Se connecter🖤 الفصل الواحد و العشرون: وجه من الماضي
"القلب لا يقرأ الأسماء الجديدة كما تقرأها العين. أحيانًا يتعرف على شيء لم يره من قبل، لمجرد أنه يشبه شيئًا لم ينسه بعد." — قول قديم حين وصلت أنجل، وجدت درايك ينتظرها عند مدخل مبنى زجاجي شاهق، لوحة نحاسية لامعة عند المدخل تحمل اسمًا لم تتوقعه: "أوليفر". "هذه الشركة تحت تصرفك،" قال بصوت هادئ يحمل جدية لا تشبه مزاحه المعتاد. "أنشأتها لكِ، وهي لكِ، وستترأسينها. أتمنى أن تقوديها نحو النجاح، وأن تُجهّزي إمبراطورية تليق باسم ابننا." توقف، ونظر إليها بجدية أعمق: "أريد لأوليفر، حين يكبر، أن يكون قويًّا، ناجحًا، لا يسمح لأحد بأن يلمس شعرة منه. ومن يفكّر في أذيته، سيمرّ على جثتي أولاً. لن يعاني أوليفر كما عانينا نحن. سيعيش سعيدًا، لن يُحرم من دفء عائلة تحميه، ولن يحتاج أحدًا سواها." شرح لها أن الشركة صُمّمت لإدارة المشاريع، مستندة إلى قدرتها الفذّة على التخطيط، وأنه سيموّل بنفسه المشروع الذي طالما حلمت به: برنامج يُجري مقابلات العمل ويُقيّم الكفاءات دون وساطة أو محسوبية، يمنح كل شركة تعتمد عليه موظفين أكفاء حقًّا، لا أبناء معارف. حلم أن تصبح هي، عبر هذا البرنامج، حجر الأساس في سوق العمل بأكمله. وقفت أنجل صامتة، تنظر إليه بذهول: "هل دخلتَ إلى عقلي؟ أم أنك جنّي المصباح الذي يحقق الأمنيات؟" ابتسم: "ربما كانت بدايتنا غير موفقة. لكنني صادق حين أقول إنني أعتبركم عائلتي، والسبب الذي أعيش من أجله. أرجوكِ، فقط، أريد أن أكون عائلتكِ. أريد أن أُعوّضكِ. أرى نفسي في أوليفر، وأريد أن أُحقق له كل ما تمنيتِه له. لا أريد مقابلاً. أريد أن أسعى لقلبكِ، وأن أُثبت نيّتي." اقترب خطوة: "أعطيني هذه الفرصة، وسأنتظركِ. سأطرق باب قلبكِ لبقية حياتي، ولن أملّ. سأنتظر حتى يُفتح هذا الباب." ردّت بخفوت، وإحساس ذنب يتآكلها: "وماذا إن لم يُفتح؟" ابتسم ابتسامة صادقة، لا تحمل أي خيبة مسبقة: "سأفعل ما بوسعي. وإن لم أنجح، يكفيني شرف المحاولة." قالت بتوجس: "ربما لستُ كما تظن. ربما لديّ جزء مظلم. ربما لستُ ملاكًا." ردّ بثقة لا تتزعزع: "أريد ظلامكِ وإشراقكِ معًا. أريد كل جزء فيكِ. ظلامي يريد نوركِ، ونوري يتوق لظلامكِ." قبّل يدها، وضع يده على خصرها بلطف، حثّها على التقدّم حيث كان موظفو الشركة يصطفّون عند الباب للافتتاح. أعطاها المقصّ، فقصّت الشريط الأحمر وسط تهانٍ متتالية. ستبدأ من جديد، من أجل طفلها. ستبني له أساسًا لن يهتزّ أبدًا. بينما كانت تتقدّم وسط الحضور، أحسّت بعينين تراقبانها من مكان ما. نظرت حولها، لم تجد أحدًا. ثم اقتربت منها امرأة مهيبة بملامح جادّة. "تهانيّ، سيدتي الرئيسة. أنا ماريانا، مساعدتكِ الشخصية. في خدمتكِ، سيدتي. أتمنى أن أكون عند حسن ظنكِ." ابتسمت أنجل: "تشرّفت بكِ، ماريانا. اهتمّي بي، سأعتمد عليكِ." --- 🌙 عطر لا يُنسى مساءً، بعد تفقّد الشركة وتوقيع أوراق الاستلام، عادت أنجل إلى القصر منهكة. احتضنت طفلها، قبّلته، وطلبت من نرمين، مربّية أوليفر، أن تتولّى الاعتناء به لأنها بحاجة للراحة. أخذت حمامًا طويلاً، واستلقت في فراشها، أغمضت عينيها. في نومها، كانت رائحة ألكسندر تملأ المكان، حاضرة كأنها لم تغب يومًا. شعرت به قريبًا منها، بأنفاسه تُلامس رقبتها كما اعتادت. "ألكس..." سمعت همهمة خفيفة، ففتحت عينيها فجأة. الظلام دامس، لا أحد بجانبها. النافذة مفتوحة — هل تركتها هكذا؟ لا تتذكر أنها فعلت. أغلقتها، واستلقت من جديد، تُقنع نفسها أنه لم يكن سوى حلم بدا حقيقيًّا أكثر مما ينبغي. "آه، ألكس... إلى متى سأبقى مهووسة بكَ هكذا، يا إلهي؟" صمتت، ثم همست بصوت خافت: "ألكس، أكرهك." ضحكت بسخرية، وكرّرتها مرة أخرى، وهي تعلم في أعماقها أنها تكذب على نفسها بكل كلمة: "أجل. أكرهه." --- ☀️ خطوة نحو دفء جديد في الصباح، نزلت بعد أن اطمأنت على طفلها، فوجدت درايك ينتظرها كعادته. "صباح الخير،" قالت وهي تتقدّم نحوه. "صباح الخير." توقّع أن تجلس مقابله، بعيدة، كعادتها في الأسابيع الأولى. لكنها، هذه المرة، جلست بجانبه مباشرة، وقبّلت خدّه بعفوية. صُعق درايك، تجمّد في مكانه للحظة. ابتسمت له بسخرية لطيفة: "ما بك؟ مجرد قبلة على الخد. لماذا تنظر إليّ وكأنني اعتديتُ عليك؟" ضحك: "هذا يُعتبر تحرّشًا، سيدتي. انتبهي." ضحكت، نهضت، أمسكت يده تجرّه: "أنا أتحرّش بك؟ في أحلامك، أيها المنحرف." ضحكا معًا بصدق لم يعرفاه من قبل، وتوجّها إلى الشركة، حيث كانت صارمة، تعمل دون توقف، والموظفون يتحركون حولها كخلية نحل، يعرفون أنها لن تتوانى عن الاستغناء عن أي أحد يُظهر تقصيرًا. أخبرتها ماريانا أنهم يُعدّون لحفل إطلاق رسمي لمشروع أوليفر — برنامج تقييم الموظفين — وأن المشروع يُتوقّع أن يواجه معارضة من لجان تقييم تقليدية، ومن كل من اعتاد الاتكاء على الواسطة والمعارف. ردّت أنجل بثقة: "جيد. هذه المعارضة ستجعل المشروع حديث الجميع، وستُساعدنا على الانتشار أكثر مما نتوقع." --- 🖤 عودة درايك جاء يوم الحفل، وكان درايك قد اختفى ليومين كاملين، دون أن تسأله عن السبب، ودون أن تهتم كثيرًا في البداية. لكن توجسًا خفيفًا دفعها أخيرًا لإرسال رسالة: "أين أنت؟ هل ستعود؟ الحفل اليوم!" ردّ فورًا: "اشتقتِ إليّ؟" "ههه، في أحلامك. فقط أحتاجك بجانبي. ألستَ زوجي؟" "بلى. زوجكِ، ووالد طفلكِ، وممول مشاريعكِ، وداعمكِ، وحاميكِ." "يا إلهي، لقد وقعتُ. أين أنت يا زوجي؟" "في طريقي إليكِ. لن أتأخر." بعد ساعة، دخل درايك ببدلة سوداء أنيقة، يبدو كتمثال صقلته يدٌ بارعة. توقف عند رؤيتها، صامتًا للحظة. كانت خاطفة للأنفاس، لم تفشل يومًا في إبهاره. ارتدت فستانًا أسود من الدانتيل، يكشف عن كتفيها وجزء من ظهرها، يرسم قوامها بدقة نحّات محترف. "حقًّا؟" قال أخيرًا. "أظنني سأُعاني اليوم." اقتربت منه بابتسامة، عدّلت ربطة عنقه، وضعت يدها على صدره: "أجل، ستُعاني، ههه." --- 🎭 وجه من الأستراليا دخلا الحفل وسط تهانٍ متلاحقة، ومستثمرين يطرحون فرص تعاون بثقة رجل أعمال محنّكة رغم قصر مدّتها في المنصب. وسط الحديث، قال درايك فجأة: "هناك أمر أريد إخبارك به." نظرت إليه باستفهام. "أختي عادت. وأحضرت معها رجلاً تقول إنه خطيبها." "أختك؟" سألت بدهشة. "أيّ أخت؟ لم تخبرني يومًا أن لديك أختًا." "قاطعتنا منذ سنوات،" قال بصوت أثقل قليلاً. "لم تتقبّل الظلام بداخلنا، ولا ما فعلناه. فضّلت أن تبقى بعيدة. ذهبتُ إليها مؤخرًا، أخبرتها أنني حصلتُ على عائلة، وأنني لم أعد الشخص الذي كنته. اطمأنّت، وأرادت المجيء للتعرّف عليكم." ابتسمت أنجل بحماس صادق: "أخيرًا سأحظى بأخت! أين هي؟" "تنتظركِ." أمسكت يده بحماس: "خذني إليها." تقدّم بها، وابتسامة الحماس لا تفارق وجهه، حتى وصلا إلى طاولة جانبية، حيث رأت فتاة جميلة، بوجه بريء يشبه وجه أمّ لم تعرفها قط. اقتربت الفتاة، احتضنت أنجل بحرارة: "أنتِ أنجل، زوجة أخي!" ردّت أنجل بابتسامة صادقة: "أجل، أختكِ بحكم القانون." "أخيرًا لديّ أخت! أنا مايبلين." ثم أشارت خلفها بفرح: "أخي، أختي، أريد أن أُعرّفكما على شخص مهم جدًّا في حياتي." نظرت أنجل خلفها. تقدّم رجل وسيم. اختفت ابتسامة أنجل فجأة. أحسّت بقلبها يدقّ بعنف غير مفهوم. نفس القامة، نفس طريقة الوقوف، حتى نفس زاوية الرأس حين يميل قليلاً وهو يبتسم — لكن الوجه مختلف تمامًا. "اهدئي يا أنجل،" همست لنفسها، "ليس هو. مجرد تشابه. لماذا يدقّ قلبي بهذه السرعة؟" تقدّم الرجل: "أنا كريس." قبّل يدها، وضغط عليها قليلاً أطول من اللازم. نظر إليها نظرة مألوفة بشكل مقلق. قالت بسهو: "هل أعرفك؟" ابتسم كريس: "لا أظن ذلك، سيدتي. أنا من أستراليا، وهذه أول مرة أزور هذا المكان." سحبت أنجل يدها بسرعة: "تشرّفت بك، سيدي." صافح كريس درايك، الذي قال له بجدية مفاجئة: "اسمعني جيدًا. أختي شيء مقدّس. إن فكّرتَ يومًا في جعلها حزينة، لن أتردد لحظة في سحقك." ضحك كريس، رافعًا يديه بمرح: "إنها في أمان تام، سيدي." قالت مايبلين بحدّة محبّبة: "أخي، ماذا تهذي به؟" أمسكت أنجل بيدها، سحبتها بلطف: "دعك منهما. تعالي نجلس." توجّهتا إلى الطاولة، وتعرّفت أنجل على مايبلين أكثر: أنهت دراستها للتوّ، وتتدرّب حاليًّا في شركة "سان باولو" المعمارية. رحّبت أنجل بها للعمل معهم، لكن مايبلين أوضحت رغبتها في الاعتماد على نفسها أولاً، وصقل مهاراتها بعيدًا عن أي محاباة عائلية. سألتها أنجل إن كانت ستستقرّ في المدينة. أجابت أن كريس يُجهّز شقة علوية فوق فندقه الخاص، وأنها تقيم مؤقتًا في الفندق نفسه لحين انتهاء التعديلات. طلبت أنجل منها البقاء معهم في القصر ريثما تنتهي الأشغال. امتلأت عينا مايبلين بالدموع: "شكرًا لكِ، أنجل. أنا متشوّقة لرؤية ابن أخي، أصبحتُ عمّة!" أمسكت يد أنجل بقوة: "أنا سعيدة لأن أخي حظي أخيرًا بعائلة. لم أره سعيدًا هكذا من قبل، أبدًا. أتمنى أن تبقيا في أمان وسعادة دائمين." احتضنتها أنجل: "أنتِ جزء من عائلتنا وسعادتنا الآن." تقدّم درايك وكريس، وسأل كريس بأدب: "سيدتي، هل لي بشرف رقصة معكِ؟" ابتسمت مايبلين: "أنجل، كريس يُقدّرك كثيرًا، ويطمح للتعاون معكِ في تسيير أحد مشاريعه. ربما يريد فتح الموضوع أثناء الرقصة. أُحذّركِ، أسلوبه في الإقناع رهيب." ضحكت أنجل بخجل، نظرت إلى درايك: "هل أفعل؟" ابتسم ببرود ظاهري لا يُخفي دفئًا خلفه: "لكِ كامل الحرية، زوجتي." ثم تقدّم، قبّل يدها، سحبها للوقوف، ونظر إلى كريس: "لا تتملّق من أجل التعاون. الكفاءة هي الطريقة الوحيدة لإقناعها." ضحك كريس: "هل تغار يا رجل؟ زوجتك في أمان، لن آكلها." ضحكت أنجل: "بالطبع يغار، إنه زوجي." قبّلت خدّه، ومدّت يدها لكريس. --- 💃 رقصة الأشباح أثناء الرقص، اقترب منها كريس. عطره، حركاته، نظرته، كلها كانت مألوفة بشكل مُربك. ارتجفت بين يديه رغم نفسها. "أنتِ ترتجفين،" لاحظ بابتسامة هادئة. "مجرد توتر،" ردّت. "هل أنت متأكد أننا لم نلتقِ من قبل؟" اقترب من أذنها: "ربما. وربما لا. ربما الأرواح تتلاقى أحيانًا. ربما الألفة لا تحتاج ذاكرة." قالت بصوت خافت: "مألوف جدًّا... كأنك هو." "من هو؟" "شخص." "شخص محبوب، أم مكروه؟" "كلاهما." "ولي جزء يغلب: الحب أم الكره؟" "لا أدري." "أتمنى أن يكون الحبّ." نظرت إليه بتوجس، فابتسم بسرعة: "أتملّق من أجل المشروع فقط." ضحكت: "أسلوب سياسي بارع. هل عملتَ في السياسة يومًا؟" "لا. لكنني أفكّر في الأمر." "لا أنصحك بذلك." "حسنًا، أمركِ سيدتي." ابتعدت قليلًا مع نهاية اللحن، صافحته: "أرجو أن يكون تعاوننا ناجحًا." "بثقة، علمتُ أنكِ ستوافقين. أسلوبي رهيب، كما تعلمين." ضحكت: "بلى، وأظنني سأستعين بك مستقبلاً في بعض الصفقات." انحنى كرجل نبيل: "في خدمتكِ، سيدتي." وضعت يدها على صدرها، ابتسمت بتوجس لم يفارقها. --- 🚗 على طريق العودة عادت إلى درايك، الذي كان يتحدث مع أخته، تسأله بحماس عن أوليفر، متشوّقة لرؤيته. قالت أنجل: "عزيزي، تعبتُ، هل نذهب؟" ثم التفتت لمايبلين: "ميلي ستأتي معنا." تجمّد كريس: "من المقصود؟" نظرت إليه أنجل: "أليست حبيبتك؟ بالطبع لن أُفرّق بينكما. ستشرّفنا في منزلنا إلى أن تنتهي أعمال منزلكما." ابتسم، وميلي احتضنتها بقوة، سحبت يدها: "لنذهب، أريد رؤية ابن أخي بسرعة." في الطريق إلى القصر، غرقت أنجل في تفكير صامت، بينما الآخرون يتحدثون حولها بمرح لم تشاركهم فيه كاملاً. تلك الهالة. تلك الطريقة في الوقوف. الصوت الذي يحمل نبرة لا تخطئها أذناها مهما حاولت إقناع نفسها بالعكس. كان قلبها لا يزال يخفق بعنف لم يهدأ منذ لحظة اللقاء. همست لنفسها، بصوت لا يسمعه أحد في السيارة المسرعة نحو الليل: "الموتى لا يعودون للحياة."🖤 الفصل الواحد و العشرون: وجه من الماضي"القلب لا يقرأ الأسماء الجديدة كما تقرأها العين. أحيانًا يتعرف على شيء لم يره من قبل، لمجرد أنه يشبه شيئًا لم ينسه بعد."— قول قديمحين وصلت أنجل، وجدت درايك ينتظرها عند مدخل مبنى زجاجي شاهق، لوحة نحاسية لامعة عند المدخل تحمل اسمًا لم تتوقعه: "أوليفر"."هذه الشركة تحت تصرفك،" قال بصوت هادئ يحمل جدية لا تشبه مزاحه المعتاد. "أنشأتها لكِ، وهي لكِ، وستترأسينها. أتمنى أن تقوديها نحو النجاح، وأن تُجهّزي إمبراطورية تليق باسم ابننا."توقف، ونظر إليها بجدية أعمق: "أريد لأوليفر، حين يكبر، أن يكون قويًّا، ناجحًا، لا يسمح لأحد بأن يلمس شعرة منه. ومن يفكّر في أذيته، سيمرّ على جثتي أولاً. لن يعاني أوليفر كما عانينا نحن. سيعيش سعيدًا، لن يُحرم من دفء عائلة تحميه، ولن يحتاج أحدًا سواها."شرح لها أن الشركة صُمّمت لإدارة المشاريع، مستندة إلى قدرتها الفذّة على التخطيط، وأنه سيموّل بنفسه المشروع الذي طالما حلمت به: برنامج يُجري مقابلات العمل ويُقيّم الكفاءات دون وساطة أو محسوبية، يمنح كل شركة تعتمد عليه موظفين أكفاء حقًّا، لا أبناء معارف. حلم أن تصبح هي، عبر هذا ا
🖤 الفصل العشرين رماد النصر"يظنّ المنتقم أن الموت وحده يُسكت الحكاية. لكن الحكايات، مثل الأشباح، لا تحتاج جسدًا لتبقى تُطارد."— قول قديمصباح عادي، كأي صباح آخر مرّ منذ سنة ونصف على ذلك اليوم.كانت أنجل قد ظنّت، في لحظة انتصارها، أن موت ألكسندر سيشفي غليلها، أن الانتقام سيترك في حلقها طعمًا مختلفًا عن كل ما عرفته من قبل. لم تتخيل أنه سيترك فيها هذا الرماد بالذات، هذه المرارة التي لا تُشبه انتصارًا بقدر ما تُشبه جرحًا لا يُشفى لأنه فُتح بيدها هي.قلبها، الذي ماتت فيه أشياء كثيرة يوم موته، لا يزال يخفق كل صباح، عنيدًا كذكرى ترفض أن تُدفن. روحها، التي شعرت أنها انسُحبت منها في اللحظة نفسها التي انسُحبت فيها روحه، لا تزال تسكن جسدًا يتحرك، يأكل، يبتسم أحيانًا، دون أن تعرف من أين تستمد هذا كله.ابتلعت ريقها، ونهضت على صوت بكاء طفلها، ثمرة شيء لم تفهمه بعد كل هذا الوقت: هل كان حبًّا؟ كرهًا؟ أسى على هذا الملاك الصغير الذي لم يختر شيئًا مما وُلد فيه؟أيّ ذنب اقترفه أوليفر ليُولد لأمّ قتلت والده الحقيقي، ولأب لا يربطه به سوى الورق، والد هذا الأب بالورق نفسه هو من قتل شقيق والده الحقيقي؟أمّه
الفصل العشريندسّ في يدها ورقة صغيرة: "رقمي. إن احتجتِ يومًا شخصًا يستمع إليكِ دون أن يُخفي عنكِ شيئًا... أنا موجود."ابتعد، تاركًا خلفه شعورًا غامضًا بأنها التقت للتو بشيء أكبر من غريب مهذّب.📱 الهاتف القديمفي تلك الليلة، وجدت هاتفًا قديمًا مخبأً خلف أكوام ملاءات، شاشته مفتوحة على تسجيل صوتي واحد.ضغطت، بفضول لم تُقاومه.صوت ألكسندر، واضحًا لا لبس فيه، يتحدث ببرود عن "التخلص من مشكلة"، وجملة واحدة صريحة: "الطفل... يجب أن ينتهي الأمر الليلة."شهقت برعب صامت، يدها تُغطي فمها.لم تكن تعرف أن التسجيل صناعة أنيقة لرجل يعرف تمامًا كيف يصنع كذبة تُصدَّق أكثر من أي حقيقة.☕ يوم في الخارجبعد أيام من صمت ثقيل، شعرت أنجل بتوعّك حقيقي، وطلبت من ألكسندر السماح لها بزيارة الطبيبة والتنزّه بمفردها.توقفت عند مقهى صغير، بجانبه حديقة أطفال. وصلتها ضحكاتهم كفراشات صوتية بريئة.تدفّقت الصور فجأة: طفل صغير يضحك بين ذراعيها، يد صغيرة تُمسك إصبعها.طفلها.ربطت الصورة بالتسجيل الذي سمعته، وشعرت بنفسها تغرق في ظلام كثيف.🏥 خبر مزدوجاستفاقت في المستشفى. "أنتِ بخير، سيدتي. وطفلكِ بخير أيضًا. أنتِ حامل."
🖤 الفصل التاسع عشر: الوجه الثالث"الانتقام ميراث يُورَّث كما تُورَّث الأرض والاسم، إلا أنه لا يُنبت شيئًا سوى مزيد من الحرائق."— قول قديمبقي سؤال الرجل الغريب معلّقًا في رأس أنجل كغصن شجرة لا تعرف من أين أتى، ولا إلى أي جذر ينتمي: "هل تركتِ حقّ الطفل؟ هل سامحتِ؟"كررت الجملة لنفسها ليالٍ متتالية، تُقلّبها كحصاة في جيب، تحاول أن تفهم شكلها من ملمسها وحده، دون أن تملك عينين تريانها.لم تكن تعرف أنها ليست وحدها من يراقب هذا الترقّب الصامت في عينيها.---🕯️ عيون في الظلكانت "إيلينا"، إحدى الخادمات اللواتي أُلحقن بخدمة أنجل بعد عودتها من الغيبوبة، تؤدي عملها بدقّة نموذجية لا تثير شكًّا. لم يكن أحد في القصر يعرف أنها، كل مساء، تكتب تقريرًا مقتضبًا عن كل كلمة تسمعها، وترسله إلى رجل ينتظر بصبر من يعرف أن الوقت، لا القوة وحدها، هو أفضل أسلحته.---🔥 حبّ قديم، وحريق أقدملفهم درايك، كان لا بدّ من العودة إلى حكاية بدأت قبل ميلاد أيّ منهما.في شبابهما، أحبّت والدة درايك والد ألكسندر حبًّا صادقًا، من ذلك النوع الذي يُخال أنه سيصمد أمام كل شيء. لكن الحرب لا تسأل القلوب عن مواعيدها؛ استُدعي وا
حملها إلى الفراش، ووضعها كما يوضع شيء نادر يخشى كسره، يراقب وجهها الهادئ في إغمائها، ذلك الوجه الذي لا يشي بشيء مما فعلته يداه قبل دقائق.وفي تلك اللحظة، اكتمل اللغز الذي حيّره أسابيع.الظل الذي كان يُصفّي الخونة واحدًا تلو الآخر دون أثر، لم يكن غريبًا يتسلل إلى قصره ليلاً.كان ينام بجانبه، في الفراش ذاته، كل ليلة تقريبًا.قرر، وهو يمسح دمها الجاف بمنديل بين أصابع مرتجفة، أن يحمل هذا السرّ وحده. ليس الآن. ربما ليس أبدًا.🩺 صديق، لا خطرفي اليوم التالي، بادر فيكتور بالحديث هذه المرة."ألكسندر،" قال بصوت من يزن كل كلمة قبل أن يُخرجها، "أعرفك منذ زمن طويل، وأعرف حين تُخفي شيئًا. لن أطلب أسرارك؛ منصبك يستوجب حذرًا لا أفهمه بالكامل. لكن ما لاحظته في أنجل يستحق انتباهًا طبيًّا حقيقيًّا، لا صمتًا مجاملاً."توتّر ألكسندر تحت قناع هادئ: "ماذا لاحظت بالضبط؟""تحوّلات مفاجئة في النبرة. فجوات صغيرة لا تتناسب مع سياقها. برود حاد يعقبه دفء طبيعي، وكأن مفتاحًا يُطفأ ويُشعل من جديد." توقف، ونظر إلى صديقه بجدية طبيب لا جدية محقق: "قد يكون هذا اضطراب هوية انفصامي. غالبًا ما ينتج عن صدمة عميقة في الطفو
🖤 الفصل السابع عشر: الوجهان"من يحمل وجهين، لا يكذب بالضرورة. أحيانًا هو الصادق الوحيد بينهما، لأنه لا يتظاهر بأنه واحد فقط."— قول قديمللأصدقاء القدامى ذاكرة أخرى، لا تشبه ذاكرة الغرباء. هم يتذكرون نسخة منك ما زالت حيّة في مكان ما، حتى حين تنساها أنت بنفسك.وصل فيكتور إلى القصر في عصر بارد، حاملاً معه شيئًا من رائحة سنوات بعيدة قضاها ألكسندر في مدرّج جامعي متواضع، حين لم يكن بعد ذلك الرجل الذي تُخفض له الرؤوس. جاء بدعوة هاتفية مقتضبة، ومن دون أن يُدرك أنه قادم ليكون شاهدًا على أول شقّ حقيقي في جدار كان يُظن أنه من حجر صلب.قدّمه ألكسندر لأنجل بوصفه "صديقًا قديمًا في زيارة قصيرة"، طاويًا مهنته الحقيقية كما تُطوى وثيقة لا يُراد لها أن تُقرأ بعد.استقبلته بحفاوة لا تحمل أثرًا من حساب أو حذر، احتضنت ذراع ألكسندر أمامه: "بالطبع هو مرحّب به." ثم مالت برأسها على كتفه، وسألته بصوت من يطرق بابًا مغلقًا منذ زمن طويل: "حبيبي، أريد بعضًا من وقتك. في رأسي أسئلة كثيرة عن الماضي، عن هويتي."تجمّد قبل أن يجيب، كمن يخطو على جليد لا يعرف سمكه: "بالطبع، اسألي ما تريدين.""كم عمر علاقتنا؟ كيف التقينا؟







