تسجيل الدخولأجابه سليمان ببرودٍ وسخرية، وعيناه تحملان تحدياً صريحاً:ـ "كيف أجرؤ!!؟ سيد أدهم هل تعتقد أنني سائقك الخاص لأتحدث معك باحترام؟"ثم أكمل بجمودٍ قاطع:ـ "وأنا لم أقل شيئاً خاطئاً.... الآنسة حور تبدو متعبة بالفعل... لذا إذا لم تعجبك طريقة حديثي معك... فلتضرب رأسك في الحائط لأنني لا أهتم."نظرت له حور بصدمةٍ وذهول من طريقة حديثه الباردة والحادة، وهي التي لم تره يوماً يتحدث بهذا الأسلوب الصارم.وبالتأكيد انتبهت فوراً إلى ردة فعل أدهم المنزعجة والغاضبة التي ظهرت جلية على تقاطيع وجهه إثر كلمات سليمان، الفكرة التي جعلت الأجواء تشتعل توتراً، فهتفت بإحراجٍ وبنبرةٍ أصابها القلق:ـ "سيد أدهم.. أنا أعتذر لـ..."لم تستطع حتى أن تُنهي اعتذارها؛ إذ امتدت يد سليمان ليمسكها من كفها ويسحبها خلفه بخطواتٍ حاسمة قطعت أي مجال للنقاش.فتح باب السيارة الخلفي لها لتركب، وقبل أن تخطو إلى الداخل، التفتت ونظرت إليه قليلاً بصمتٍ تائه، ثم ركبت بهدوء.أغلق سليمان الباب بقوة، ثم توجه بخطواتٍ سريعة ليجلس خلف مقعد السائق، وأدار المحرك لينطلق بالسيارة مخلّفاً أدهم وراءه.ساد صمتٌ خانق وثقيل داخل السيارة، صمتٌ لم يق
في الوقت نفسه...داخل قصر الجبيلي، كان الهدوء يخيّم على المكان بصورةٍ غير معتادة.جلس الجد أكرم داخل مكتبه الواسع، وأمامه ألبومٌ قديم للصور.مرّر أصابعه المرتجفة فوق إحدى الصور ببطء، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ حزينة.صورةٌ لابنه الأكبر...ثم أخرى لابنته...ثم صورة تجمع العائلة كلها قبل سنواتٍ طويلة، قبل أن يسرق ذلك الحادث كل شيء.تنهد بعمق، وشعر بوخزةٍ مؤلمة داخل صدره.ثم همس بصوتٍ مبحوح:ـ "مرت سنوات طويلة... وما زلت أشتاق إليكم وكأن الأمر حدث بالأمس."توقفت أنامله فوق صورةٍ أخرى، وسرعان ما امتلأت عيناه بالدموع قائلاً: ـ "لقد كبر الأحفاد... وأصبح لكلٍ منهم عالمه الخاص."ثم أكمل وهو يبتسم بحزن ومازال يحدق في الصور : ـ "لكنني تعبت... تعبت كثيرًا."وفجأة...أخذ يسعل بقوة وشعر بصعوبة في التنفس فجأة : ـ "كح... كح... كح..."وضع يده فوق صدره محاولًا التقاط أنفاسه، لكن السعال ازداد حدة.تغير لون وجهه تدريجيًا، وشعر بأن الهواء لم يعد يصل إلى رئتيه كما يجب.حاول النهوض من مقعده بصعوبة وهو يتمسك بحافة المكتب ثم تمتم بصوت متقطّع لاهث : ـ "ما....ماء..."حاول مد يده نحو كوب الماء الموضوع ع
أومأت حور برأسها بخفة، ثم فتحت باب السيارة تستعد للنزول، لكن صوت سليمان أوقفها قبل أن تخطو بعيدًا.ـ "حور."التفتت إليه مجددًا، لتجده ينظر إليها هذه المرة مباشرة، لا عبر المرآة كما اعتاد.شعرت بتوترٍ خفيف يتسلل إلى قلبها دون سببٍ واضح، بينما قال هو بنبرة هادئة حاول أن يجعلها عادية:ـ "سأبقى هنا… انتظركِ حتى تنتهي."اتسعت عيناها قليلًا بدهشة، ثم قالت بسرعة:ـ "لا داعي لذلك، ربما سأتأخر."ابتسم سليمان ابتسامة باهتة، تلك الابتسامة التي تحمل دائمًا شيئًا من الاستسلام المؤلم، ثم قال بهدوء:ـ "لا بأس… سأنتظر."توقفت لثوانٍ تنظر إليه بصمت، لا تعرف لماذا جعلتها كلماته تشعر بذلك الدفء الغريب داخل صدرها.أخفضت نظرها سريعًا وهي تتمتم بخفوت:ـ "حسنًا… شكرًا."ثم أغلقت الباب واتجهت نحو المقهى بخطواتٍ متسارعة، بينما بقي سليمان يتابعها بعينيه حتى اختفت بالداخل.تنهد ببطء، وأسند رأسه إلى المقعد خلفه هامسًا لنفسه بمرارة:ـ "وكأنني أستطيع المغادرة أصلًا…'" دلفت حور إلى المقهى بهدوء، وما إن وقعت عيناها على أدهم حتى لمحته يجلس قرب النافذة بملابسه الرسمية الأنيقة، وأمامه كوب قهوة فارغ يبدو أنه تناوله بين
مرّ أسبوعٌ كامل منذ تلك الليلة… أسبوعٌ لم يحدث فيه شيء واضح، لكنّه كان كافيًا ليزيد ارتباك حور أكثر وأكثر. كانت ما تزال تتجنب النظر طويلًا إلى سليمان، وتتحدث معه بحذرٍ غريب لا يشبهها، بينما هو يراقب هذا التغيّر بصمتٍ مؤلم، عاجزًا عن فهم سببه الحقيقي. وفي يوم العطلة… كانت حور كعادتها تجلس داخل غرفتها الواسعة أمام مكتبها، وقد انشغلت بالكامل في تعديل أحد التصاميم على حاسوبها المحمول. انعكس ضوء الشاشة فوق ملامحها المركزة، بينما كانت تعضّ طرف القلم بين حينٍ وآخر وهي تراجع التفاصيل بعناية. تنهدت بإرهاق وهي ترفع يديها تمطّ عضلات رقبتها المتشنجة، ثم همست بتذمر: ـ "أقسم أنني سأفقد بصري بسبب هذه التصاميم يومًا ما." وفي تلك اللحظة، أضاء هاتفها الموضوع بجانبها معلنًا وصول رسالة جديدة. مدّت يدها تلتقطه بكسل، لكن ما إن وقع بصرها على اسم المرسل حتى اتسعت ابتسامتها تلقائيًا. "أدهم." شعرت بدقات قلبها تتسارع قليلًا دون إرادة، ثم فتحت الرسالة بسرعة. ـ "أريد التحدث معكِ على انفراد… أنا بانتظاركِ في المقهى القريب من القصر." توقفت عيناها فوق الكلمات لثوانٍ طويلة، بينما بدأت أفكارها تتسابق داخل
اقتربت منه أكثر حتى لم تعد تفصل بينهما سوى مسافةٍ صغيرة، ثم رفعت ذراعيها تلفهما حول عنقه برقةٍ متعمدة، ونظرت إليه بعينين ممتلئتين بالدلال وهي تهمس:"إذًا… أثبت لي كلامك."تصلب جسد سفيان فور اقترابها شعر بضيقٍ غريب يجتاح صدره، وكأن شيئًا داخله يرفض هذا القرب رغم أنه اعتاده منها لسنوات.أما نارين، فكانت تراقب وجهه بدقة…تبحث عن أي ارتباك… أي مقارنة… أي دليلٍ يؤكد شكوكها.مرّت ثوانٍ ثقيلة وهو ينظر إليها بصمت، ثم أنزل عينيه نحو ذراعيها الملتفتين حوله.لكن الغريب…أن أول صورة اقتحمت عقله في تلك اللحظة لم تكن لنارين بل لكوثركوثر بخجلها المرتبك… وصوتها الهادئ… وارتعاشها الخفيف كلما اقترب منها.اشتدت ملامحه فجأة، وكأن الفكرة نفسها أغضبته.أما نارين، فقد لاحظت شروده القصير، ولاحظت أيضًا أنه لم يبادلها قربها كما اعتاد سابقًا.فتلاشت ابتسامتها تدريجيًا، وهمست وهي تحدق بعينيه مباشرة:ـ "أرأيت؟"ثم أكملت بصوتٍ خافت لكنه أكثر سخرية مؤلمه :ـ "حتى وأنت بين ذراعيّ… تفكر بها."اشتعل الغضب داخل سفيان بصورةٍ أربكته هو نفسه…غضبٌ من كلمات نارين… ومن ارتباكه… ومن تلك الحقيقة التي بدأ يخشاها.وفجأة جذب نارين
ثم قال بصوت منخفض... لكنه يحمل غضبًا واضحًا: ـ "نارين... تعالي خلفي. أريدك." تجمدت ابتسامتها فورًا وشعرت بخوفٍ خفيف يتسلل إلى قلبها…لأنها تعرف تلك النظرة جيدًا. سفيان لا ينظر هكذا إلا عندما يكون غاضبًا بشدة لكن رغم ذلك… سرعان ما تغلبت مشاعر الغيرة والحقد داخلها على خوفها. بل جزءٌ منها كان يشعر بالشماتة على الأقل اليوم… كوثر تألمت وعلى الأقل اليوم… عاد زين إليها. رفعت رأسها بكبرياء خافت وهي تحاول التظاهر بالهدوء، بينما نهض سفيان من مكانه دون انتظارها. لكن قبل أن يغادر…التفت نحو زين قائلاً بنبرة هادئة: ـ "زين… أنهِ طعامك ثم اذهب إلى غرفتك مباشرة." أومأ زين بطاعة: "حسنًا يا أبي." وبعدما أنهى سفيان حديثه مع زين، رفع عينيه نحو الجد وقال بصوتٍ هادئ يخفي غضبه بصعوبة: ـ "اعذرني يا جدي." اكتفى الجد بهزّ رأسه بصمت دون أن ينطق بكلمة لكن عينيه كانتا ممتلئتين بالتعب. تعب رجلٍ يرى بعينيه كيف تحولت حياة حفيده الزوجية إلى ساحةٍ باردة مليئة بالنفور والصراعات الصامتة. كان يلاحظ كل شيء…نظرات نارين المليئة بالغيرة… جمود سفيان الدائم معها… وذلك الحاجز القاسي الذي أصبح يفصل بينهما حتى وهما ي







