي سديم؟ أنتِ لا تعرفين سوى قناع جلدي بشري، ما الذي أعرفه أنا عن عالمهم وقوانينهم؟

عادت تنظر إلى مشيته الرزينة، وشعرت بالغثيان من فكرة أن هذا الهدوء قد يكون غلافا لآلة خداع محكمة، ثم تابعت تحدث نفسها بمرارة:

- ما الذي يمنعه من تمثيل دور المنقذ الآن؟ هل يضطر لخداعي ليسوقني إلى مملكته؟

لم يعد سديم في عينيها ذلك الصديق الغامض، بل تحول إلى لغزٍ مخيف؛ كائن يملك القدرة على تطويع الحقيقة، وربما كان هو الداء والدواء في آن واحد، يمسك بخيوط اللعبة ويحركها ببراعة جنيٍّ أتقن فن الصبر البشري.

انكمشت على نفسها أكثر، وزاد الفراغ بينها وبينه، فكل كلمة ينطق بها عن "أممهم وقبائلهم" أصبحت في مسمعها مجرد ترانيم تهدف لتخدير حذرها قبل أن يبتلعها عالم لا ينتمي إليها.

ارتسمت الحيرة والقلق على ارتعاشة شفتيها وهي تسأل سديم بتوجس بعد أن تذكرت جزء من حديثه:

- الشكل؟ هل أشكالكم مخيفة إلى حد مرعب؟!

خفتت الأصوات من حولهما، وبدت الغابة وكأنها تحبس أنفاسها بانتظار إجابته، بينما كانت نظرات لينا معلقة بظهره، تخشى وتترقب اللحظة التي قد يسقط فيها القناع البشري تماما.

توقف سديم تماما، والتفت إليها بجسده الفارع، بينما غدت عيناه الخضراوان تحت ضوء الغسق المتسلل بين السحب أكثر عمقا واتساعا، وكأنها تمتص ما تبقى من الضياء، انخفضت نبرة صوته لتصبح أكثر حدة، وهو يقول بصدق جارح:

- نحن نرى أنفسنا طبيعيين، لكن العقل البشري لن يتحمل، لا أدري كيف ستستقبل عيناكِ حقيقتنا، فما ترينه الآن ليس سوى ثوب أرتديه لأناسب حدود عقلك، أما الحقيقة، فهي أبعد مما يتخيله بصرك.

عند سماع هذه الكلمات، ارتعدت فرائص لينا، وبهت وجهها حتى صار بلون الرماد، وأخذت تنظر إلى كفيه وشكله البشري الذي ألفته، محاولة بشتى الطرق طرد الصور البشعة والخيالات المشوهة التي بدأت تتشكل في عقلها، فكانت تتشبث بصورته الحالية كغريق، رافضة تخيل أي هيئة مخيفة قد يكون عليها صديقها الوحيد في هذا المكان الموحش.

لم تدرِ لينا متى اجتازت تلك الحدود الفاصلة؛ فحديثها مع سديم وغرقها في لجج أفكارها أنساها رهبة الدخول، لكن بمجرد إدراكها لمحيطها، شعرت وكأنها اخترقت غشاء غير مرئي يفصل بين واقعين متنافرين. 

سكنت الحرارة فجأة، وحل محله هواء رطب بارد يحمل رائحة عتيقة وغريبة، مزيجا من المسك ولحاء الشجر المبتل، ونسمة غامضة تشبه رائحة لحم محروق تظهر وتختفي مع الريح.

أما الأوراق من حولها فكانت تهتز بإيقاع خفي، تنبض وكأنها صدور كائنات حية تتنفس بصمت في عتمة المكان.

اختفى صرير الرمال تماما، وحل محله همس مبهم يشبه ضحكات بعيدة أو تمتمات بلغة غير مفهومة، مما جعل لينا تسمع دقات قلبها بوضوح مخيف، وكأن الغابة تعمل كمكبر صوت لكل نبضة ذعر تصدر عنها، وتحولت الجذوع من حولها إلى أشكال ملتوية، وقشورها تلمع ببريق معدني خافت كجلد الأفاعي، بينما تراقصت كائنات صغيرة تشبه الفراشات بأجنحة شفافة، تترك خلفها خيوطا من الضوء تتلاشى في الهواء كالدخان الراحل.

وسط هذا الذهول، توقف سديم فجأة أمام جذع ضخم، شجرة عملاقة تبدو كحارس أزلي يقف على أعتاب سرٍّ عظيم، وساد صمتٌ مطبق جعل لينا تشعر بأن الغابة بأكملها تنتظر خطوتهما القادمة.

التفت سديم إلى لينا التي كانت تقف مأخوذة بين ذهولها ورعبها، وعيناها المتسعتين تلاحقان كل حركة وتذبذب في الهواء، ومال برأسه قليلا نحوها، وقال بنبرة متهدجة تحمل تحذيرا مبطنا يسري كالقشعريرة في جسدها:

- لينا، لا تنظري إلى الظلال طويلا، فالظلال هنا تملك فضولا خاصا، وقد تتبعكِ إن هي أحست بخوفكِ وترددكِ.

دون وعي منها، وبفعل غريزة البقاء، تمسكت لينا بطرف ردائه، غارت أصابعها في القماش الخشن وكأنها تتشبث بآخر حبل للنجاة، وسألته بهمس متهدج بالكاد يخرج من حلقها الذي جف تماما:

- سديم، عن أي ظلال تتحدث؟

التفت سديم بكامل جسده نحوها، ،ثم أشار بيده ببطء إلى يمينها حيث الظلام خلف الجذوع الملتوية.

وهناك، تجسد الكابوس أمام ناظريها في أبشع صوره؛ حيث انبعثت من العتمة ظلالٌ شديدة السواد، تفوق بظلمتها قتامة الغابة، ممتدة بطولٍ مرعب وهيئات مشوهة تحاكي وحوشاً ضارية، لم تكن ملامحها واضحة، باستثناء أعينٍ حمراء كانت تطفو في الفراغ كجمراتٍ مشتعلة، تخبو وتتوهج مع كل شهيق وزفير صامت، وكأنها تتربص بها في قلب ذلك السكون الموحش.

تجمدت ملامح وجهها، ويبس لسانها في فمها، وشعرت بجسدها يتحول إلى قطعة من الجليد لا تقوى على الحركة.

شعر سديم بارتجاف كتفيها العنيف، فوضع يديه الغلظتين عليهما ليثبتها، ملقيا بشيء من هدوئه الخارق في روعها، وقال بصوت ينساب هادئا لكنه حازم:

-لا تخافي، لن يؤذوكِ فهم مجرد حراس للغابة، ولكن لو نظرتِ طويلا إليهم سيتبعونكِ إلى أينما ذهبتِ، حتى يجدوا الفرصة، وينقضوا عليكِ لجعلكِ ظلاً مثلهم.

قالت لينا بتلعثم: هل هم من الجن؟

أجاب سديم قائلا: لا، هي فقط أرواح تحرس الغابة من اقتلاع أشجارها.

انتفضت لينا والتفتت نحو سديم بسرعة خاطفة، محاولة الهروب بعينيها من تلك الومضات الحمراء التي كانت ترمقها بفضول مفترس، وقالت بنبرة يملؤها الذعر والتوسل:

- يعني لو نظرتُ أمامي.. لن يتبعوني أبدا؟

هز سديم رأسه ببطء، وظل ممسكا بكتفيها كأنه يحيطها بدرع من القوة، وأجابها وعيناه تلمعان بجدية:

- نعم، إلى الأمام فقط.

رغم طمأنته، ظلت لينا ترتعش وتسترق النظر بين الفينة والأخرى، لترى تلك الظلال التي كانت تتقافز خلف الأشجار، فرأت أطيافا قصيرة تتدحرج وأخرى طويلة تتسلق الجذوع بصمت مطبق، انكمشت كتفاها نحو الداخل، وكأنها تحاول تصغير حجم جسدها لتتوارى عن تلك الأعين المشتعلة، بينما كانت أصابعها ترتجف وهي تواصل الشد على طرف رداء سديم، استجمعت شجاعتها المتبقية من بين أنقاض رعبها، ورفعت رأسها بصعوبة لتنظر حولها بحذر، ثم خرج صوتها متقطعا يغلفه الخوف:

- قلتَ أن شكلكم مختلف، هل سأرى أحدا منهم الآن بهيئته؟ أم أننا وحدنا في هذا الظلام مع هذه الأشباح؟

نظر سديم إلى الأعلى، حيث كانت الأغصان تتشابك في تعقيد هندسي غريب، مشكلة قبة طبيعية ثقيلة حجبت ما تبقى من ضياء الشمس، وكتمت الأنفاس في صدورهما، لم يلتفت إليها هذه المرة، بل ظل بصره معلقا بتلك المتاهة الخضراء، وقال بنبرة هامسة، جعلت القشعريرة تسري في جسدها كتيار كهربائي بارد:

-نحن لسنا وحدنا أبدا يا لينا.

في هذه اللحظة، اضطربت دقات قلبها حتى خُيل إليها أن صدى النبض يرتطم بجدران حنجرتها، مما جعل التنفس بحد ذاته جهدا شاقا، فبدأت تمشي خلفه بخطوات حذرة للغاية، وكأنها تطأ على حافة الهواء أو تمشي فوق نسيج عنكبوت واهن؛ كانت تخشى أن يكسر حذاؤها غصنا يابسا، فيوقظ صوته ما يتربص بهما في تلك الزوايا المعتمة.

استمروا في التوغل بوتيرة هادئة، لكن السكون لم يكن مريحا؛ فقد أصبح الهواء من حولهم مشحونا بالترقب، وكأن الأشجار نفسها قد تحولت إلى كائنات حية تحبس أنفاسها، وتراقب عبورهم بفضول صامت.

كانت عينا لينا تتسعان وتضيقان مع كل حركة بسيطة لورقة شجر أو سقطة حشرة، محاولة فك رموز هذا الغموض، بينما ظل وجه سديم كالقناع الرخامي، خاليا من أي تعبير بشري مألوف، سوى من تلك النظرة الغامضة التي كانت تشع من عينيه، نظرة توحي بيقين تام بأنه يرى ف

ي هذا الصمت المطبق تفاصيل تعجز فيها لينا حواسها البشرية عن إدراكها.

كان كل شبر يقطعانه داخل الغابة يزيد من شعور لينا، بأنها تبتعد عن عالم المنطق، وتغرق في لجة عالمٍ محكومٍ بقوانين لا تفهمها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل التاسع

    كان المشهد الذي وجده سديم أمامه، مؤلم حد الوجع، شعر برعشة جسده الذي وهن لما رأى جارج وسارلا، فاقدا الوعي، ولا يظهر أي أثر للينا.تجمدت الدماء في عروق سديم وهو يطالع المشهد الماثل أمامه؛ كان الحطام النفسي أشد وطأة من وهن جسده الذي أخذ ينتفض بعنف، حين رأى جارج وسارلا هامدين، بينما خلت الزوايا تماما من أي أثر للينا.انقبض قلبه بشدة، واندفع بجنون نحو سارلا التي بدأت تطلق أنينا واهنا يشي بعودة الوعي إليها. جثا على ركبتيه، وأمسك وجهها بين كفيه الباردتين، محاولا استحثاثها على النهوض، بينما خرج صوته متهدجا مخنوقا وهو يسأل:سارلا.. أرجوك استيقظي! أخبريني ما الذي جرى؟ وأين لينا؟فتحت سارلا جفنيها ببطء، وحاولت استجماع بقايا طاقتها المتبددة وسط أجواء المكان التي ما زالت تحمل بقايا رائحة غريبة من أثر الدخان، ونظرت إلى سديم وأجابت بصوت خافت متقطع:- لا أعلم يا سديم... ظهر شخص مقنع فجأة، ملامحه توحي بأنه بشري، هددنا بكلمات سريعة ثم ألقى شيئا انبعث منه دخان كثيف... شعرت بدوار شديد ثم سقطنا جميعا... لا بد أنه هو من اختطفها.تضاعف خفقان قلب سديم حتى صار يسمع دقاته في أذنيه، لم تحتمل مخيلته فكرة اختفاء

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الثامن

    ظل سديم متسمرا في موضعه، وتنهشه حيرة مريرة.كان يعلم يقينا ما يتوجب عليه فعله في اللحظة التالية، غير أن أطرافه خانته وبدا جسده وكأنه يقاوم أوامر عقله، أمال رأسه إلى الخلف قليلا، شاخصا ببصره نحو السماء لثوان معدودة، وعندما شعر بضغط الوقت يداهمه، حدق إلى عيني لينا مباشرة، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة.بدأت الدموع تتجمع ببطء في محجر عينيه الخضراوين، وفي تلك الأثناء، انتشرت حرارة مفاجئة في عروق جسده البشري؛ هذا الجسد الذي بات يشعر بثقله، ويدرك أنه قد يتخلى عنه اليوم وبشكل نهائي.في تلك اللحظة القاسية، تدافعت إلى ذهنه تفاصيل الخطة التي وضعها مع شيماء.كانت الخطة تهدف في جوهرها إلى جر صديقتها التي وصفوها بـ "طيبة وستصدق" إلى دهاليز حرب نفسية لا ترحم، حرب تعمل على تجميد عقلها واستنزاف قواها، لتقودها في نهاية المطاف نحو اتخاذ قرارات كفيلة بتدمير حياتها تماما.لم يدر بخلده يوما أن تكون تلك الضحية المستهدفة هي لينا ذاتها، أطبق بأسنانه على شفته السفلى بقوة، وشعر بمرارة الندم تملأ حلقه لأنه كان السبب في دفعها نحو هذا المسار المظلم، هو الذي كان يقف صامتا ومقدرا لكل كلمة تخرج من بين شفتيها،

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل السابع

    لم تكن تعرجات جبهة سديم تنم عن غضب عارم فحسب، بل كانت صدى لمعركة داخلية عنيفة تكاد تنفجر، لكنه لجم ثورته قسرا حين رأى ارتجاف لينا؛ كان عليه أن يرمم شظايا طمأنينتها المكسورة قبل أن تنهار تماما، التفت إليها، وبنبرة حاول أن يحشر فيها هدوءا زائفا، قال:- لا تخافي يا لينا، إنه أخي الأصغر.بعد أن انتهى من كلامه، حثها على التقدم معه، لكن لينا تجمدت مكانها؛ كانت تتوق لمعرفة متى ستنتهي هذه المهمة اللعينة، متى ستخرج من هذا العالم الذي بدأ يطبق على أنفاسها، فسألته بصوتٍ متهدج، عن موعد نهاية هذه الرحلة الموحشة: - متى نصل يا سديم؟! قل لي متى نخرج من هذا الظلام؟تنهد سديم بعمق، وارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة وباهتة، ورد قائلا:- خطوة واحدة صغيرة ونصل.ترددت لينا لثوان، ثم استجمعت شتات قوتها، وخطت معه نحو المكان المنشود.وفي غمرة سيرهم، كانت سارلا ترصد حركات جلجان بعينين حادتين، كانت تتساءل في نفسها عن الصوت الذي أصدرته عند مجيئه، فإنه يشبه صوت صرير القناطر، ذلك الكائن الذي يجمع في تكوينه بين عقل البشر وضراوة الزواحف. كان الجزء العلوي من جسد القناطر يوحي بجسد بشري، لكن جلده ليس بشريا على الإطلاق،

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل السادس

    والآن، ها هي لِينا تجلسُ فوق الأرض، ترمق سديم وسارلا بنظرات صامتة، بينما كان عقلُها يغلي من الارتباك، ويزورهُ الشكُّ بَين الفينة والأخرى.كانت تلك الهمسات الخافتة المتبادلة بين الصديقين، والانزعاج الجليّ الذي ارتسم على سِحنتيهما، هو ما دفعها لتسأل نفسها بحزن:-ماذا لو كنتُ أمضي الآن إلى حيثُ لا عودة لعالمي؟!لقد ألحَّ عليها هذا السؤال أكثر من أيِّ شيء آخر.وما قطعَ رحلةَ شكّها وتساؤلاتِها، وجعل الرعب ينتفض في جسدها، هو ذلك الصوتُ الذي انبعثَ فجأة؛ وقعُ أقدام متسارعةِ الخطى، كأنها وثباتُ أحصنة جامحة، تهرولُ حولهم في حلقة دائرية محكمة.اعتراهم الارتباك جميعا، ومالوا برؤوسهم في كلِّ اتجاه يتربصون بالصوت، الذي كان ينتقلُ بغتة من اليمين إلى اليسار.ظنَّا سارلا وسديم أنّ القناطرَ قد نفذت إلى الغابة، فبهتت وجوههم من الفزع، وهتف سديم بجزع:- أتمنى ألا تكون القناطر، فمواجهتها وحدنا ومن دون سلاح تعني أننا لن نستطيع التغلب عليهم.ردت عليه سارلا بنبرة حازمة:- نعم، اسمع.. سآخذُ العصا من جارج، وسأجعل شعلتها أكبر من هذه لنتمكن من الرؤية، ولكن عليك البقاء بجانب جارج، فجسدك هذا سيتأذى بشدة لو وصلوا

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الخامس

    لم تنبس سارلا بكلمة، بيد أن صدرها ضاق بلفح الغيرة، واجتاحها خوفٌ مر؛ كأنما تخشى فقدان ذاك الحلم الذي لم يكتمل. لم تر سديم بهذا الحال من قبل؛ وريثُ مملكة النار" والمحاربُ الذي لا يُقهر، يبدو الآن أمامها واهنا وضائعا بشكل لم تألفه. وتقاطعت نظراتها مع جارج في يقين صامت: - إن سديم لا يعامل لينا كغريبة جاءت لتنفذ مهمة إنقاذ بمقابل كما سبق وأخبرهم، بل ثمّة خيطٌ خفيّ يربطه بها، لأنه يعاملها باحترام وتقدير ويخاف عليها. عجزت سارلا عن تفسير هذا التحول المريب؛ كيف لعدائهِ المعلن للبشر واستهزائه المعهود بهم أن يتحولا فجأة إلى هذا القلق المفرط؟ ولكنَّ الهدوء غزا ملامحها حين طرأ لها خاطر وجدته ملاذا لنفسها، فارتسمت على ثغرها ابتسامة خافتة وهي تهمس لقلبها: - ربما هو مجرد قناع، لعل سديم يخشى ضياع فرصته الأخيرة في استعادة قوته، فيتظاهر بالودِّ ليضمن بقاءها. ألم ينهر جارج وأمره بالصمت؟ بل وادعى كذبا أن حمايتها كانت أمرا من الشيخ؟ نعم إنه يمثل لا أكثر. تنفسَت سارلا الصعداء، وشعرت وكأنَّ حملا قد انزاح عن صدرها، فأردفت قائلة: - ما دام اهتمام سديم بلينا ليس إلا مناورة ذكية لاستعادة قوته، فهذا ي

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الرابع

    كان القمر الخجول الذي طل بين الفجوات وأنار عتمتهم، قد غاب تماما خلف جدار من رؤوس الأشجار الكثيفة؛ تتشابك أغصانها مع بعضها بعض كأصابع يد عملاقة، تسد عليهم منافذ النور، وتتركهم في أحضان العتمة القاتمة التي تشتد ببطء.لم يعد أمامهم سوى تلك الفوهة السوداء التي خلفها غياب الضوء؛ هوة سحيقة وممتدة إلى ما لا نهاية، لم يبقى أي شيء من مصادر النور، حتى الفراشات المضيئة، تلك الرفيقة التي كانت تؤنس وحشة "لينا"، دبلت حركتها واحدة تلو الأخرى، كفّت عن رقصاتها المتعرجة، وبدأ نورها الشاحب يخبو ويتلاشى شيئا فشيئا في بحر الظلمة حتى ذاب واختفى.ومع انطفاء آخر ومضة، شعرت "لينا" ببرودة تسري في أوصالها؛ لقد انقطع خيط الأمل الأخير الذي كانت تتشبث به، تاركا إياها وحيدة في مواجهة عقلها، الذي بدأ ينسج من العتمة تصورات مرعبة، وأشباحا لا وجود لها إلا في زوايا مخيلتها المضطربة.التفتت حولها بذعر، وأنفاسها المضطربة تخرج متقطعة، وبصوت عال، كانت تبحث عن أي شيء، أي علامة على النور، حتى لو كانت عيون تلك الظلال الغامضة الرابضة خلف الجذوع.شعر سديم وصديقاه باقترابهم من قلب الغابة حين اختفت الفراشات وانسحبت الظلال الحارسة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status