Share

مواجهة  الموت
مواجهة الموت
Author: محمد أشرف

1

last update publish date: 2026-07-11 02:38:15

الحلقة الأولى: مواجهة الموت

الفصل الأول: المدينة التي لا تنام

لم تكن المدينة تنام...

حتى عندما كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل، كانت آلاف الأضواء تلمع فوق الأبراج الزجاجية، والسيارات تتحرك كأن النهار لم ينتهِ بعد، وصفارات الإسعاف تشق الطرقات بين الحين والآخر، بينما يختبئ خلف هذا الهدوء الظاهري عالمٌ آخر لا يراه أحد.

كان المطر ينهمر بهدوء...

قطراته ترتطم بالإسفلت الأسود فتنعكس عليها ألوان الإشارات الحمراء والزرقاء، وكأن الأرض نفسها تنزف.

وقف المفوض آدم السالمي أمام نافذة مكتبه في الطابق التاسع من إدارة الشرطة، ينظر إلى المدينة بصمت.

منذ عشرين عاماً وهو يعمل في هذا المكان...

رأى قتلة.

ورأى لصوصاً.

ورأى عصابات انتهت قبل أن تبدأ.

لكن...

شيئاً ما تغيّر.

كان يشعر بذلك.

شعورٌ ثقيل يشبه العاصفة قبل وصولها.

رن هاتفه فجأة.

قطع الصمت.

نظر إلى الشاشة.

رقم العمليات.

رفع السماعة.

جاءه صوت متوتر:

"سيدي... لدينا بلاغ جديد."

أجاب دون أن يلتفت:

"ما الذي حدث؟"

ساد صمت قصير.

ثم قال الشرطي بصوت منخفض:

"فتاة أخرى اختفت."

أغلق آدم عينيه.

ليست الأولى...

وليست الثانية...

بل الخامسة خلال شهر واحد.

خمس فتيات.

خمس عائلات تعيش الجحيم.

ولا دليل واحد.

همس لنفسه:

"إذن... لقد عاد."

في الجهة الأخرى من المدينة...

داخل شارع ضيق تحيط به المباني القديمة، كان رجل يرتدي معطفاً أسود يقف تحت مظلة متجر مغلق.

لم يكن يتحرك.

كان يراقب فقط.

عيونه تتبع المارة بهدوء.

ثم ابتسم ابتسامة صغيرة بالكاد تُرى.

أخرج ساعة جيب قديمة.

نظر إليها.

أغلقها.

واختفى داخل الضباب.

وكأن الأرض ابتلعته.

في صباح اليوم التالي...

كانت وسائل الإعلام قد اشتعلت.

"اختفاء جديد يهز المدينة."

"أين الشرطة؟"

"هل عاد شبح الظلام؟"

المذيعون يتحدثون بلا توقف.

الناس خائفون.

المدارس بدأت تطلب من الأهالي اصطحاب أبنائهم.

وسائل التواصل امتلأت بالشائعات.

كل شخص يروي قصة مختلفة.

وكل قصة أكثر رعباً من الأخرى.

دخل آدم غرفة الاجتماعات.

جلس أمام طاولة طويلة.

حولها أكثر من عشرين ضابطاً.

لا أحد يتكلم.

التوتر يملأ المكان.

وضع ملفاً سميكاً فوق الطاولة.

قال بصوت هادئ:

"أريد الحقيقة... لا الأعذار."

فتح الملف.

ظهرت صور الضحايا.

وجوه بريئة.

ابتسامات توقفت عند لحظة ما.

قال أحد الضباط:

"لا توجد أي بصمات."

آخر قال:

"لا كاميرات."

وثالث أضاف:

"حتى الشهود... كل واحد يقول شيئاً مختلفاً."

أغلق آدم الملف بقوة.

ثم قال:

"هناك شخص يلعب معنا."

ساد الصمت.

وأضاف:

"وشخص بهذه الدقة... لن يرتكب خطأً بسهولة."

في الوقت نفسه...

كان شاب يدعى ياسر يعمل مصوراً صحفياً.

وصل إلى أحد الأزقة بعد سماعه بوجود تحركات للشرطة.

رفع كاميرته.

التقط عدة صور.

ثم لاحظ شيئاً غريباً.

ورقة صغيرة عالقة تحت إطار سيارة قديمة.

اقترب.

التقطها.

لم يكن عليها سوى جملة واحدة مكتوبة بخط أنيق:

"أنتم تنظرون في الاتجاه الخطأ."

تجمد مكانه.

نظر حوله بسرعة.

لا أحد.

لكن...

شعر أن أحداً يراقبه.

رفع رأسه نحو سطح المبنى المقابل.

لمح ظلاً يقف هناك.

ثانية واحدة فقط.

ثم اختفى.

ركض نحو المبنى.

صعد الدرج بسرعة.

فتح الباب المؤدي إلى السطح.

فارغ.

لا أحد.

فقط الرياح.

وعلى الأرض...

ساعة جيب قديمة.

الساعة نفسها التي كان يحملها الرجل الغامض ليلاً.

في مكان مجهول...

داخل غرفة لا تُعرف حدودها.

كانت شاشة تلفاز تعرض الأخبار.

جلس رجل في الظلام.

وجهه غير ظاهر.

أطفأ التلفاز.

ثم قال بصوت هادئ للغاية:

"بدأت اللعبة."

ابتسم.

ووضع أمامه رقعة شطرنج.

حرّك قطعة الملك ببطء.

ثم قال:

"لنرَ... من يسقط أولاً."

في مساء اليوم ذاته...

كان آدم عائداً إلى منزله.

أوقف سيارته أمام المنزل.

لكن قبل أن ينزل...

لاحظ ظرفاً أبيض موضوعاً على الزجاج الأمامي.

تسارع نبضه.

فتح الظرف بحذر.

لم يكن بداخله سوى صورة.

صورة قديمة جداً.

نظر إليها.

تغير لون وجهه فوراً.

الصورة كانت تجمعه مع شخصٍ ظن أنه مات قبل خمسة عشر عاماً.

وعلى ظهر الصورة كُتبت عبارة قصيرة بالحبر الأسود:

"اشتقت إليك... يا آدم."

تجمد في مكانه.

لم يستطع الحركة.

كيف يمكن لشخص مات منذ سنوات أن يرسل رسالة؟

وفي اللحظة نفسها...

رن هاتفه.

رقم مجهول.

تردد لثوانٍ.

ثم أجاب.

لم يسمع سوى صوت أنفاس هادئة...

قبل أن يأتيه صوت رجل يقول:

"مرحباً... هل ما زلت تتذكر الوعد الذي قطعته في تلك الليلة؟"

انقطع الاتصال.

وقف آدم تحت المطر، والصورة ترتجف بين يديه، بينما كان يدرك أن القضية لم تعد مجرد سلسلة اختفاءات...

بل عودة ماضٍ ظن أنه دُفن إلى الأبد.

نهاية الحلقة الأولى...

يتبع في الحلقة الثانية: "الظل الذي عاد من الموت".

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • مواجهة الموت    النهاية

    الحلقة الثلاثون والأخيرة: مواجهة الموت"القرار الأخير"النهاية الكبرىلم يكن الصباح مختلفًا عن أي صباح آخر.الشمس خرجت.الشوارع امتلأت بالناس.السيارات تحركت.والمدينة عاشت يومًا عاديًا...لكن آدم كان يعرف الحقيقة.بعض الأيام تبدو عادية من الخارج...بينما في داخلها تبدأ نهاية عالم كامل.اليوم لم يكن يوم مطاردة.ولا تحقيق.ولا هروب.اليوم كان يوم الحساب.---الفصل الأول: آخر استعدادفي المقر السري...كان الجميع صامتين.على الشاشة الكبيرة ظهرت الخريطة.كل النقاط التي بدأت منها القضية.المستشفى.المخازن السرية.الأماكن التي اختفى فيها الضحايا.المواقع التي ظلت مجهولة لسنوات.قال ياسر:"إذا بدأ البث..."نظر إلى آدم."لن يستطيع أحد إيقافه."أومأ آدم."وهذا ما نريده."قالت ليلى:"لكن إذا خرجت كل الملفات مرة واحدة..."توقفت."ستحدث فوضى."نظر آدم إلى الشاشة."الحقيقة دائمًا تسبب فوضى في البداية."---الفصل الثاني: الرسالة الأخيرةوصلت رسالة.لم يكن لها رقم.ولا مصدر.فقط كلمات:"تعال إلى المكان الذي بدأت فيه."عرف آدم المكان.المستشفى القديم.المكان الذي شهد أول مواجهة.المكان الذي جمع كل ال

  • مواجهة الموت    ٢٩

    الحلقة التاسعة والعشرون: مواجهة الموت... قبل النهاية"الحقيقة التي كانت مدفونة داخل آدم"لم يكن الملف الأخير مجرد أوراق.كان مفتاحًا.مفتاحًا لكل الأبواب التي ظن آدم أنها أُغلقت.منذ بداية القضية...كان يطارد أشخاصًا اختفوا.شبكات سرية.أسماء مخفية.رجالًا يملكون نفوذًا لا حدود له.لكن لم يخطر بباله أن الإجابة النهائية...ستكون مرتبطة به هو.---الفصل الأول: الصمت قبل الحقيقةجلس آدم وحده في الغرفة.الملف أمامه.لم يفتحه منذ ساعات.ليس لأنه يخاف من معرفة الحقيقة.بل لأنه يعرف أن بعض الحقائق لا يمكن نسيانها بعد معرفتها.دخل سامر.وقف عند الباب.قال:"لم تفتحه بعد."لم ينظر آدم إليه."أحيانًا..."توقف."يكون الجهل أسهل."اقترب سامر."لكن أنت لم تكن شخصًا يهرب من الحقيقة."رفع آدم عينيه."أنا لا أهرب."نظر إلى الملف."أنا أستعد."---الفصل الثاني: الصفحة الأولىفتح آدم الملف.كانت الصفحة الأولى تحتوي على تقرير قديم.العنوان:"الحالة: آدم السالمي."لكن تحت العنوان جملة جعلت قلبه يتوقف:"الشخص الذي سيُنهي المشروع."قلب الصفحة.وجد صورًا من طفولته.ملاحظات.تسجيلات.وتقارير كتبها أشخاص كانو

  • مواجهة الموت    ٢٨

    الحلقة الثامنة والعشرون: الملك الأخير"من بدأ الحرب؟"لم يكن سقوط المدير صفر هو النهاية.كان مجرد سقوط أول حجر في جدار قديم.لأن الحقيقة التي ظهرت لم تكن الإجابة.بل كانت الباب الذي يقود إلى السؤال الأكبر:من كان فوق الجميع؟من كان يحرك المدير صفر؟ومن كان يراقب آدم منذ طفولته؟ومن كان يعرف كل خطوة قبل أن تحدث؟الفصل الأول: الاسم الذي لم يذكره أحدعاد الفريق إلى المقر.لكن هذه المرة لم يكن هناك احتفال.لم يكن هناك شعور بالنصر.لأنهم أدركوا شيئًا خطيرًا.الشخص الذي أسقطوه...كان مجرد جزء من الصورة.جلس آدم أمام الملفات.قال:"كل مرة نصل إلى النهاية..."نظر إلى الأوراق."نكتشف أن هناك بداية جديدة."الفصل الثاني: خوف رائدكان رائد صامتًا.وهذا الأمر لفت انتباه آدم.لأن والده لم يكن يخاف بسهولة.قال آدم:"أنت تعرف من هو."لم يجب رائد.اقترب آدم."أبي."رفع رائد عينيه."هناك أشخاص لا تخاف منهم لأنهم أقوياء."توقف."تخاف منهم لأنهم يعرفون أين يضربون."الفصل الثالث: الحقيقة التي أخفاها رائدأخرج رائد ملفًا قديمًا.لكن هذه المرة...لم يكن ملف تحقيق.كان ملفًا شخصيًا.قال:"قبل أن تبدأ كل هذه

  • مواجهة الموت    ٢٧

    الحلقة السابعة والعشرون: الحرب الأخيرة"سقوط المدير صفر"لم يعد هناك مكان للاختباء.ولا أسرار جديدة يمكن دفنها.كل شخص في هذه القصة وصل إلى اللحظة التي كان يهرب منها.آدم عرف الحقيقة.سامر عاد من الظل.ورائد السالمي ظهر من الماضي.أما الطرف الآخر...فلم يعد يراقب فقط.لقد أعلن الحرب.---الفصل الأول: ما قبل العاصفةكان المقر القديم مختلفًا هذه المرة.لم يعد مكانًا للتحقيق.بل أصبح غرفة عمليات.على الطاولة كانت كل الملفات.ملف المستشفى.ملف الشبكة.ملف المدير صفر.وملف آدم.وقف آدم أمام الخريطة.قال:"سنفعل شيئًا لم يفعله أحد من قبل."نظر إليه الجميع."لن نطارده."سأل ياسر:"إذن ماذا سنفعل؟"أجاب آدم:"سنجعله يخرج من مكانه."---الفصل الثاني: رائد يكشف السرجلس رائد أمام الفريق.لأول مرة كان يتحدث بدون إخفاء.قال:"المدير صفر لم يبنِ شبكة."استغرب الجميع."بل بنى فكرة."أكمل:"فكرة أن بعض الأشخاص فوق المحاسبة."نظر إلى الملفات."كانوا يغيرون الأسماء.""يمحون الأدلة.""ويجعلون الحقيقة تبدو كأنها مجرد نظرية."---الفصل الثالث: آخر قطعة من اللغزأخرج رائد جهازًا قديمًا.قال:"هذا الشيء هو

  • مواجهة الموت    ٢٦

    الحلقة السادسة والعشرون: الرجل الذي عاد من القبر"الحقيقة الأخيرة عن والد آدم"كان هناك نوع من الصمت لا يشبه أي صمت آخر.صمت اللحظة التي تتغير فيها حياة الإنسان إلى قسمين:قبل أن يعرف...وبعد أن يعرف.وقف آدم أمام الرجل.لم يستطع التحرك.لم يستطع حتى أن يسأل السؤال الذي كان يصرخ داخله.لأن عقله كان يرفض الإجابة قبل أن يسمعها.قال الرجل بهدوء:"أعرف هذا الوجه."توقف."وجه شخص رأى شبحًا."ارتجف صوت آدم:"من أنت؟"اقترب الرجل خطوة.وقال:"أنا الشخص الذي أخبرك الجميع أنه رحل."---الفصل الأول: العودة المستحيلةكان الاسم الذي خرج من فم آدم مجرد همسة:"أبي؟"لم يرد الرجل.لكن عينيه قالتا كل شيء.خمسة عشر عامًا من الأسئلة.خمسة عشر عامًا من البحث.خمسة عشر عامًا من الاعتقاد بأن النهاية حدثت في تلك الليلة...كل ذلك انهار في لحظة.قال آدم:"لا."تراجع خطوة."هذا مستحيل."أجاب الرجل:"المستحيل هو الشيء الذي يستخدمه الناس عندما لا يريدون مواجهة الحقيقة."---الفصل الثاني: لماذا اختفى رائد؟جلس الدكتور رائد السالمي أمام ابنه.لأول مرة منذ سنوات طويلة.لكن اللقاء لم يكن عائليًا.لم يكن هناك عناق.

  • مواجهة الموت    ٢٥

    الحلقة الخامسة والعشرون: آدم... بين الحقيقة والخيانة"الشخص الذي عرف كل شيء قبل الجميع"لم تعد القضية مجرد مطاردة.لم تعد مجرد ملفات مخفية أو أشخاص يختفون.لقد أصبحت مواجهة بين آدم...وبين الحقيقة التي حاول عقله أن ينساها.كان يعلم شيئًا واحدًا:هناك شخص يعرف القصة كاملة.شخص كان موجودًا منذ البداية.والآن...اقترب الوقت ليظهر.---الفصل الأول: بعد انهيار الأقنعةجلس الفريق داخل المقر السري.لكن المكان لم يعد يشعرهم بالأمان.الجدران التي كانت تحميهم...أصبحت تذكرهم بأن أحدًا كان يراقبهم من الداخل.قال ياسر:"نحتاج إلى إعادة ترتيب كل شيء."نظر إليه آدم."لا."استغرب الجميع.قال:"لم نعد نبحث عن الحقيقة."صمت."نحن نبحث عن من حاول دفنها."---الفصل الثاني: الرسالة الأخيرةوصل ملف جديد.هذه المرة لم يكن مجهول المصدر.كان مرسلًا باسم:الدكتور رائد السالمي.والد آدم.فتح آدم الملف.ظهرت رسالة صوتية.كان صوت والده هادئًا."آدم..."توقف طويل."أعرف أنك ستكرهني عندما تعرف كل شيء."خفض آدم عينيه.تابع الصوت:"لكنني فعلت ما فعلته لأنني كنت أعرف أن هناك يومًا ستضطر فيه إلى الاختيار."---الفصل ا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status