LOGINفي الليل وأثناء جلوس تاليا تراجع بعض تصاميمها ، وردت لها رسالة على الهاتف وتوالت بعدها الرسائل، لتمسك بهاتفها مستعدة لتوبيخ لميس، فقد ظنت أنها هي ، لكنها تفاجأت بتميم يراسلها
"مرحبا ، أنا تميم" "كيف حالك؟" "كنت أريد معرفة الوقت المناسب لك لنلتقي" ردت تاليا بتوتر وهي تشجع نفسها للإنغماس في هذا الشعور ، فرغم جمال تاليا وغرام معظم شباب الجامعة بها، إلا أنها كانت تبعدهم دائماً ، إذ لم تكن تريد الدخول في أي علاقة خوف أن يكسرها رجل، فهي بالفعل تحمل كرهاً للرجال بسبب معاملة والدها. لكنها الآن تشعر برغبة في أن يكون كلام لميس صحيحاً بشأن إعجابه بها. لا تنكر إعجابها به، لكنه مجرد إعجاب بإنجازاته، وللمرة الأولى ستسمح لنفسها بالتخلي عن الحذر . ردت تاليا "مرحبا" " بخير، وانت كيف حالك؟ " " أفضل بعد انتهاء الجامعة فوراً لأني لا أحب التأخر عن المنزل " رد تميم "أ نا بخير ، أعتذر إذا أيقظتكِ من النوم لكن انشغلت لبقية اليوم " كان تميم يريد أن تطول المحادثة ، لكن ردها المختصر ينبهه بأنه يجب إنهاء الحوار. "لا بأس، لم أكن نائمة" فأجابها تميم: "حسناً، سأرسل لكِ الموقع غداً الساعة الثالثة والنصف" ردت بسرعة " اجعلها الساعة الخامسة لأن لدي محاضرة متأخرة غداً " رد تميم بتفهم " حسناً إذاً ، سأرسل الموقع وأنتظرك الخامسة " لتجيبه تاليا "حسناً ، إلى اللقاء" انتهت من محادثة تميم لترسل رسالة فورية إلى لميس تطلعها فيها على ما حدث وتستشيرها فيما يجب أن تفعله أمام هذا الموقف المفاجئ. لم يتأخر رد لميس التي استقبلت الخبر بابتهاج عارم وفرحة لم تستطع إخفاءها، ليكتب قلمها نصيحة متحمّسة لصديقتها: " ارتدي الفستان الرمادي غداً، وافردي شعركِ على كتفيكِ ولا تجمعيه كعادتكِ ، دعيه يبرز جمالكِ ويمنحكِ حضوراً ساحراً يليق بهذه اللحظة." تركت تاليا الهاتف جانباً وعيناها تتأملان الرسالة بابتسامة خفيفة خالطها التردد ، فقد كانت الفكرة برمتها تدفعها للخروج عن منطقة راحتها والتخلي عن حذرها المعتاد. صعدت نحو خزانتها بخطوات بطيئة، وأخرجت الفستان الرمادي الناعم لتتأمله تحت ضوء الغرفة الخافت. تنازعتها الأفكار بين الخوف من المجهول والرغبة الصادقة في خوض تجربة جديدة تعيد لها ثقتها بنفسها وبالعالم من حولها، ليحسم الشغف ترددها وتستقر على قبول نصيحة لميس. في صباح اليوم التالي، مرت ساعات الجامعة أبطأ من المعتاد. كانت تاليا تجلس في المحاضرات وذهنها يتشتت بين الحين والآخر نحو موعد الخامسة المرتقب، بينما كانت لميس ترمقها بنظرات مشجعة كلما التقت أعينهما. وما إن دقت الساعة الرابعة والنصف حتى أنهت التزاماتها الأكاديمية وحزمت أغراضها بالكامل، مستعدة للانطلاق نحو اللقاء الذي ينتظرها خارج أسوار الجامعة. وصلت تاليا إلى المطعم الهادئ في تمام الخامسة، وقلبها يخفق بسرعة متسارعة تحت قماش فستانها الرمادي. كانت خصلات شعرها الحريرية المنسدلة على كتفيها تمتد بطولٍ لافت حتى تصل إلى أسفل خصرها، تتلصص حركة جسدها المتوترة مع كل خطوة، بينما تفرك طرف حقيبتها بين أناملها الباردة. كان تميم يجلس بالقرب من نافذة مطلة على الممر الخارجي، يرتدي قميصاً داكناً يبرز وقاره وهيبته المعتادة. وما إن رآها حتى نهض بابتسامة دافئة وواثقة، وتعلقت عيناه ب شعرها الغزير الذي ينساب بنعومة ساحرة أسفل خصرها ، ليعرب عن إعجابه الصريح بنبرة هادئة ومشيراً لها بالجلوس "مساء الخير تاليا.. الفستان جميل جداً عليكِ ، وشعرك يمنحكِ حضوراً ساحراً ومختلفاً للغاية ، لقد سحرني طوله ومظهره عليك. " اتسعت عينا تاليا بإحراج مفاجئ ، واشتعلت وجنتاها بحمرة خجل قانية جعلتها تطرق رأسها نحو الطاولة. تحركت أصابعها بتوتر تعبث بطرف خصلة طويلة من شعرها المحرر، ثم تمتمت بصوت خافت للغاية يكاد يُسمع " أهلاً دكتور تميم.. شـشكراً لك. " لاحظ تميم ارتباكها الواضح وتلعثمها، فابتسم بهدوء لتخفيف حدة التوتر وقال بنبرة رزينة " أولا، أعتذر لأنني طلبت أن نلتقي خارج أسوار الجامعة.. لكن كما تعلمين، موقعي كبروفيسور يفرض علي قيوداً وحدوداً رسمية لا تسمح لي بالحديث معكِ براحة. لم أرد أن تثار حولنا أي شائعات أو إحراج أكاديمي لكِ ." رفعت تاليا عينيها بنظرة خاطفة مملوءة بالقلق، تتداخل فيها رغبتها في الاستماع مع دفاعاتها القديمة. بلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت يرتجف قتيلاً من التردد " أفهم ذلك دكتور.. لكن، بصراحة.. أنا لم أفهم سبب هذا اللقاء حتى الآن؟ "ساد الصمت لبرهة، ليتطلع تميم في عينها بثبات وصدق شديدين، قبل أن ينحني إلى الأمام قليلاً ويقول بنبرة جادة ومباشرة " أردت هذا اللقاء لأنني معجب بكِ يا تاليا.. ولستُ أبحث عن تسلية أو محادثات عابرة. أنا أفكر في المستقبل ، وأريدك أن تكوني جزءاً من هذا المستقبل إذا سمحتِ لي بالاقتراب. " تسمرت تاليا في مكانها، وشعرت بدوار خفيف يداهم حواسها. ازدادت حمرتها خجلاً، واكتفت بالضغط على شفتيها والتحديق بكفيها المضمومتين في أحضانها دون أن تملك القدرة على صياغة رد واضح، حيث تضاربت في رأسها مخاوفها القديمة من الرجال مع إعجابها الصريح بشخصيته. أدرك تميم عمق الصراع والدفاعات التي تحيط بها، ورأى الخوف الجلي يصارع خجلها. لم يرد أن يضغط على مساحتها الخاصة أو يستعجل ردها، فسحب جسده إلى الخلف ليمنحها مسافتها ، ثم قال بنبرة متفهمة للغاية "ىتبدين متفاجئة ومترددة جداً ، وأنا لا أريد أن أسبب لكِ أي ضغط أو إرباك. خذي كل وقتك في التفكير ، وزني الأمور براحتكِ التامة دون أي قيود. أردتكِ فقط أن تعرفي جديتي ومشاعري. " ثم أردف وهو يحمل حقيبته ويستعد للنهوض " دعيني أوصلكِ إلى المنزل بسيارتي، الوقت بدأ يتأخر ولا أريد أن تقلقي. " نظرت إليه بريبة مشوبة بالامتنان، واهتزت نظراتها بتوتر مفاجئ، لتهز رأسها بسرعة ونبرة متلعثمة رافضة: " لا.. لا داعي لذلك دكتور، شكراً لك.. أستطيع العودة بمفردي. " ابتسم تميم بصدق مقدّراً موقفها، ولم يحاول الإلحاح كي لا يضايقها " كما تحبين.. سأنتظر أن نتحدث مجدداً عندما تشعرين بالراحة والجاهزية. " قبل أن يكمل كلماته الأخيرة، كانت تاليا قد نهضت بانسحاب سريع ومرتبك ، حزمت حقيبتها وطأطأت رأسها وهي تمتم بوداع خافت ، لتغادر المطعم أولاً بخطوات متسارعة وقلب يخفق بقوة، تاركة تميم يتابع أثرها بنظرات هادئة متفهمة، بينما تتخبط هي في شتات مشاعرها المتضاربة ودهشتها من تفهمه لتردده وخوفها. يتبع .....استيقظت تاليا بعد ساعات طويلة من النوم، وكانت الغرفة غارقة في هدوء المساء، بينما كانت أشعة الشمس الأخيرة تتسلل من بين الستائر وتلقي خطوطا ذهبية باهتة على أرضية الغرفة. فتحت عينيها ببطء، وظلت لثوان تحدق في السقف دون أن تتذكر أين هي، قبل أن تعود إليها الأحداث دفعة واحدة، مالك، آثر، تميم. الكلمات التي قيلت، النظرات، الخوف الذي عاشته، ثم صمت آثر في السيارة. اعتدلت في جلستها ومسحت وجهها بيديها، وشعرت بأن رأسها لا يزال ثقيلا من شدة الإرهاق، لكنها على الأقل لم تعد تشعر بأنها على وشك الانهيار كما كانت قبل نومها. نظرت إلى ملابسها، ثم تنهدت عندما أدركت أنها نامت دون حتى أن تغيرها. نهضت ببطء، رتبت شعرها، ثم خرجت من غرفتها متجهة إلى الأسفل، كانت تحتاج إلى بعض الهواء، تحتاج إلى الابتعاد عن تلك الغرفة التي شعرت وكأن جدرانها تضيق حولها، لكنها ما إن وصلت إلى البهو حتى توقفت عندما وجدت أحد رجال الحراسة يقف بالقرب من الباب الرئيسي. ابتسمت له بخفة وقالت: "أريد الخروج إلى الحديقة قليلا." أجاب الرجل باحترام: "يمكنك الذهاب إلى الحديقة، سيدتي، لكن لا يمكنك مغادرة القصر." عقدت حاجبيها باستغراب.
فقط أجاب بصوت مختصر وهادئ: "شكرا." تجمدت للحظة من برودة الرد، ثم أومأت بخفة وأغلقت الباب. وفي اللحظة التي ابتعدت فيها عن السيارة، انطلقت سيارة آثر بسرعة، حتى اختفت من أمام القصر خلال ثوان. وقفت تاليا مكانها تنظر إلى الطريق الذي اختفى فيه، غير قادرة على فهم ما حدث. لماذا كان غاضبا؟ هل كان بسبب نظرتها إلى تميم؟ هل لاحظ شيئا؟ أم أن الأمر كله كان مجرد وهم منها؟ وضعت يدها على جبينها بتعب، ثم أطلقت تنهيدة طويلة. كان يومها قد استنزفها بالكامل. منذ الليلة الماضية لم تنم، وما مر بها من أحداث، والخوف، والتوتر، والكلمات التي قيلت أمامها، ثم ما حدث اليوم، كل ذلك كان يضغط على جسدها وعقلها حتى لم تعد قادرة على التفكير. دخلت القصر بخطوات ثقيلة، وصعدت الدرج ببطء، وهي تشعر أن عينيها تكادان تنغلقان من شدة الإرهاق.ىوصلت إلى غرفتها، فتحت الباب، ثم لم تكلف نفسها حتى عناء تغيير ملابسها. ألقت بنفسها فوق السرير، وسحبت الغطاء بشكل عشوائي، وما إن لامس رأسها الوسادة حتى أغمضت عينيها. لم تحتج إلى أكثر من ثوان. استسلم جسدها أخيرا للنوم، وكأن كل التعب الذي قاومته طوال الساعات الماضية وجد طريقه إليها
اقترب آثر منه أكثر، ثم قال: "أنت تعرف أنني لو اكتشفت يوما أنك أخفيت عني شيئا مهما، فلن أغضب لأنك أخفيته فقط، بل لأنني كنت أعتبرك أخي." نظر تميم إلى عينيه مباشرة، كانت الجملة مؤلمة له أكثر مما أظهر. لكنه قال بثبات: "وأنا أعتبرك أخي، ولهذا تحديدا لن أخون ثقتك." ساد الصمت بينهما، نظر آثر إلى وجهه طويلا، ثم تنفس بعمق ومد يده وربت على كتفه. وقال: "حسنا، ربما بالغت في التفكير." ابتسم تميم وقال: "أنت لا تبالغ حين يتعلق الأمر بتاليا، أنت فقط تحبها." ابتسم آثر دون أن يجيب، ثم قال: "على كل حال، أنا سعيد لأنك عدت، وأريد منك أن تهتم بنفسك، لقد مررت بما يكفي." أومأ تميم. "سأفعل." استدار آثر نحو الباب، وقبل أن يفتحه التفت إليه وقال: "وبالمناسبة، لا تنادها جميلتي مرة أخرى." ضحك تميم وقال: "حاضر يا زوجتي." توقف آثر عند الباب، ثم التفت إليه بنظرة حادة. ضحك تميم أكثر، وقال: "كنت أعرف أنك ستغضب." هز آثر رأسه وهو يبتسم، ثم خرج من المكتب. وما إن أغلق الباب حتى اختفت الابتسامة عن وجه تميم. بقي واقفا في مكانه لثوان، ثم أطلق نفسا طويلا وكأنه كان يحبس أنفاسه طوال الحديث
في الخارج، كان تميم واقفا بالقرب من مالك. وما إن رأى تاليا تخرج خلف آثر حتى عرف أن الحديث لم يكن عاديا. اقترب منهما مالك بعد أن ابتعد آثر قليلا، وقال بصوت منخفض: "لقد سمعها." أجاب تميم: "أعرف." "وهو يشك." تنهد تميم. "أعرف ذلك أيضا." نظر مالك إلى تاليا التي كانت واقفة بعيدا، ثم قال: "تميم، إذا استمررتما في ارتكاب الأخطاء أمامه، فلن تحتاج إلى إخباره بالحقيقة، هو سيكتشفها بنفسه." قال تميم: "أنا لم أعد أريد أن أكذب عليه." نظر إليه مالك بدهشة. تابع تميم: "لكنه ليس الوقت المناسب، إذا عرف الحقيقة الآن وهو غاضب، قد يفعل شيئا لا يستطيع التراجع عنه، وأنا لا أريد أن أكون السبب في تدمير تاليا أو تدمير صداقتي مع آثر." قال مالك: "وماذا ستفعل؟" صمت تميم لحظات. ثم قال: "سأتحدث مع تاليا للمرة الأخيرة." "وماذا ستقول لها؟" نظر تميم إلى تاليا. "سأطلب منها أن تختار." قطب مالك حاجبيه. قال تميم: "إما أن تخبر آثر الحقيقة بنفسها، أو أن أبتعد عنها تماما، لأنني لا أستطيع أن أستمر في الوقوف أمام الرجل الذي أحبني كأخ وأخفي عنه حقيقة تمس حياته وزوجته." كان مالك على وشك
قال تميم: "أريد منك أن تكون صريحا معي، لا أريد منك أن تحاول حمايتي من الحقيقة كما فعلت بالأمس، ولا أريد منك أن تقول ما تعتقد أنني أريد سماعه، فقط أخبرني... هل تاليا تحب آثر؟" بقي مالك صامتا طويلا. ثم قال: "لا أستطيع أن أجيبك بنعم أو لا." تألم تميم، لكنه لم يقاطعه. تابع مالك: "أنا متأكد أنها لم تتزوج آثر بإرادتها، وأعرف أنها كانت خائفة، لكنني رأيتها بعد الزواج، رأيت كيف تغيرت، ورأيت كيف تنظر إليه أحيانا، وكيف تتعامل معه، ولذلك لا أستطيع أن أقول لك إن قلبها لم يتغير." أغمض تميم عينيه. قال بصوت منخفض: "هل هي سعيدة معه حقاً؟" تردد مالك قبل أن يقول: "لا أعرف إن كانت السعادة هي الكلمة الصحيحة، لكنها ليست كما كانت." فتح تميم عينيه ونظر إليه. أكمل مالك: "وهناك شيء آخر." "ماذا؟" "هي تخفي شيئا عن آثر." تصلبت ملامح تميم. قال مالك: "لا أعرف كل التفاصيل، لكنني رأيت الخوف في عينيها، وأعتقد أن خوفها ليس من آثر نفسه، وإنما من الحقيقة التي ستظهر إذا عرف كل شيء." خفض تميم رأسه. قال بعد لحظات: "وأنا أخشى الشيء نفسه." --- بعد أقل من ساعة، وصلت سيارة آثر إلى دار الأزي
فتحت تاليا عينيها فورا. رفعت رأسها قليلا ونظرت إليه، وفي عينيها سؤال لم تستطع إخفاءه. التقط آثر نظرتها، لكنه فهمها على أنها فضول، فتابع حديثه ببساطة: "تميم كان في غيبوبة لمدة سبعة أشهر تقريبا، واستيقظ في الليلة التي سافرت فيها، ولهذا كنت مستعجلا في سفري، أردت أن أكون موجودا عندما يعود، فقد ظننت في لحظة ما أنني ربما لن أراه يستيقظ أبدا." شهقت تاليا بخفوت، ولم يستطع آثر إلا أن يعتدل قليلا وهو ينظر إليها باستغراب.قال: "ما بك حبيبتي؟ لماذا كل هذه الصدمة؟" ارتبكت تاليا، وشعرت بأن قلبها يكاد يخرج من صدرها، فقالت بسرعة وهي تحاول السيطرة على نبرة صوتها: "لا شيء... فقط شعرت بالأسى عليه، سبعة أشهر مدة طويلة جدا، من الطبيعي أن أشعر بالحزن عندما أعرف أنه مر بكل ذلك." نظر إليها آثر للحظات، ثم هدأت ملامحه، ومد يده إلى رأسها وبدأ يربت عليه برفق، قبل أن يعيدها إلى صدره. قال مطمئنا: "لا تقلقي، أهم شيء أنه أصبح بخير الآن، وهذا ما يهمني، لقد عاد إلينا وهو يتعافى، وأعتقد أنه سيستعيد حياته بشكل طبيعي مع الوقت." ثم ضحك فجأة وقال: "تعلمين بماذا يناديني ذلك العاهر؟" نظرت إليه تاليا بصمت







