LOGIN# 🖤 الفصل السادس: الرجل الذي لا يلتفت
لم تكن أنجل تريد أن تصبح امرأة أخرى. كانت تريد فقط أن تستعيد المرأة التي كانتها قبل أن يقنعها الجميع بأنها فقدتها. خلال الأسابيع التالية، انشغلت بشيء واحد: العمل. كانت تسأل محاميها عن حقها في رؤية طفلها، تتابع الإجراءات بصمت، ثم تغلق الملف وتعود إلى مكتبها. لم تكن مستعدة لخوض حرب عاطفية مع كريستوفر، ولا لإضاعة يوم واحد في مراقبة حياته الجديدة. كان ابنها هدفها الوحيد خارج العمل. أما كل ما عدا ذلك، فكان عليها أن تبنيه بيديها من جديد. بدأ اسمها ينتشر في الشركة الجديدة بسرعة. لم تكن الأكثر أناقة، رغم أنها كانت جميلة بصورة يصعب تجاهلها. ولم تكن الأكثر اجتماعية؛ على العكس، كانت ترفض الدعوات الخاصة، ولا تبقى بعد انتهاء ساعات العمل إلا إذا كان هناك مشروع يستحق ذلك. ولم تستخدم جمالها يومًا كسلاح. كانت تدخل قاعة الاجتماعات ببدلتها المحافظة، تفتح ملفاتها، وتنظر إلى الأرقام كما لو أنها ترى ما خلفها. كان بعض الرجال يحاولون مغازلتها، فترد بابتسامة باردة: "نحن هنا للعمل." ثم تعود إلى الشاشة. كانت تلك الجملة كافية دائمًا. --- ## 🏢 الرئيس التنفيذي في الشركة رجل واحد كان الجميع يتحدثون عنه أكثر من غيره: **ألكسندر فال**، الرئيس التنفيذي. في بداية الثلاثينيات من عمره، طويل، شديد الوسامة، هادئ إلى درجة تثير القلق، لا يرفع صوته، ولا يشارك في الأحاديث الجانبية. والأغرب أنه لم يكن يخالط النساء. لا علاقات معروفة، لا صور مع عارضات، لا امرأة تنتظره أمام مكتبه، ولا حتى إشاعة موثوقة عن قصة حب قديمة. وكما يحدث دائمًا في الأماكن التي يكثر فيها الفراغ، ملأ الموظفون هذا الفراغ بالخيال. "ربما هو شاذ." قال أحدهم ذات يوم. ضحك آخر: "أو ربما عاجز." لم تكن أنجل مهتمة. سمعت الهمسة، ثم واصلت القراءة. كان ألكسندر بالنسبة إليها مجرد اسم أعلى الهيكل الإداري. وفي صباح مزدحم، اصطدمت به صدفة عند باب المصعد. توقفت لحظة. "آسفة." قال: "لا بأس." ثم دخل المصعد. دخلت خلفه. لم يتبادلا كلمة أخرى. لم تنظر إليه، وهو أيضًا لم ينظر إليها. --- ## 🍷 مائدة العشاء: عقل لا يحتاج إلى زينة بعد أسابيع من انضمامها، دعا ألكسندر كبار مديري الشركة إلى عشاء خاص في منزله، احتفالًا بإغلاق صفقة الطاقة الكبرى. كان المنزل نفسه بيانًا صامتًا عن ذوق صاحبه: جدران معلّق عليها لوحات أصلية، وقطعة نحتية برونزية تتوسط الصالة، وخزانة زجاجية تضم قطعًا أثرية نادرة. توقفت أنجل أمام لوحة صغيرة معلّقة قرب المدخل، فرشاتها سريعة، ألوانها ترابية دافئة. قالت وهي تتأمل التوقيع في الزاوية: "هذه ليست نسخة، أليست كذلك؟" اقترب ألكسندر، متفاجئًا قليلًا. "كيف عرفتِ؟" "لأن النسخ تُتقن التفاصيل وتخون الحركة. أما الأصل، فيفعل العكس تمامًا." أشارت إلى ضربات الفرشاة. "هذا يشبه أسلوب ديغا في مرحلته المتأخرة، حين بدأ بصره يضعف وأصبح يعتمد على الباستيل أكثر من الزيت. لكن لو كانت لديغا فعلًا، لكانت قيمتها في أي مزاد من دور مثل كريستيز أو سوذبيز تتجاوز عدة ملايين دولار بسهولة." نظر إليها أحد المديرين بدهشة. "هل تتابعين المزادات الفنية أيضًا؟" ابتسمت أنجل بهدوء. "كنت أقرأ كتالوجات المزادات في مكتبة عامة صغيرة قبل أن أملك ثمن تذكرة متحف. الفن لا يسأل عن رصيدك المصرفي قبل أن يعلّمك شيئًا." جلسوا إلى المائدة. وبين تبادل الأنخاب وأحاديث السوق، وجّه أحد كبار الشركاء الحديث نحو أنجل بنبرة تختبر حدودها: "سيدة أنجل، سمعنا أنكِ استشهدتِ بميكافيلي في التفاوض الأخير. هل تؤمنين فعلًا أن الغاية تبرر الوسيلة؟" وضعت كأسها بهدوء. "ميكافيلي في كتابه *الأمير* لم يكن يكتب دليلًا أخلاقيًا، بل دراسة في طبيعة السلطة كما هي، لا كما نتمنى أن تكون. كتب أن من الأفضل للحاكم أن يُهاب لا أن يُحَب، إن تعذّر الجمع بينهما — لأن الحب رباط يقطعه الناس متى شاءت مصلحتهم، بينما الخوف رادع لا يزول بسهولة. هذا ليس دعوة للقسوة، بل تشخيص بارد للطبيعة البشرية." قال الشريك: "تشخيص قاسٍ." "الواقع غالبًا أقسى من تشخيصه." أجابت بابتسامة رقيقة. "توماس هوبز، بعد ميكافيلي بقرن، وصف حياة الإنسان في حالته الطبيعية بأنها وحيدة، فقيرة، بشعة، وحشية، وقصيرة. الفلسفتان تتفقان على نقطة واحدة: النظام لا يُصان بالنوايا الحسنة وحدها، بل بفهم دقيق لما يدفع الناس فعلًا إلى التصرف كما يتصرفون." صمت الجميع للحظة. ثم سأل ألكسندر، الذي كان يستمع بصمت منذ بداية الحوار: "وما الذي يدفع الناس إذن، في رأيك؟" نظرت إليه أنجل مباشرة، وكأنها تجيب عن سؤال أعمق مما بدا عليه. "الخوف من الفقدان أقوى بكثير من الرغبة في الكسب. هذا ما أستخدمه في كل تفاوض: لا أسأل ماذا يريد الطرف الآخر، بل ماذا يخشى أن يخسره." ابتسم ألكسندر ابتسامة صغيرة، معجبة، دون أن يعلّق. تابعت أنجل، وهي تدير كأسها ببطء بين أصابعها: "شكسبير قال على لسان بروتوس في *يوليوس قيصر* إن الجُبن يقتل صاحبه مرات كثيرة قبل موته الحقيقي، بينما الشجاع لا يذوق الموت إلا مرة واحدة. أظن أن هذا ينطبق على قرارات الاستثمار بقدر ما ينطبق على الحروب. أكثر الصفقات التي خسرناها في تاريخ هذا القطاع لم تُخسر بسبب مخاطرة زائدة، بل بسبب خوف تكرر مرات عديدة حتى شلّ صاحبه عن الحركة." نظر إليها أحد المديرين بإعجاب صريح. "من أين لكِ كل هذا؟" أجابت ببساطة: "من الكتب التي لا تسأل عن عنوان صاحبها، ومن مراقبة الناس، ومن خسارة أشياء لم يكن ينبغي أن أخسرها." كان ألكسندر يراقبها طوال الوقت بصمت لا يخفي إعجابه. لم تكن تتحدث كثيرًا، لكن كل كلمة كانت في مكانها الدقيق، كقطعة شطرنج تُحرَّك بحساب لا بعاطفة. كان الأمر أشبه بقراءة كتاب نادر لا يعرف صفحته الأخيرة، ويريد فجأة ألا ينتهي من قراءته بسرعة. --- ## ♟️ صفقة واحدة بعد أيام، وصل وفد استثماري أوروبي للتفاوض على مشروع جديد. كان رئيس الوفد رجلًا مخضرمًا، اعتاد أن يجعل الطرف الآخر يشعر بأنه في موقف ضعيف. قال وهو يقلب أوراق العقد: "شركتنا لا تقدم تنازلات." ابتسمت أنجل. "ولا نحن." رفع حاجبه. "إذن لن يكون الاتفاق سهلًا." قالت: "الاتفاقات السهلة غالبًا ليست الأفضل. ميكافيلي كتب أن الناس يحكمون غالبًا بما يرونه، لا بما هو موجود فعلًا. وأنتَ تراهن على أننا سنخاف من خسارة الصفقة." تغيرت ملامحه. تابعت: "لكننا لا نحتاج هذه الصفقة أكثر مما تحتاجون أنتم إلى السوق الذي نملكه." صمت الرجل. "وماذا تريدين؟" فتحت الملف من جديد. "ثلاثة شروط." استمرت المفاوضات ساعة كاملة، وفي نهايتها حصلت الشركة على شروط أفضل مما توقعه مجلس الإدارة. كان ألكسندر يراقبها من الطرف الآخر للطاولة، صامتًا كعادته، لكن شيئًا في نظرته بدأ يتغير دون أن يعلن عن نفسه بعد. --- ## ✈️ مساعدته بعد سلسلة من الاجتماعات الناجحة، اقترح أحد المديرين: "يجب أن ترافق أنجل الرئيس التنفيذي في رحلات الاستثمار القادمة." رفع ألكسندر عينيه. "لماذا؟" "لأنها ممتازة في تقييم المشاريع، والأهم أنها تعرف كيف تتحدث مع الشركاء دون أن تقدم لهم ما يريدون." صمت لحظة، ثم قال: "حسنًا." وهكذا بدأت الرحلات. لم تكن بينهما قصة حب، ولا حتى صداقة بالمعنى المعتاد. كان العمل هو كل شيء: ألكسندر يراجع الأرقام، وأنجل تراجع الشركاء أنفسهم؛ هو يفاوض على القيمة، وهي تبحث عن المخاطر المختبئة خلف الابتسامات. وكان كلاهما يحترم الآخر باحتراف صامت. لكن شيئًا صغيرًا بدأ يتغير. لاحظ ألكسندر أنها لا تحاول أبدًا لفت انتباهه، ولا تتصنّع إعجابًا، ولا تبحث في عينيه عن تقدير. والمرأة التي لا تحاول لفت انتباهه، كانت أول امرأة تنجح في ذلك تمامًا. --- ## 🥂 ليلة مختلفة في إحدى الرحلات، أقام الشركاء عشاءً فاخرًا احتفالًا بإتمام الاتفاق. رفضت أنجل الكأس الأولى، ثم الثانية. لكن أحد كبار الشركاء أصر: "مجرد كأس، احتفالًا بالنجاح." قبلتها حتى لا تفسد أجواء التفاوض. ثم جاءت كأس أخرى، ثم أخرى. وبعد ساعات، كانت الكلمات تختلط في رأسها. وقفت من مقعدها، حاولت أن تمشي باستقامة، لكنها ترنّحت. مدّ ألكسندر يده وأمسك بذراعها بثبات. "انتهى العشاء." قالت وهي تحاول التركيز في وجهه: "أنا بخير." "واضح جدًا." قالها بسخرية هادئة، وساعدها على الوصول إلى جناحها. --- ## 🌙 في الغرفة دخلت الغرفة، وجلست على طرف السرير، ثم ضحكت فجأة دون سبب واضح. "أنت غريب." "لماذا؟" وقف قرب الباب، غير راغب في الاقتراب أكثر مما ينبغي. نظرت إليه بعينين نصف مغمضتين، بصراحة السُّكر التي لا تعرف الحدود. "لأنك لا تنظر إلى النساء إطلاقًا." رفع حاجبه. "ماذا؟" اقتربت منه بضع خطوات غير ثابتة، ثم قالت ببراءة فجّة: "سمعتهم يقولون إنك... شاذ." صمتت لحظة، ثم أضافت بجدية طفولية: "أو عاجز." نظر إليها لثوانٍ طويلة، ثم انفجر ضاحكًا. ضحكة حقيقية، عالية، نادرة، لم تسمعها منه من قبل قط. "ومن أخبركِ بهذا الهراء؟" "الجميع." اقتربت منه أكثر، حتى أصبحت على مسافة أنفاس منه شفتها الرطبة تلامس شفته و لسانها يلعق شفته، ورفعت يدها ببطء غير متزن، تلمس صدره من فوق قميصه نزولا الى منطقته ، وكأنها تحاول أن تتأكد من شيء ما بنفسها. توقفت فجأة عندما احست بانتصابه ، واتسعت عيناها بدهشة صادقة. شهقت بصوت خافت. "إذن أنت لست..." لم تُكمل الجملة. لم تحتَجْ إلى ذلك. نظرت إليه، مرتبكة ومندهشة في آن واحد. "فلماذا أنت وحيد إذن؟" اقترب من شفتيها ، حتى صارت المسافة بينهما أضيق مما ينبغي لرجل يحاول أن يبقى عاقلاً. نظر إلى عينيها أولًا، ثم إلى شعرها المنسدل بفوضى جميلة، ثم — للحظة واحدة خاطفة، لم يسمح لنفسه بأن تطول — إلى المنحدر الرقيق حيث ينفتح ياقة ثوبها عند تقاطع صدرها. قال بصوت خفيض، أجش قليلًا: "لأن لا امرأة لفتت انتباهي حقًا... حتى الآن." بقيت العبارة معلّقة بينهما، ثقيلة بكل ما لم يُقَل. ثم بدا وكأنه ينتفض فجأة من فكرة كانت تتشكل في رأسه،فكرة ان يقبلها يلتهم تلك الشفاه التي تتحدث الهراء الان فتراجع خطوة كاملة إلى الوراء، وأعاد ترتيب أنفاسه بجهد واضح. خلع معطفه ووضعه على كتفيها برفق أبوي متكلَّف. قال بحزم هادئ: "نامي يا أنجل." نظرت إليه للحظة، غير متأكدة تمامًا مما حدث للتو، ثم ابتسمت وأغمضت عينيها وهي تتهاوى ببطء على الوسادة. وقف ألكسندر عند الباب لثوانٍ طويلة، ينظر إليها وهي تغرق في النوم. ولم يعرف، للمرة الأولى منذ سنوات، لماذا لم يكن يريد أن يغادر الغرفة سريعًا. أما أنجل، فلم تكن تعرف أن تلك الليلة الصغيرة، بكل حماقتها وبراءتها المخمورة، ستغيّر طبيعة العلاقة بينهما إلى الأبد. لأن الرجل الذي لم تلتفت إليه يومًا... بدأ هو أخيرًا يلتفت إليها.🖤 الفصل الواحد و العشرون: وجه من الماضي"القلب لا يقرأ الأسماء الجديدة كما تقرأها العين. أحيانًا يتعرف على شيء لم يره من قبل، لمجرد أنه يشبه شيئًا لم ينسه بعد."— قول قديمحين وصلت أنجل، وجدت درايك ينتظرها عند مدخل مبنى زجاجي شاهق، لوحة نحاسية لامعة عند المدخل تحمل اسمًا لم تتوقعه: "أوليفر"."هذه الشركة تحت تصرفك،" قال بصوت هادئ يحمل جدية لا تشبه مزاحه المعتاد. "أنشأتها لكِ، وهي لكِ، وستترأسينها. أتمنى أن تقوديها نحو النجاح، وأن تُجهّزي إمبراطورية تليق باسم ابننا."توقف، ونظر إليها بجدية أعمق: "أريد لأوليفر، حين يكبر، أن يكون قويًّا، ناجحًا، لا يسمح لأحد بأن يلمس شعرة منه. ومن يفكّر في أذيته، سيمرّ على جثتي أولاً. لن يعاني أوليفر كما عانينا نحن. سيعيش سعيدًا، لن يُحرم من دفء عائلة تحميه، ولن يحتاج أحدًا سواها."شرح لها أن الشركة صُمّمت لإدارة المشاريع، مستندة إلى قدرتها الفذّة على التخطيط، وأنه سيموّل بنفسه المشروع الذي طالما حلمت به: برنامج يُجري مقابلات العمل ويُقيّم الكفاءات دون وساطة أو محسوبية، يمنح كل شركة تعتمد عليه موظفين أكفاء حقًّا، لا أبناء معارف. حلم أن تصبح هي، عبر هذا ا
🖤 الفصل العشرين رماد النصر"يظنّ المنتقم أن الموت وحده يُسكت الحكاية. لكن الحكايات، مثل الأشباح، لا تحتاج جسدًا لتبقى تُطارد."— قول قديمصباح عادي، كأي صباح آخر مرّ منذ سنة ونصف على ذلك اليوم.كانت أنجل قد ظنّت، في لحظة انتصارها، أن موت ألكسندر سيشفي غليلها، أن الانتقام سيترك في حلقها طعمًا مختلفًا عن كل ما عرفته من قبل. لم تتخيل أنه سيترك فيها هذا الرماد بالذات، هذه المرارة التي لا تُشبه انتصارًا بقدر ما تُشبه جرحًا لا يُشفى لأنه فُتح بيدها هي.قلبها، الذي ماتت فيه أشياء كثيرة يوم موته، لا يزال يخفق كل صباح، عنيدًا كذكرى ترفض أن تُدفن. روحها، التي شعرت أنها انسُحبت منها في اللحظة نفسها التي انسُحبت فيها روحه، لا تزال تسكن جسدًا يتحرك، يأكل، يبتسم أحيانًا، دون أن تعرف من أين تستمد هذا كله.ابتلعت ريقها، ونهضت على صوت بكاء طفلها، ثمرة شيء لم تفهمه بعد كل هذا الوقت: هل كان حبًّا؟ كرهًا؟ أسى على هذا الملاك الصغير الذي لم يختر شيئًا مما وُلد فيه؟أيّ ذنب اقترفه أوليفر ليُولد لأمّ قتلت والده الحقيقي، ولأب لا يربطه به سوى الورق، والد هذا الأب بالورق نفسه هو من قتل شقيق والده الحقيقي؟أمّه
الفصل العشريندسّ في يدها ورقة صغيرة: "رقمي. إن احتجتِ يومًا شخصًا يستمع إليكِ دون أن يُخفي عنكِ شيئًا... أنا موجود."ابتعد، تاركًا خلفه شعورًا غامضًا بأنها التقت للتو بشيء أكبر من غريب مهذّب.📱 الهاتف القديمفي تلك الليلة، وجدت هاتفًا قديمًا مخبأً خلف أكوام ملاءات، شاشته مفتوحة على تسجيل صوتي واحد.ضغطت، بفضول لم تُقاومه.صوت ألكسندر، واضحًا لا لبس فيه، يتحدث ببرود عن "التخلص من مشكلة"، وجملة واحدة صريحة: "الطفل... يجب أن ينتهي الأمر الليلة."شهقت برعب صامت، يدها تُغطي فمها.لم تكن تعرف أن التسجيل صناعة أنيقة لرجل يعرف تمامًا كيف يصنع كذبة تُصدَّق أكثر من أي حقيقة.☕ يوم في الخارجبعد أيام من صمت ثقيل، شعرت أنجل بتوعّك حقيقي، وطلبت من ألكسندر السماح لها بزيارة الطبيبة والتنزّه بمفردها.توقفت عند مقهى صغير، بجانبه حديقة أطفال. وصلتها ضحكاتهم كفراشات صوتية بريئة.تدفّقت الصور فجأة: طفل صغير يضحك بين ذراعيها، يد صغيرة تُمسك إصبعها.طفلها.ربطت الصورة بالتسجيل الذي سمعته، وشعرت بنفسها تغرق في ظلام كثيف.🏥 خبر مزدوجاستفاقت في المستشفى. "أنتِ بخير، سيدتي. وطفلكِ بخير أيضًا. أنتِ حامل."
🖤 الفصل التاسع عشر: الوجه الثالث"الانتقام ميراث يُورَّث كما تُورَّث الأرض والاسم، إلا أنه لا يُنبت شيئًا سوى مزيد من الحرائق."— قول قديمبقي سؤال الرجل الغريب معلّقًا في رأس أنجل كغصن شجرة لا تعرف من أين أتى، ولا إلى أي جذر ينتمي: "هل تركتِ حقّ الطفل؟ هل سامحتِ؟"كررت الجملة لنفسها ليالٍ متتالية، تُقلّبها كحصاة في جيب، تحاول أن تفهم شكلها من ملمسها وحده، دون أن تملك عينين تريانها.لم تكن تعرف أنها ليست وحدها من يراقب هذا الترقّب الصامت في عينيها.---🕯️ عيون في الظلكانت "إيلينا"، إحدى الخادمات اللواتي أُلحقن بخدمة أنجل بعد عودتها من الغيبوبة، تؤدي عملها بدقّة نموذجية لا تثير شكًّا. لم يكن أحد في القصر يعرف أنها، كل مساء، تكتب تقريرًا مقتضبًا عن كل كلمة تسمعها، وترسله إلى رجل ينتظر بصبر من يعرف أن الوقت، لا القوة وحدها، هو أفضل أسلحته.---🔥 حبّ قديم، وحريق أقدملفهم درايك، كان لا بدّ من العودة إلى حكاية بدأت قبل ميلاد أيّ منهما.في شبابهما، أحبّت والدة درايك والد ألكسندر حبًّا صادقًا، من ذلك النوع الذي يُخال أنه سيصمد أمام كل شيء. لكن الحرب لا تسأل القلوب عن مواعيدها؛ استُدعي وا
حملها إلى الفراش، ووضعها كما يوضع شيء نادر يخشى كسره، يراقب وجهها الهادئ في إغمائها، ذلك الوجه الذي لا يشي بشيء مما فعلته يداه قبل دقائق.وفي تلك اللحظة، اكتمل اللغز الذي حيّره أسابيع.الظل الذي كان يُصفّي الخونة واحدًا تلو الآخر دون أثر، لم يكن غريبًا يتسلل إلى قصره ليلاً.كان ينام بجانبه، في الفراش ذاته، كل ليلة تقريبًا.قرر، وهو يمسح دمها الجاف بمنديل بين أصابع مرتجفة، أن يحمل هذا السرّ وحده. ليس الآن. ربما ليس أبدًا.🩺 صديق، لا خطرفي اليوم التالي، بادر فيكتور بالحديث هذه المرة."ألكسندر،" قال بصوت من يزن كل كلمة قبل أن يُخرجها، "أعرفك منذ زمن طويل، وأعرف حين تُخفي شيئًا. لن أطلب أسرارك؛ منصبك يستوجب حذرًا لا أفهمه بالكامل. لكن ما لاحظته في أنجل يستحق انتباهًا طبيًّا حقيقيًّا، لا صمتًا مجاملاً."توتّر ألكسندر تحت قناع هادئ: "ماذا لاحظت بالضبط؟""تحوّلات مفاجئة في النبرة. فجوات صغيرة لا تتناسب مع سياقها. برود حاد يعقبه دفء طبيعي، وكأن مفتاحًا يُطفأ ويُشعل من جديد." توقف، ونظر إلى صديقه بجدية طبيب لا جدية محقق: "قد يكون هذا اضطراب هوية انفصامي. غالبًا ما ينتج عن صدمة عميقة في الطفو
🖤 الفصل السابع عشر: الوجهان"من يحمل وجهين، لا يكذب بالضرورة. أحيانًا هو الصادق الوحيد بينهما، لأنه لا يتظاهر بأنه واحد فقط."— قول قديمللأصدقاء القدامى ذاكرة أخرى، لا تشبه ذاكرة الغرباء. هم يتذكرون نسخة منك ما زالت حيّة في مكان ما، حتى حين تنساها أنت بنفسك.وصل فيكتور إلى القصر في عصر بارد، حاملاً معه شيئًا من رائحة سنوات بعيدة قضاها ألكسندر في مدرّج جامعي متواضع، حين لم يكن بعد ذلك الرجل الذي تُخفض له الرؤوس. جاء بدعوة هاتفية مقتضبة، ومن دون أن يُدرك أنه قادم ليكون شاهدًا على أول شقّ حقيقي في جدار كان يُظن أنه من حجر صلب.قدّمه ألكسندر لأنجل بوصفه "صديقًا قديمًا في زيارة قصيرة"، طاويًا مهنته الحقيقية كما تُطوى وثيقة لا يُراد لها أن تُقرأ بعد.استقبلته بحفاوة لا تحمل أثرًا من حساب أو حذر، احتضنت ذراع ألكسندر أمامه: "بالطبع هو مرحّب به." ثم مالت برأسها على كتفه، وسألته بصوت من يطرق بابًا مغلقًا منذ زمن طويل: "حبيبي، أريد بعضًا من وقتك. في رأسي أسئلة كثيرة عن الماضي، عن هويتي."تجمّد قبل أن يجيب، كمن يخطو على جليد لا يعرف سمكه: "بالطبع، اسألي ما تريدين.""كم عمر علاقتنا؟ كيف التقينا؟







