Masukقالت الطفلة بصوت عذب وواضح: "مرحبا يا أختي، مرحبا يا أخي."تبادر إلى ذهن طارق، في غير أوانه، أن ارتباطه بيمنى جعله يبدو أصغر سنا حتى في نظر الآخرين؛ فمنذ سنوات طويلة لم يناده أحد بلقب "أخي"، إذ اعتاد الأطفال مناداته بلقب "عمي".انحنت يمنى قليلا، وحيت الطفلة بابتسامة: "ليان، ما أجملك! لقد كبرت كثيرا."كانت تتذكر ابنة الأستاذة وفاء؛ فقد كانت صغيرة جدا في ذلك الوقت، ولم تتوقع أن تكبر إلى هذا الحد في غمضة عين.سألتها الأستاذة وفاء: "هل أتيتما لحضور الاحتفال بالذكرى المئوية لتأسيس الجامعة؟"أجابتها يمنى قائلة: "نعم، جئنا لزيارة الجامعة، هل جئت مع عائلتك للتجول أيضا؟"أجابتها الأستاذة وفاء: "نعم، ليان في عطلة، لذا أحضرتها لترى مكان عمل والدتها."ثم نظرت إلى الساعة، ودعتهما بحفاوة: "لقد حان وقت الغداء، فما رأيكما أن نتناول الطعام معا؟ لقد افتتح مطعم جديد عند البوابة الخلفية للجامعة، وسمعت أن طعامه ممتاز."ابتسمت يمنى واعتذرت بلطف قائلة: "شكرا لك يا أستاذة وفاء، لكننا نخطط لتناول الطعام في مطعم الجامعة واستعادة بعض ذكريات الماضي، في المرة القادمة سأدعوك أنت وزوجك إلى الغداء."لم تصر الأستاذة و
قال طارق بصوت خافت وهو يضغط على يدها: "آسف، لم أفكر في الأمر جيدا."هزت يمنى رأسها وقالت: "لا داعي للاعتذار."ثم ألقت نظرة حولها، وفجأة لمعت عيناها، فأفلتت يده وقالت: "انتظرني هنا، ولا تتحرك."ثم ركضت بخفة نحو متجر صغير لبيع المستلزمات داخل الحرم الجامعي على جانب الطريق.وقف طارق في مكانه، يراقبها وهي تختفي عند مدخل المتجر، متسائلا عما تنوي فعله.وبعد وقت قصير، خرجت يمنى، وعادت إليه بخطوات سريعة، ثم فتحت العبوة وأخرجت منها كمامة طبية تستخدم لمرة واحدة.أمرته وعيناها تلمعان بالمشاكسة: "اخفض رأسك."أدرك طارق على الفور ما كانت تنوي فعله، فضحك، لكنه أطاعها وخفض رأسه قليلا.وقفت يمنى على أطراف أصابعها، ووضعت طرفي الكمامة بعناية خلف أذنيه، ثم ضغطت الشريط المعدني عند جسر الأنف وضبطت موضعها.قالت وهي تتراجع نصف خطوة وتتأمل ما صنعته: "انتهيت."غطت الكمامة البيضاء معظم وجه طارق، ولم يظهر منها سوى عينيه الغائرتين وعظمتي حاجبيه البارزتين.ولأنه لم يكن يرتدي بدلته اليوم، بل ملابس غير رسمية مريحة، فقد بدت هيئته أكثر بساطة من المعتاد، وبعد أن ارتدى الكمامة، خفت وهج حضوره اللافت، وأصبحت ملامحه أقل وضو
كانت يمنى تمسك بيد طارق، وتشق طريقها وسط الزحام، لكنها لم تتجه نحو قاعة الاحتفالات، بل واصلت السير إلى الداخل عبر الممر المحاط بالأشجار.سألها طارق وهو يساير خطواتها: "ألن نذهب إلى القاعة الكبرى؟"هزت يمنى رأسها، وتحول زفيرها في الهواء البارد إلى سحابة بيضاء صغيرة: "لن نذهب."ثم أوضحت قائلة: "لن يكون الحفل سوى كلمات يلقيها المسؤولون، وخطابا يلقيه ممثل الخريجين، وكلمة يلقيها ممثل الطلاب... بعد أن بدأت العمل، حضرت مناسبات مماثلة كثيرا، حتى إنني اعتدتها ولم تعد تثير اهتمامي."ثم التفتت إلى طارق، وارتسمت في عينيها ابتسامة ماكرة، وسألته: "وفوق ذلك، هل أنت متأكد أنك تريد الجلوس هناك والاستماع إلى كل ذلك لمدة ساعتين أو ثلاث؟"تخيل طارق المشهد للحظة، ثم رفع حاجبه وقال: "في الواقع، لا داعي لذلك."فقالت يمنى وهي تعيد نظرها إلى الأمام وتسرع خطواتها قليلا: "إذن، لنتجول في الجامعة قليلا، ثم سأصطحبك لتجرب أشهر أطباق مطعم الجامعة؛ إنه حساء الشعيرية الذي يقدمه المطعم الثالث الموجود في الطابق الثاني، في ذلك الوقت، كان علينا الانتظار في طابور نصف ساعة لنحظى بوعاء منه."أجابها طارق: "حسنا."لكن نظره مر ع
تمتمت صفية وهي تدفع السترة بعيدا، متجنبة النظر إلى يمنى: "لن أرتدي... اللون الأحمر، لا يبدو جميلا."ثم رفعت عينيها إليها بحذر، وسألتها بتردد: "من... من أنت؟ ولماذا أنت في منزلي؟"ساد الصمت للحظة في أرجاء غرفة الطعام.توقفت مدبرة المنزل عن حركتها، وبقيت مغرفة الطعام معلقة فوق وعاء الحساء بينما ألقت نظرة قلقة نحو يمنى.واتجهت أنظار طارق نحوها أيضا.تلاشت الابتسامة عن وجه يمنى، وشعرت وكأن يدا خفية تعتصر قلبها، فأحست بوخز مؤلم وضيق في صدرها.لكنها سرعان ما تماسكت، وجعلت نبرة صوتها أكثر رقة، وكأنها تحاول تهدئتها.قالت لها بلطف وهي تشير إلى نفسها: "جدتي، أنا موني، حفيدتك يمنى، انظري إلي مرة أخرى."لكن بدت صفية وكأنها فزعت، فأبعدت يد يمنى التي حاولت أن تقترب منها، وصاحت في ذعر: "ابتعدي! أنا لا أعرفك! أريد العودة إلى المنزل... أريد أن أجد حفيدتي... أين موني؟ أين حفيدتي موني؟"راحت تنظر حولها في ارتباك، واغرورقت عيناها بالدموع، وكأنها طفلة تائهة.وضعت مدبرة المنزل الوعاء بسرعة، ثم اقتربت منها لتهدئتها: "لا تخافي يا سيدتي، هذه حفيدتك موني، انظري، كم أصبحت شابة جميلة..."هزت صفية رأسها بانفعال، و
سألها طارق: "هل أيقظتك؟"أجابته يمنى وهي تزيح الغطاء عن نفسها وتنهض من السرير، ثم اقتربت منه وتناولت الحمالة المثلثة: "لا، لم أكن قد نمت فعلا على أية حال."ثم قالت له: "ارفع ذراعك قليلا."تعاون طارق معها ورفع ذراعه اليسرى، فوضعت يمنى الحمالة المثلثة حول عنقه، وضبطت موضعها، ثم ثبتت ذراعه اليسرى أمام صدره، وربطت الحمالة بإحكام.كانت حركاتها رقيقة للغاية، خشية أن تؤلمه، وبعد أن ربطتها، تفقدت مدى إحكامها بعناية.عندما أزال طارق الجبيرة، كانت يمنى قد تعلمت من الممرضة كيفية ربط الحمالة المثلثة، وكانت شديدة الحرص على إتقانها.سألته: "هل هي مشدودة أكثر من اللازم؟"أجابها قائلا: "مناسبة تماما."تنفست يمنى براحة وهي تقول: "هذا جيد." ثم أنزلت يديها وتراجعت خطوة إلى الخلف، ونظرت إلى الحمالة لتتأكد من أنها مثبتة بشكل صحيح، قبل أن تقول: "لننم."استدارت وعادت إلى السرير، ثم استلقت من جديد، مولية ظهرها له.وفي تلك الليلة، نام الاثنان نوما هانئا على نحو نادر.وقبل رأس السنة بيومين، شهدت مدينة الريان أبرد يوم منذ بداية الشتاء.وصل إلى يمنى طرد من جامعة الريان، وكان الظرف أزرق داكنا يحمل شعار الجامعة مطب
ابتسم الطبيب على الفور، وقال: "مرحبا سيدة يمنى."أومأت يمنى برأسها وردت التحية: "مرحبا."كان فحص المتابعة إجراء روتينيا إلى حد كبير.أزال الطبيب الجبيرة، ثم التقط صور الأشعة، وأخذ يتفحصها بعناية، مشيرا إلى نقاط محددة على لوحة العرض المضيئة.ثم قال الطبيب مطمئنا: "التئام العظم يسير بشكل جيد، تكون الكالس العظمي بصورة ممتازة، ولم يحدث أي انزياح في موضع الكسر، لذا يمكننا إزالة الجبيرة، لكن عليك ارتداء الدعامة لفترة من الوقت، ولا يجوز لك حمل أوزان ثقيلة أو القيام بأنشطة شاقة."وأثناء حديثه، وضع دعامة قابلة للإزالة لذراع طارق، وضبطها بحيث تناسبه.ثم أوضح: "يمكنك تحريك المعصم والأصابع قليلا من وقت لآخر، لتجنب تيبس المفاصل، لكن عليك توخي الحذر مع مفصل المرفق والكتف، وخصوصا أثناء النوم، ومن الأفضل استخدام حمالة مثلثة لتثبيت ذراعك ومنع الضغط عليها دون قصد."كانت يمنى تقف إلى جانبه، تستمع إليه باهتمام، وكانت تومئ برأسها بين حين وآخر.سألت الطبيب: "كم من الوقت يحتاج حتى يتعافى تماما؟"فأجاب الطبيب قائلا: "قد يستغرق التعافي الكامل شهرين أو ثلاثة أشهر، أما بالنسبة إلى الأنشطة اليومية، فيفترض ألا يوا
بعد أسبوع، التقى الاثنان في مكتب الأحوال المدنية.كانت الإجراءات سريعة جدًا.تم التصوير والتوقيع ووضع الأختام، ثم أصبحت وثيقة الزواج بين يديها، وعندها نظرت يمنى إلى الاسمين المتجاورين عليها، وشعرت بشيء من الذهول.سمعت صوت طارق بجانبها يقول: "لنذهب إلى شقتكِ، سأساعدكِ في نقل أغراضكِ."عندها فقط أدركت
رفعت يمنى عينيها، فإذا به فادي.كان يرتدي بدلة فاخرة مفصّلة خصيصًا، وشعره مصفف بدقة، لكن ربطة عنقه كانت مرتخية، بينما بدا في عينيه ضيق لا يستطيع كتمانه.مدّ يده ليجذبها وهو يقول: "يمنى"، لكنها تنحت جانبًا وتفادته.قالت بصوت هادئ: "ما الأمر؟" ثم ألقت نظرة على السيارة البنتلي السوداء المتوقفة على جانب
سارت يمنى وهي تقول: "إذا استمريتما في إثارة المشاكل، سأبلغ الشرطة."وفي اللحظة التي كانت تغلق فيها باب مدخل العمارة، سمعت نحيب والدتها الحاد وهي تقول: "يمنى، أنتِ بلا ضمير، ستنالين جزاءكِ."أغمضت يمنى عينيها وأخذت نفسًا عميقًا.لا، بل هما من سينالان جزاءهما.عادت إلى منزلها وخلعت حذاءها ذي الكعب الع
"إذن، ست سنوات من المواعدة طويلة جدًا وقد مللت منها؟"عندما سمع فادي الخطاب سؤالها كان يدير كأس النبيذ في يده دون أن يُظهر أي رد فعل يُذكر."يمنى، خلال هذه السنوات الست، اصطحبتكِ لرؤية العالم وأرسلتكِ للدراسة في الخارج ووفرت لكِ أفضل حياة. أليس من الأفضل أن نفترق الآن بهدوء وبشكل لائق؟"كانت الفتاة







