Share

الفصل الثامن عشر

Author: Mira nda
last update publish date: 2026-09-09 06:24:25

حملها إلى الفراش، ووضعها كما يوضع شيء نادر يخشى كسره، يراقب وجهها الهادئ في إغمائها، ذلك الوجه الذي لا يشي بشيء مما فعلته يداه قبل دقائق.

وفي تلك اللحظة، اكتمل اللغز الذي حيّره أسابيع.

الظل الذي كان يُصفّي الخونة واحدًا تلو الآخر دون أثر، لم يكن غريبًا يتسلل إلى قصره ليلاً.

كان ينام بجانبه، في الفراش ذاته، كل ليلة تقريبًا.

قرر، وهو يمسح دمها الجاف بمنديل بين أصابع مرتجفة، أن يحمل هذا السرّ وحده. ليس الآن. ربما ليس أبدًا.

🩺 صديق، لا خطر

في اليوم التالي، بادر فيكتور بالحديث هذه المرة.

"ألكسندر،" قال بصوت من يزن كل كلمة قبل أن يُخرجها، "أعرفك منذ زمن طويل، وأعرف حين تُخفي شيئًا. لن أطلب أسرارك؛ منصبك يستوجب حذرًا لا أفهمه بالكامل. لكن ما لاحظته في أنجل يستحق انتباهًا طبيًّا حقيقيًّا، لا صمتًا مجاملاً."

توتّر ألكسندر تحت قناع هادئ: "ماذا لاحظت بالضبط؟"

"تحوّلات مفاجئة في النبرة. فجوات صغيرة لا تتناسب مع سياقها. برود حاد يعقبه دفء طبيعي، وكأن مفتاحًا يُطفأ ويُشعل من جديد." توقف، ونظر إلى صديقه بجدية طبيب لا جدية محقق: "قد يكون هذا اضطراب هوية انفصامي. غالبًا ما ينتج عن صدمة عميقة في الطفولة، تُعيد صدمة لاحقة تنشيطها. والشخصيات البديلة، في معظم الحالات الموثّقة، لا تكون خطرة بذاتها؛ هي غالبًا حارسة، تظهر لتحمل عن 'الشخص الأساسي' ألمًا يعجز عن حمله وحده. لكنها تحتاج متابعة متخصصة، لا تجاهلاً يشبه إطفاء إنذار حريق."

نظر إليه ألكسندر طويلاً، وصراع حقيقي يعتمل تحت هدوئه الصلب.

فيكتور لم يكن عدوًّا يتربّص. كان صديقًا صدّق حلمه حين لم يصدقه أحد، ولم يطلب مقابلاً يومًا.

لم يستطع أن يرى فيه تهديدًا يستحق صمتًا أبديًّا.

"سأفكر في الأمر،" قال أخيرًا، بصدق نادر منه. "أعطني وقتًا. أعدك ألا أتجاهل ما قلته."

ابتسم فيكتور بارتياح رجل ظنّ أنه أنقذ شيئًا، دون أن يعرف أن صديقه، في تلك اللحظة بالذات، كان يخوض حربًا صامتة بين حبّه لامرأة لا تعرف حقيقة نفسها، وولائه لصديق يحاول، بنيّة صافية كماء لم يُكدَّر بعد، أن ينتشلها من نفسها.

🎉 ليلة زرقاء

بعد أيام، دُعي ألكسندر وأنجل، برفقة فيكتور، إلى حفل خيري كبير لدعم مشاريع إعادة إعمار في مناطق تضرّرت من مشروع السكك الجديد.

ارتدت أنجل فستانًا أزرق داكنًا، كأنه اقتُطع من قماشة السماء في أعمق ساعات الليل، يلتفّ حول جسدها بأناقة تجمع بين الرقّة والقوة في آنٍ، وشعرها ينسدل بتموّجات ناعمة تلمع تحت الأضواء، وابتسامتها الهادئة تسحب كل عين نحوها دون أن تسعى إلى ذلك.

بدت، في تلك الليلة، كلوحة اكتملت أخيرًا بعد رسم ناقص طويل: جمال يحمل خلفه غموضًا يعجز الحاضرون عن تفسيره، فيزيدهم افتتانًا بدل أن ينفّرهم.

تنقّل ألكسندر بجانبها بين الحضور، يده على خصرها بثبات من يُعلن ملكيّة لا يناقشها أحد، يُعرّفها بوجوه مهمة، بينما راقبها فيكتور من بعيد، معجبًا بقدرتها على التأقلم مع عالم لا تملك عنه ذاكرة واحدة، وكأنها ولدت من جديد بغريزة اجتماعية كاملة النضج.

في منتصف الحفل، حين انشغل ألكسندر بحديث عمل مع مستثمر كبير، اقترب من أنجل رجل لم تعرفه، متوسط العمر، أنيق كمن اعتاد القاعات الفخمة، بابتسامة مهذبة لا تحمل عداءً ظاهرًا، لكنها لا تحمل دفئًا حقيقيًّا أيضًا.

"سيدتي أنجل،" قال بصوت هادئ كصوت من يقرأ جملة حفظها منذ زمن، "يسعدني أن أراكِ بخير هذه الليلة. تبدين... متعافية تمامًا."

ابتسمت بلطف: "شكرًا لك. أخشى أنني لا أتذكرك."

"لا بأس،" ردّ بابتسامة غامضة تحمل ظلاً من حزن قديم. "أخبريني فقط... هل تركتِ حقّ الطفل أخيرًا؟ هل سامحتِ؟"

جمدت أنجل في مكانها. شعور غريب بالضيق يعتصر صدرها دون أن تملك تفسيرًا واحدًا له.

"أي طفل؟" سألت بارتباك صادق.

لكن الرجل كان قد ابتعد، ذاب بين الحشد قبل أن تتمكن من تثبيت ملامحه في ذاكرة لا تحتفظ بشيء أصلاً، تاركًا سؤاله معلّقًا في هواء القاعة كغيمة لا تُمطر بعد، لكنها تحمل رعدًا مؤجلاً.

راقبها فيكتور من بعيد، لاحظ شحوب وجهها المفاجئ، واقترب مسرعًا: "أنجل؟ هل أنتِ بخير؟"

هزّت رأسها ببطء، تُحاول استعادة ابتسامتها المعتادة: "أظن ذلك. مجرد شعور غريب... مرّ الآن."

لكنه لم يمرّ حقًّا. بقي شيء عالقًا خلف عينيها طوال الليلة، سؤال بلا إجابة يطرق بابًا مغلقًا في مكان من ذاكرتها لا تملك مفتاحه بعد.

وحين أخبر فيكتور ألكسندر لاحقًا بما جرى، ووصف الرجل الغريب الذي تبخّر دون أثر، شعر ألكسندر ببرودة تسري في عروقه، من نوع لا تُسبّبه غرفة مكيّفة.

لم يكن يعرف من يكون ذلك الرجل.

لكنه عرف يقينًا واحدًا، صلبًا كحجر سقط في جوف معدته: أحدهم، في مكان ما من هذا العالم الواسع، يعرف من هي أنجل حقًّا، أكثر بكثير مما تعرف هي عن نفسها.

وهذا وحده كان كافيًا لأن تنتهي ليلة بهذا القدر من الفخامة والأضواء، بشعور ثقيل يزحف ببطء نحوهم جميعًا، كظلٍّ يكبر كلما اقترب الغروب من نهايته.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • مَلاك أم شَيْطان   الفصل العشرين

    🖤 الفصل العشرين رماد النصر"يظنّ المنتقم أن الموت وحده يُسكت الحكاية. لكن الحكايات، مثل الأشباح، لا تحتاج جسدًا لتبقى تُطارد."— قول قديمصباح عادي، كأي صباح آخر مرّ منذ سنة ونصف على ذلك اليوم.كانت أنجل قد ظنّت، في لحظة انتصارها، أن موت ألكسندر سيشفي غليلها، أن الانتقام سيترك في حلقها طعمًا مختلفًا عن كل ما عرفته من قبل. لم تتخيل أنه سيترك فيها هذا الرماد بالذات، هذه المرارة التي لا تُشبه انتصارًا بقدر ما تُشبه جرحًا لا يُشفى لأنه فُتح بيدها هي.قلبها، الذي ماتت فيه أشياء كثيرة يوم موته، لا يزال يخفق كل صباح، عنيدًا كذكرى ترفض أن تُدفن. روحها، التي شعرت أنها انسُحبت منها في اللحظة نفسها التي انسُحبت فيها روحه، لا تزال تسكن جسدًا يتحرك، يأكل، يبتسم أحيانًا، دون أن تعرف من أين تستمد هذا كله.ابتلعت ريقها، ونهضت على صوت بكاء طفلها، ثمرة شيء لم تفهمه بعد كل هذا الوقت: هل كان حبًّا؟ كرهًا؟ أسى على هذا الملاك الصغير الذي لم يختر شيئًا مما وُلد فيه؟أيّ ذنب اقترفه أوليفر ليُولد لأمّ قتلت والده الحقيقي، ولأب لا يربطه به سوى الورق، والد هذا الأب بالورق نفسه هو من قتل شقيق والده الحقيقي؟أمّه

  • مَلاك أم شَيْطان   الفصل العشرين

    الفصل العشريندسّ في يدها ورقة صغيرة: "رقمي. إن احتجتِ يومًا شخصًا يستمع إليكِ دون أن يُخفي عنكِ شيئًا... أنا موجود."ابتعد، تاركًا خلفه شعورًا غامضًا بأنها التقت للتو بشيء أكبر من غريب مهذّب.📱 الهاتف القديمفي تلك الليلة، وجدت هاتفًا قديمًا مخبأً خلف أكوام ملاءات، شاشته مفتوحة على تسجيل صوتي واحد.ضغطت، بفضول لم تُقاومه.صوت ألكسندر، واضحًا لا لبس فيه، يتحدث ببرود عن "التخلص من مشكلة"، وجملة واحدة صريحة: "الطفل... يجب أن ينتهي الأمر الليلة."شهقت برعب صامت، يدها تُغطي فمها.لم تكن تعرف أن التسجيل صناعة أنيقة لرجل يعرف تمامًا كيف يصنع كذبة تُصدَّق أكثر من أي حقيقة.☕ يوم في الخارجبعد أيام من صمت ثقيل، شعرت أنجل بتوعّك حقيقي، وطلبت من ألكسندر السماح لها بزيارة الطبيبة والتنزّه بمفردها.توقفت عند مقهى صغير، بجانبه حديقة أطفال. وصلتها ضحكاتهم كفراشات صوتية بريئة.تدفّقت الصور فجأة: طفل صغير يضحك بين ذراعيها، يد صغيرة تُمسك إصبعها.طفلها.ربطت الصورة بالتسجيل الذي سمعته، وشعرت بنفسها تغرق في ظلام كثيف.🏥 خبر مزدوجاستفاقت في المستشفى. "أنتِ بخير، سيدتي. وطفلكِ بخير أيضًا. أنتِ حامل."

  • مَلاك أم شَيْطان   الفصل التاسع عشر

    🖤 الفصل التاسع عشر: الوجه الثالث"الانتقام ميراث يُورَّث كما تُورَّث الأرض والاسم، إلا أنه لا يُنبت شيئًا سوى مزيد من الحرائق."— قول قديمبقي سؤال الرجل الغريب معلّقًا في رأس أنجل كغصن شجرة لا تعرف من أين أتى، ولا إلى أي جذر ينتمي: "هل تركتِ حقّ الطفل؟ هل سامحتِ؟"كررت الجملة لنفسها ليالٍ متتالية، تُقلّبها كحصاة في جيب، تحاول أن تفهم شكلها من ملمسها وحده، دون أن تملك عينين تريانها.لم تكن تعرف أنها ليست وحدها من يراقب هذا الترقّب الصامت في عينيها.---🕯️ عيون في الظلكانت "إيلينا"، إحدى الخادمات اللواتي أُلحقن بخدمة أنجل بعد عودتها من الغيبوبة، تؤدي عملها بدقّة نموذجية لا تثير شكًّا. لم يكن أحد في القصر يعرف أنها، كل مساء، تكتب تقريرًا مقتضبًا عن كل كلمة تسمعها، وترسله إلى رجل ينتظر بصبر من يعرف أن الوقت، لا القوة وحدها، هو أفضل أسلحته.---🔥 حبّ قديم، وحريق أقدملفهم درايك، كان لا بدّ من العودة إلى حكاية بدأت قبل ميلاد أيّ منهما.في شبابهما، أحبّت والدة درايك والد ألكسندر حبًّا صادقًا، من ذلك النوع الذي يُخال أنه سيصمد أمام كل شيء. لكن الحرب لا تسأل القلوب عن مواعيدها؛ استُدعي وا

  • مَلاك أم شَيْطان   الفصل الثامن عشر

    حملها إلى الفراش، ووضعها كما يوضع شيء نادر يخشى كسره، يراقب وجهها الهادئ في إغمائها، ذلك الوجه الذي لا يشي بشيء مما فعلته يداه قبل دقائق.وفي تلك اللحظة، اكتمل اللغز الذي حيّره أسابيع.الظل الذي كان يُصفّي الخونة واحدًا تلو الآخر دون أثر، لم يكن غريبًا يتسلل إلى قصره ليلاً.كان ينام بجانبه، في الفراش ذاته، كل ليلة تقريبًا.قرر، وهو يمسح دمها الجاف بمنديل بين أصابع مرتجفة، أن يحمل هذا السرّ وحده. ليس الآن. ربما ليس أبدًا.🩺 صديق، لا خطرفي اليوم التالي، بادر فيكتور بالحديث هذه المرة."ألكسندر،" قال بصوت من يزن كل كلمة قبل أن يُخرجها، "أعرفك منذ زمن طويل، وأعرف حين تُخفي شيئًا. لن أطلب أسرارك؛ منصبك يستوجب حذرًا لا أفهمه بالكامل. لكن ما لاحظته في أنجل يستحق انتباهًا طبيًّا حقيقيًّا، لا صمتًا مجاملاً."توتّر ألكسندر تحت قناع هادئ: "ماذا لاحظت بالضبط؟""تحوّلات مفاجئة في النبرة. فجوات صغيرة لا تتناسب مع سياقها. برود حاد يعقبه دفء طبيعي، وكأن مفتاحًا يُطفأ ويُشعل من جديد." توقف، ونظر إلى صديقه بجدية طبيب لا جدية محقق: "قد يكون هذا اضطراب هوية انفصامي. غالبًا ما ينتج عن صدمة عميقة في الطفو

  • مَلاك أم شَيْطان   الفصل السابع عشر

    🖤 الفصل السابع عشر: الوجهان"من يحمل وجهين، لا يكذب بالضرورة. أحيانًا هو الصادق الوحيد بينهما، لأنه لا يتظاهر بأنه واحد فقط."— قول قديمللأصدقاء القدامى ذاكرة أخرى، لا تشبه ذاكرة الغرباء. هم يتذكرون نسخة منك ما زالت حيّة في مكان ما، حتى حين تنساها أنت بنفسك.وصل فيكتور إلى القصر في عصر بارد، حاملاً معه شيئًا من رائحة سنوات بعيدة قضاها ألكسندر في مدرّج جامعي متواضع، حين لم يكن بعد ذلك الرجل الذي تُخفض له الرؤوس. جاء بدعوة هاتفية مقتضبة، ومن دون أن يُدرك أنه قادم ليكون شاهدًا على أول شقّ حقيقي في جدار كان يُظن أنه من حجر صلب.قدّمه ألكسندر لأنجل بوصفه "صديقًا قديمًا في زيارة قصيرة"، طاويًا مهنته الحقيقية كما تُطوى وثيقة لا يُراد لها أن تُقرأ بعد.استقبلته بحفاوة لا تحمل أثرًا من حساب أو حذر، احتضنت ذراع ألكسندر أمامه: "بالطبع هو مرحّب به." ثم مالت برأسها على كتفه، وسألته بصوت من يطرق بابًا مغلقًا منذ زمن طويل: "حبيبي، أريد بعضًا من وقتك. في رأسي أسئلة كثيرة عن الماضي، عن هويتي."تجمّد قبل أن يجيب، كمن يخطو على جليد لا يعرف سمكه: "بالطبع، اسألي ما تريدين.""كم عمر علاقتنا؟ كيف التقينا؟

  • مَلاك أم شَيْطان   الفصل السادس عشر

    🖤 الفصل السادس عشر: يوم الوعد"الذاكرة لا تموت أبدًا حين يكون صاحبها لا يزال يتنفس. هي فقط تنام، في انتظار الكلمة التي توقظها."— قول قديمطرقت الباب بخفة.رفع ألكسندر عينيه عن أوراقه. كانت هي.دلفت بهدوء، ترتدي فستانًا صغيرًا أنيقًا، تحاول أن تُقنع نفسها، أكثر مما تُقنعه هو، أنها فعلاً امرأة تعرف كيف تكون زوجة.نظرت إليه بتوجس وخجل ممزوجين، وهمست لنفسها بصوت لا يكاد يُسمع: "لا أصدّق نفسي. هل هذا الرجل الفاتن زوجي حقًّا؟ زوجة الرئيس... هل أنا محظوظة إلى هذا الحد؟"كانت تهاب الفكرة، لكنها رفضت أن تبقى مجرد قطعة زجاج توضع على رفّ عالٍ، يُخشى عليها من كل شيء. أرادت أن تعيش حياة زوجة حقيقية، تسانده، تكون له عونًا لا عبئًا.ابتسم ألكسندر بخبث وهو يراها تقف هكذا، تلعب بأصابعها في طرف الفستان، وجنتاها متوردتان.أدرك أنها تريد كسر الحواجز بينهما.ولم يكن هو، بصراحة، ليمانع.نزع ربطة عنقه، فتح زرّين من قميصه، ووضع يديه في جيبيه، يمشي نحوها بهدوء لا يشبه اضطراب داخله على الإطلاق.وصل إليها، أمسك خصرها، حاصر ظهرها بالباب."أتيتِ لحتفكِ يا قطتي،" همس، شفتاه على بعد أنفاس من شفتيها. "طال انتظاري،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status