Mag-log inالصمت كان مطبقًا.
ليان فتحت عينيها ببطء. لكنها لم تكن تشعر بجسدها بالكامل. كأنها موجودة… لكن من دون وزن. الغرفة الزجاجية حولها كانت مختلفة عن أي مكان رأته من قبل. أكبر. أبرد. وأكثر خلوًا. الشاشة أمامها تضيء ببطء. ثم ظهر وجه آدم مرة أخرى. لكن هذه المرة… كان ينظر لها مباشرة. - صباح الخير يا ليان. ارتجفت. - إنتوا عايزين مني إيه؟! لم يجب فورًا. بل نظر لها كأنه يقيس رد فعلها. ثم قال بهدوء: - مش إحنا اللي عايزين منك حاجة… صمت. - إنتي اللي عايزة تعرفي الحقيقة. ضربت الزجاج بيديها. - الحقيقة إيه؟! أنا مش فاهمة حاجة من اللي بيحصل! اقترب وجهه على الشاشة أكثر. - طبيعي. - ليه طبيعي؟! - لأنك لسه ما شوفتيش الأصل. سكت لحظة. ثم قال الجملة التي جعلت الهواء يبرد حولها: - إنتي مش أول ليان. تجمدت. - يعني إيه مش أول واحدة؟! ظهر خلفه ملف على الشاشة. كُتب عليه: “PROJECT L — ORIGIN FILE” فتحت عينيها. - إنتوا بتعملوا إيه؟! بدأت الشاشة تعرض صور. لكن هذه المرة ليست لها. بل لنساء أخريات. نفس الملامح تقريبًا. نفس العيون. لكن بأسماء مختلفة. Version 1 Version 2 Version 3 كل واحدة تنتهي بنفس التاريخ: “فشل الاستقرار النفسي – إعادة التشغيل” ليان تراجعت للخلف. - لأ… ده كذب! صوت آدم جاء هادئًا: - مش كذب. - كل نسخة كانت بتفقد جزء من الذاكرة… لحد ما تنهار. صمت. ثم أضاف: - وإنتي آخر محاولة. ارتجفت. - آخر محاولة لإيه؟! سكت للحظة طويلة. ثم قال: - لإنتاج “إنسان لا ينهار”. توقف قلبها تقريبًا. - إنتوا مجانين… فجأة انفتح باب الغرفة الزجاجية. ودخل سليم السيوفي. لكن هذه المرة… كان يحمل ملفًا حقيقيًا في يده. أوراق قديمة. ومحروقة الأطراف. وضعها أمام الزجاج. - المشروع بدأ قبل ما تتولدي. نظرت له بصدمة. - ليه أنا؟! اقترب أكثر. - لأن دمك… كان الوحيد اللي بيستجيب للذاكرة. صمت. ثم قال: - والدتك كانت أول تجربة ناجحة جزئيًا. تجمدت. - أمي؟! أومأ. - وبعدها حصل خطأ. سكت لحظة. - ظهور “نور” كوعي مستقل. انقبض صدر ليان. - يعني إيه وعي مستقل؟! آدم رد: - يعني رفضت النظام. نور مش ماتت… هي اتفصلت. صوت إنذار خفيف بدأ يرن داخل الغرفة. سليم التفت بسرعة. - بدأ عدم الاستقرار. نظر إلى ليان. - عندك اختيار واحد دلوقتي. اقترب أكثر. - تكملي النسخة… - أو نوقفك نهائيًا. ارتجفت. - إنتوا عايزين تمسحوني؟! سليم رد بهدوء: - إحنا عايزين نحافظ على “النتيجة”. لكن فجأة… ظهر صوت نور من مكان غير معلوم: - “اقفلي النظام يا ليان…” تجمد الجميع. آدم التفت بسرعة. - مستحيل… إنتي مفروض متوصليش هنا! نور أكملت: - “لو كملتي… مش هتكوني إنسانة أصلًا…” سليم ضغط على زر في يده. وانطفأت كل الشاشات. ثم قال ببرود: - انتهى الاتصال. اقترب من ليان. - القرار الآن. لكن في تلك اللحظة… ليان لم تكن تنظر له. بل كانت تنظر للشاشة المطفأة. حيث ظهر سطر واحد أخير قبل أن تختفي الإضاءة: “إذا استيقظتِ… اكسري الحلقة.” وفجأة… ابتسمت ليان لأول مرة. لكن ابتسامة لم تكن خوف. بل فهم. ثم قالت بهدوء: - أنا فهمت. وفي اللحظة التالية… مدت يدها نحو الزجاج… وضغطت عليه في نقطة واحدة. ونظرها لم يعد كما كان. كأن النسخة بدأت تتغير من الداخل. لمست ليان الزجاج مرة واحدة فقط… لكن الغرفة كلها اهتزت. صوت خافت بدأ ينتشر داخل الجدران. زي نبض. ثم تحول إلى صوت صفير عالي. سليم تراجع خطوة بسرعة. - إنتي بتعملي إيه؟! لكن ليان كانت ثابتة. مش زي الأول. في عينيها حاجة مختلفة… وعي مش مكتوب في النظام. ضغطت أكتر. الزجاج بدأ يظهر عليه خطوط رفيعة. آدم اقترب فجأة. - ليان… توقفي! لو كملتي كده هتكسري الاستقرار كله! لكنها بصّت له. نظرة طويلة. - الاستقرار ده مبني على كدب. ثم قالت بهدوء: - وأنا مش هبقى جزء منه تاني. وفجأة… الزجاج اتشقّ. خط صغير. ثم اتسع بسرعة. صوت إنذار انفجر في المكان كله. 🚨 SYSTEM ALERT 🚨 سليم صرخ: - اقفلوا الحلقة فورًا! لكن مفيش حاجة اتقفلت. الشقوق بدأت تنتشر في كل الاتجاهات. كأن الغرفة نفسها بتنهار من الداخل. نور ظهر صوتها مرة تانية… أعلى من قبل: - “أخيرًا…” آدم شدّ قبضته على الشاشة: - إنتي فكتي الحماية؟! ليان قالت بهدوء غريب: - أنا مش بكسر الزجاج… صمتت لحظة. ثم أكملت: - أنا بكسر الفكرة نفسها. وفجأة… انفجر الزجاج بالكامل. لكن بدل ما يتكسر لشظايا… تحول لضوء. أبيض قوي. سليم اختفى فجأة من مكانه. كأنه تم مسحه من الواقع. آدم وقف مكانه. ثم قال بصوت منخفض جدًا: - ده مش المفروض يحصل… ليان وقفت في وسط الضوء. لكن جسمها بدأ يتغير. مش جسديًا… بل كأن حدودها بتتفتح. ذكريات جديدة بدأت تدخل عقلها. لكنها مش ذكرياتها. ذكريات ناس تانية. طفلة بتبكي في غرفة عمليات. امرأة بتصرخ. أجهزة بتعيد التشغيل. ثم صوت واحد واضح: “النموذج الأخير بدأ يستيقظ.” نور صرخت من مكان بعيد: - “إوعي تثقي في اللي جواكي!” لكن كان الوقت متأخر. ليان رفعت رأسها. وقالت بصوت مختلف تمامًا: - أنا مش نسخة… أنا البداية. آدم تراجع خطوة. - لأ… ده مستحيل… لكنها بصّت له. ابتسامة صغيرة ظهرت على وشها. - إنت كنت فاكر إنك بتراقب النسخ… صمت. - بس الحقيقة إنك كنت بتراقبني أنا من الأول. وفجأة… ظهر خلفها باب ضخم. مش باب غرفة. بل باب واقع كامل. بيفتح على مكان تاني. آدم همس: - ده مش موجود في النظام… ليان ردت: - لأنه خارج النظام. الضوء بدأ يسحبها ناحيته. لكن قبل ما تختفي… بصّت لآدم. نظرة أخيرة. - لو عايز تفهم الحقيقة… لازم تفتكر أنت مين الأول. ثم اختفت داخل الباب. وساد الصمت. آدم وقف وحده. لكن لأول مرة… وضع يده على رأسه. وكأنه بدأ يتذكر حاجة مش مفروض تكون موجودة. وفجأة… همس بصوت مكسور: - لأ… أنا مش مجرد مراقب… ثم رفع عينه. وكان فيها خوف حقيقي لأول مرة. - أنا كنت أول تجربة فاشلة.لم تستطع ليان أن تتحرك. كانت تنظر إلى المرأة أمامها... ثم إلى يوسف. ثم تعود بنظرها إلى المرأة من جديد. ـ بابا... خرجت الكلمة ضعيفة. ـ قول إن ده مش حقيقي. ظل يوسف صامتًا. وهذا الصمت كان أقسى من أي اعتراف. اقتربت ليان منه خطوة. ـ إنت كنت عارف إنها عايشة؟ خفض يوسف رأسه. ـ أيوه. تراجعت ليان وكأنها تلقت صفعة. ـ من إمتى؟ ـ من سبع سنين. اتسعت عيناها. ـ سبع سنين؟ ـ وأنا كل السنين دي بدور عليها؟ ـ وإنت كنت عارف؟ قال يوسف بسرعة: ـ كنت عارف إنها عايشة... ـ لكن ما كنتش عارف مكانها. قاطعه صوت المرأة: ـ لأ. نظر إليها الجميع. قالت: ـ كان يعرف إني عايشة. ـ وكان يعرف إني قريبة. ـ لكنه ما كانش يعرف مين اللي بيحميني. نظر يوسف إليها بألم. ـ كنتِ طفلة. ـ ما كانش ينفع أعرّضك للخطر. ضحكت بمرارة. ـ والخطر كان فين؟ ـ أنا عشت عشرين سنة مستخبية! ـ وأنا كنت فاكرة إن أختي ماتت! قال آدم بهدوء: ـ خلينا نفهم الأول. ثم نظر إلى المرأة. ـ اسمك إيه؟ صمتت لحظة. ثم قالت: ـ نادين. تجمد يوسف. كان الاسم يحمل شيئًا من الماضي. قالت ليان
ظلت ليان تحدق في شاشة هاتفها.الصورة لم تكن واضحة بالكامل...لكن القلادة كانت واضحة.نفس القلادة.نفس السلسلة الفضية الرفيعة التي كانت تظهر في الصور القديمة لنادية.رفعت ليان الهاتف أمام يوسف.ـ بابا...نظر يوسف إلى الصورة.وفي اللحظة التي وقعت عيناه عليها، تغير وجهه.ـ مستحيل.قال آدم:ـ إيه؟أشار يوسف إلى القلادة.ـ دي كانت مع نادية يوم موتها.اقترب العقيد حسام.ـ متأكد؟أومأ يوسف.ـ أنا اللي قفلت عليها بنفسي.ساد صمت ثقيل.قالت ليان:ـ يعني المرأة دي...ـ ممكن تكون ماما؟لم يجب يوسف.كانت الإجابة في عينيه أخطر من أي كلمة.تقدم سليم من بعيد.ـ لو عايزة تعرفي...ـ ادخلي.رفعت ليان عينيها إليه.ـ ولو دي مش أختي؟ابتسم.ـ يبقى هتعرفي مين هي.قال آدم:ـ وليه مستنيها جوه القصر؟ضحك سليم.
ظل الهاتف ملقى على الأرض. لم يتحرك أحد. كانت الجملة الأخيرة لا تزال معلقة في الهواء: "قول لها إن أختها لسه عايشة." لكن ليان لم تكن تسمع سوى كلمة واحدة. أختها. اقتربت من آدم ببطء. ـ الصوت ده... لم تستطع إكمال الجملة. رفع آدم عينيه إليها. كان واضحًا أنه يحاول أن يخفي صدمته. ـ أنا سمعته. ـ شبه صوت مامتك. هزت ليان رأسها بسرعة. ـ مش شبهه. ـ ده صوتها. قال يوسف بحدة: ـ مستحيل. التفتت إليه. ـ ليه مستحيل؟ ـ لأن نادية ماتت. ـ وأنا كنت معاها. صمت. اقترب العقيد حسام من الهاتف والتقطه. ـ الرقم مجهول. قال آدم: ـ ممكن نعرف مكان المكالمة؟ ـ هحاول. أعطاه الهاتف لأحد رجاله.
توقفت خطوات سليم خلف الباب.لم يعد أحد يتنفس بصورة طبيعية.كان آدم واقفًا أمام ليان، يرفع سلاحه بحذر، بينما أمسك العقيد حسام بيده وأشار إليه أن ينتظر.أما سامر...فكان يحدق في الباب وكأن شيئًا مرعبًا تذكره فجأة.همس يوسف:ـ إنت عارف مين معاه؟لم يجب سامر.كرر يوسف السؤال بحدة:ـ سامر... مين معاه؟رفع سامر عينيه إليه.ـ الشخص اللي كان المفروض يكون مات من عشرين سنة.تجمد يوسف.ـ لأ...قالها وكأنه يرفض تصديق ما سمعه.لكن قبل أن يكمل...انفتح الباب ببطء.ظهر سليم أولًا.ابتسامته المعتادة على وجهه.وخلفه وقف رجل آخر.رجل طويل، يرتدي معطفًا داكنًا، وملامحه لم تكن واضحة بسبب الظلال.لكن بمجرد أن رآه يوسف...سقطت الكلمات من فمه.ـ مستحيل...التفتت ليان إليه.ـ بابا؟لم يجب.كان يحدق في الرجل وكأن الماضي خرج من قبره ليقف أمامه.تقدم الرجل خطوة إلى داخل الغرفة.ثم رفع وجهه.شهقت ليان.لم تعرفه.لكن يوسف عرفه.وسامر عرفه.ورائد...كان قد اختفى من أمامهم.قال يوسف بصوت مرتجف:ـ إنت مت...ابتسم الرجل.ـ الناس صدقت إني مت.ثم نظر إلى سامر.ـ لكن مش كل الناس.شد سامر فكه.ـ كنت عارف إن اليوم ده هييج
ظلّت ليان واقفة في مكانها.الصورة بين أصابعها ترتجف.كانت تحاول استيعاب الكلمات التي قالها رائد."واحد منهم خان التلاتة."رفعت عينيها إليه.ـ مين؟لم يجب.اقترب يوسف ببطء.كانت ملامحه منهكة، وكأن الماضي الذي دفنه منذ عشرين عامًا عاد ليقف أمامه حيًا.قالت ليان:ـ بابا...ـ مين خان ماما؟أغمض يوسف عينيه.ولثوانٍ طويلة لم يتكلم.ثم قال:ـ مش عارف.صرخت ليان:ـ مش عارف؟!ـ بعد كل اللي حصل... لسه مش عارف؟!تراجع يوسف خطوة.ـ كنت فاكر إني عارف.ـ لكن كل مرة كنت أوصل للحقيقة...ـ كانت تختفي قدامي.تدخل رائد:ـ لأنه ما كانش بيدور في المكان الصح.نظر إليه يوسف بغضب.ـ وإنت كنت فين طول السنين دي؟ـ بتراقبني من بعيد؟ـ وسيبتني أعيش وأنا فاكر إن نادية ماتت من غير ما أعرف الحقيقة؟خفض رائد عينيه.ـ كنت بحاول أحميك.ضحك يوسف بمرارة.ـ تحميني؟ـ ولا تحمي نفسك؟ساد الصمت.لكن ليان لم تعد تحتمل.رفعت الصورة أمام رائد.ـ أنا عايزة أعرف اللي حصل في الليلة دي.ـ حالًا.نظر رائد إلى الصورة.ثم قال:ـ الليلة دي كانت أهم ليلة في حياة نادية.ـ كانت اكتشفت إن فيه تحويلات مالية بتخرج من الشركة باسم أشخاص وهميي
ظلّت ليان تحدق في الورقة.لم تستطع أن تبعد عينيها عن التوقيع.كان توقيع آدم...بنفس الانحناءة.بنفس التفاصيل الصغيرة التي اعتادت رؤيتها على الأوراق التي كان يوقعها أمامها.رفعت عينيها إليه ببطء.ـ إيه ده؟لم يجب آدم فورًا.كان هو الآخر يحدق في المستند وكأنه يراه للمرة الأولى.قال رائد:ـ قبل ما تحكمي عليه...قاطعه آدم بحدة:ـ أنا مش محتاج حد يدافع عني.ثم أخذ الورقة من يده.قرأها مرة أخرى.وتغير وجهه.ـ التوقيع ده حقيقي.اتسعت عينا ليان.ـ يعني إيه؟رفع آدم عينيه إليها.ـ يعني أنا وقعت على الورقة دي فعلًا.ساد صمت ثقيل.تراجع يوسف خطوة.أما العقيد حسام فاقترب بسرعة.ـ وريني.ناول آدم المستند إليه.قرأ حسام السطور.ثم قال:ـ الورقة دي عبارة عن تفويض قانوني.ـ تفويض لإدارة جزء من ممتلكات عائلة السيوفي.نظر إلى ليان.ـ ومكتوب فيها إن آدم يقدر يتصرف نيابة عنك.تجمدت ملامحها.ـ عني؟هز حسام رأسه.ـ أيوه.نظرت إلى آدم.ـ إمتى وقعت الورقة دي؟تنفس آدم ببطء.ـ قبل ما أعرفك.ـ من حوالي سنتين.عقدت حاجبيها.ـ وإيه علاقتك وقتها بعيلة السيوفي؟صمت آدم للحظة.ثم قال:ـ كنت شغال في شركة تابعة لهم.