Home / المراهقة / نداء الجسد / الفصل السادس عشر **الإيقاع الجديد**

Share

الفصل السادس عشر **الإيقاع الجديد**

last update publish date: 2026-08-10 15:04:55

**نداء الجسد**

### الفصل السادس عشر

**الإيقاع الجديد**

مرّت ثلاثة أيام على عودتهما التدريجية إلى العالم الخارجي. لم تعد الشقة هي المكان الوحيد الذي يعيشان فيه، لكنها بقيت النقطة التي يعودان إليها كلما استطاعا. في اليوم الأول بعد خروجهما الكامل، التقيا في المساء فقط لساعتين. في اليوم الثاني قضيا الليلة معًا. في اليوم الثالث افترقا تمامًا لأن مواعيدهما تعارضت، واكتفيا برسائل قصيرة ومكالمة هاتفية قبل النوم.

في مساء اليوم الرابع من هذا الإيقاع الجديد، وصلت ليلى إلى الشقة قبل كريم بقليل. فتحت الباب بالمفتاح الذي صار معها الآن، ودخلت. المكان كان هادئًا ونظيفًا، والنوافذ مغلقة لأن الجو صار أبرد قليلاً مع اقتراب المساء. أشعلت المصباح الخافت أولًا، ثم فتحت نافذة واحدة، ووضعت حقيبتها جانبًا. جلست على حافة الأريكة تنتظره، تشعر بشيء يشبه الحنين الخفيف إلى الأيام الخمسة الأولى، دون أن ترغب في إعادتها كما كانت تمامًا.

عندما وصل هو بعد عشرين دقيقة، وجد الضوء الخافت يملأ الغرفة، ووجدها تنتظره. وضع مفاتيحه بجانب مفاتيحها، واقترب واحتضنها دون كلام كثير. الاحتضان كان أطول من المعتاد في الأيام الأخيرة، كأنه يعوّض المسافة التي تفصل بينهما في النهار. هي دفنت وجهها في عنقه للحظة، ثم ابتعدت قليلًا ونظرت إليه.

«يومك كان كيف؟» سألته وهي تبتسم.

«طويل وممل في معظمه»، أجاب. «وأنتي؟»

«مشابه... لكنني كنت أعرف أنني سأنتهي هنا».

ضحكا معًا ضحكة قصيرة منخفضة. بعد ذلك خلعَا ملابس الخروج، وجلسا على السجادة قرب النافذة كعادتهما القديمة، رغم أن الوقت صار مساءً والضوء الخارجي قد اختفى. أعدّ هو شايًا، وهي أحضرت بطانية خفيفة فرشاها تحتهما. تحدثا عن تفاصيل أيامهما الثلاثة الماضية بهدوء: عن الزملاء، وعن المواعيد المؤجلة، وعن الشعور الغريب حين يعود المرء إلى روتينه ويكتشف أنه لم يعد يطيق بعض أجزائه كما كان من قبل.

مع مرور الساعة، اقتربا أكثر جسديًا. هي استندت إلى صدره، وهو وضع ذراعيه حولها. الصمت عاد ليملأ المسافات بين الجمل، ذلك الصمت المألوف الذي كانا قد افتقداه في زحمة الأيام العادية. في لحظة ما رفعت هي رأسها وقالت:

«أفتقد كيف كان الوقت يتوقف هنا».

«وأنا أيضًا»، أجاب هو. «لكننا صرنا نعرف كيف نسرقه من جديد... ولو لساعات».

ابتسمت ووافقت. بعد قليل انتقلَا إلى الأريكة، ثم في ساعة متأخرة إلى غرفة النوم. الليلة لم تكن طويلة ولا قصيرة. كانت متوسطة، هادئة، ومليئة بالقرب الهادئ الذي صار لغتهما المشتركة. ناما متلاصقين كالعادة، لكن النوم جاء أسرع هذه المرة لأن جسديهما كانا متعبين من إيقاع النهار الخارجي.

في الصباح التالي استيقظا مبكرًا. لم يكن هناك مجال للبقاء الطويل تحت الغطاء. كل منهما كان لديه موعد في ساعة مبكرة. تحركا بسرعة أكبر، وتشاركا القهوة وقوفًا في المطبخ، وتبادلا قبلات قصيرة قبل الخروج. عند الباب وقفَا لحظة إضافية. هو أمسك بيدها وقال:

«الليلة؟»

«الليلة»، أجابت هي بثقة هادئة.

ثم افترقا في الشارع، كلٌّ في اتجاهه، وهما يحملان معهما الإحساس نفسه: أن الشقة لم تعد ملاذًا مغلقًا بالكامل، لكنها صارت بيتًا ثانيًا يعودان إليه كلما أمكن، وأن العلاقة بينهما لم تعد محصورة في أيام العزلة، بل امتدت لتصير جزءًا من الأيام العادية نفسها، خفيفة وواضحة وثابتة تحت سطح الروتين اليومي.

ومع مرور الأيام التالية، صار هذا هو الإيقاع الجديد: لقاءات قصيرة في بعض الأمسيات، وليالٍ كاملة حين يسمح الوقت، ورسائل ومكالمات تملأ المسافات، وشعور مشترك بأن ما بدأ في تلك الليلة الأولى لم ينتهِ، بل تحول إلى شيء يستطيعان حمله معهما أينما ذهبا، ويعودان إليه كلما احتاجا إلى أن يتذكرا كيف يكون الوقت بطيئًا، والقرب كافيًا، والصمت ممتلئًا.

؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • نداء الجسد   الفصل السادس عشر **الإيقاع الجديد**

    **نداء الجسد**### الفصل السادس عشر **الإيقاع الجديد**مرّت ثلاثة أيام على عودتهما التدريجية إلى العالم الخارجي. لم تعد الشقة هي المكان الوحيد الذي يعيشان فيه، لكنها بقيت النقطة التي يعودان إليها كلما استطاعا. في اليوم الأول بعد خروجهما الكامل، التقيا في المساء فقط لساعتين. في اليوم الثاني قضيا الليلة معًا. في اليوم الثالث افترقا تمامًا لأن مواعيدهما تعارضت، واكتفيا برسائل قصيرة ومكالمة هاتفية قبل النوم.في مساء اليوم الرابع من هذا الإيقاع الجديد، وصلت ليلى إلى الشقة قبل كريم بقليل. فتحت الباب بالمفتاح الذي صار معها الآن، ودخلت. المكان كان هادئًا ونظيفًا، والنوافذ مغلقة لأن الجو صار أبرد قليلاً مع اقتراب المساء. أشعلت المصباح الخافت أولًا، ثم فتحت نافذة واحدة، ووضعت حقيبتها جانبًا. جلست على حافة الأريكة تنتظره، تشعر بشيء يشبه الحنين الخفيف إلى الأيام الخمسة الأولى، دون أن ترغب في إعادتها كما كانت تمامًا.عندما وصل هو بعد عشرين دقيقة، وجد الضوء الخافت يملأ الغرفة، ووجدها تنتظره. وضع مفاتيحه بجانب مفاتيحها، واقترب واحتضنها دون كلام كثير. الاحتضان كان أطول من المعتاد في الأيام الأخيرة،

  • نداء الجسد   الفصل الخامس عشر اليوم الذي عاد فيه الإيقاع الخارجي

    **نداء الجسد**### الفصل الخامس عشر **اليوم الذي عاد فيه الإيقاع الخارجي**استيقظا معًا مع أول ضوء حقيقي للصباح. هذه المرة لم يكن هناك تلك الرغبة المشتركة في البقاء تحت الغطاء لساعات إضافية. كلاهما كان يعرف أن اليوم يحمل التزامات لا يمكن تأجيلها. ليلى فتحت عينيها ووجدته يراقب السقف بهدوء، يداه خلف رأسه. عندما أحسّ بنظرها التفت إليها وابتسم ابتسامة قصيرة هادئة.«اليوم يبدأ مبكرًا»، قال بصوت ما زال مبحوحًا. «نعم»، أجابت هي، ومدّت يدها لتلمس ذراعه لمسة خفيفة قبل أن تنسحب من السرير.تحرّكا في الصباح بسرعة أكبر مما اعتادا عليه خلال الأيام الماضية. الاستحمام كان منفصلًا هذه المرة، والقهوة شُربت بسرعة أكبر، والحديث بينهما كان عمليًا ومقتضبًا: من سيخرج أولًا، ومتى سيعود كل منهما، وهل سيلتقيان في المساء أم يؤجلان اللقاء إلى الغد. لم يكن في الكلام برودة، بل واقعية هادئة تقبل أن الإيقاع قد تغيّر.قبل أن يغادرا الشقة، وقفَا عند الباب للحظة. هو أمسك بوجهها بيديه وقبل جبينها ثم شفتيها قبلة قصيرة لكنها غير مستعجلة. هي ردت على القبلة وأبقت يديها على صدره ثانية إضافية قبل أن تبتعد. ثم خرجا معًا ون

  • نداء الجسد   الفصل الرابع عشر

    **نداء الجسد**### الفصل الرابع عشر **الصباح الذي بدأ فيه العالم يعود**استيقظت ليلى وحدها هذه المرة. المكان إلى جانبها على السرير كان ما زال دافئًا، لكن كريم لم يكن هناك. سمعت صوتًا خفيفًا قادمًا من المطبخ: حركة فنجان، وصوت ماء يغلي، وخطوات هادئة على البلاط. فتحت عينيها ببطء، والضوء الأبيض الناصع يملأ الغرفة من النافذة المفتوحة جزئيًا. كان صباحًا صافيًا، والشمس مرتفعة أكثر مما اعتادت في الأيام السابقة.نهضت وارتدت قميصه الفضفاض الذي كان ملقى على الكرسي، ومشت حافية نحو المطبخ. وجدته يقف أمام النافذة الصغيرة، يشرب قهوته وينظر إلى الشارع. عندما أحسّ بوجودها التفت إليها وابتسم ابتسامة هادئة فيها شيء من الإرهاق الخفيف والرضا معًا.«صباح الخير»، قال بصوت منخفض. «صباح الخير»، أجابت وهي تقترب منه وتضع رأسها على كتفه للحظة قصيرة.أدار إليها فنجانًا ثانيًا كان قد أعدّه مسبقًا. جلسا إلى الطاولة الصغيرة ككل صباح، لكن الحديث هذه المرة كان أقل همسًا وأكثر وضوحًا. هو أخبرها أنه يحتاج إلى الخروج لساعتين أو ثلاث لإنجاز أمور مؤجلة لا يمكن تأجيلها أكثر. هي أنصتَت بهدوء، ثم قالت إنها أيضًا سترد على

  • نداء الجسد   الفصل الثالث عشر الليلة التي تحمل في طياتها غدًا مختلفًا

    **نداء الجسد**### الفصل الثالث عشر **الليلة التي تحمل في طياتها غدًا مختلفًا**كان الباب إلى غرفة النوم مواربًا كالعادة عندما دخله، والضوء الخافت من غرفة المعيشة يرسم مستطيلًا باهتًا على الأرض. لم يضيئا أي مصباح إضافي. اكتفيا بما يصل من الخارج وبما تبقى من ضوء المصباح الأحمر البعيد. الهواء داخل الغرفة كان دافئًا وساكنًا، يحمل رائحة مألوفة صارت خلال الأيام الماضية رائحة البيت نفسه.ليلى جلست على حافة السرير وخلعت ما تبقى من ملابسها ببطء، ثم انزلقت تحت الغطاء. كريم تبعها بعد لحظات واستلقى إلى جانبها. في البداية بقيَا على ظهريهما ينظران إلى السقف المعتم، أيديهما متقاربة فوق الغطاء. الصمت كان كثيفًا، لكنه لم يكن ثقيلًا. كان أشبه بصمت من يعرف أن الغد سيحمل شيئًا مختلفًا قليلًا، ويختار أن يبقى في اللحظة الحاضرة حتى آخرها.بعد دقائق استدارت هي نحوه. مدّت يدها لتلامس صدره، وهو أدار رأسه وابتسم في شبه الظلام. اقترب منها حتى صارت المسافة بينهما قصيرة جدًا، وقبل جبينها ثم صدغها ثم زاوية فمها بقبلات بطيئة متتالية. هي أغلقت عينيها واستسلمت لتلك اللمسات، يدها ما زالت تشعر بارتفاع صدره وهبوطه تحت

  • نداء الجسد   الفصل الثاني عشر ساعات الانتقال الهادئ

    **نداء الجسد**### الفصل الثاني عشر **ساعات الانتقال الهادئ**كان الظهر قد اكتمل عندما وضعَا الهاتفين جانبًا بشكل نهائي هذه المرة، كأنهما اتفقا صامتًا على ألا يدعَا الشاشات تسرق المزيد من النهار. الضوء في الغرفة كان قويًا وواضحًا، يملأ كل زاوية ويجعل الغبار المتطاير في الهواء يبدو كخيوط ذهبية دقيقة. ليلى نهضت من الأريكة ومدّت يديها إلى أعلى في تمدد طويل، ثم التفتت إلى كريم الذي كان ما زال جالسًا يراقبها.«ماذا لو خرجنا قليلاً؟» قالت فجأة. «لا للبقاء طويلاً... فقط كي نتنفس هواءً مختلفًا ثم نعود».ابتسم هو ووافق دون تردد. ارتديَا ملابس بسيطة، وخرجا هذه المرة بخطوات أهدأ مما كان عليه خروجهما السابق. الشمس في الخارج كانت دافئة ومباشرة، والشارع أكثر ازدحامًا مما تذكراه. سارَا جنبًا إلى جنب، أيديهما تتلامس بين الحين والآخر دون أن تتشابك تمامًا، كأنهما يحافظان على مسافة خفيفة بينهما وبين العالم.تمشيا نحو الحديقة الصغيرة التي رأياها من النافذة مرات عديدة خلال الأيام الماضية. كانت الأشجار فيها تظلل المقاعد الخشبية القديمة، والأطفال يلعبون في الجهة المقابلة، والعجائز يجلسون في صمت يشبه صمتهم

  • نداء الجسد   الفصل الحادي عشر صباح يحمل في طياته نهاية خفيفة

    **نداء الجسد**### الفصل الحادي عشر **صباح يحمل في طياته نهاية خفيفة**استيقظا معًا هذه المرة، كأن جسديهما قد اتفقا في النوم على لحظة واحدة للعودة إلى اليقظة. الضوء الذي ملأ الغرفة كان صافيًا وذهبيًا مبكرًا، يدل على أن الشمس قد طلعت في سماء خالية من الغيم. ليلى فتحت عينيها لتجد كريم ينظر إليها بالفعل، ابتسامة هادئة صغيرة على وجهه. لم يتكلما في الثواني الأولى. اكتفيا بالنظر، ثم اقترب هو وقبل جبينها قبلة طويلة بطيئة قبل أن يهمس:«صباح اليوم الخامس».ضحكت هي ضحكة خافتة مبحوحة، وأجابت:«صرنا نعدّ الأيام... كأننا نخاف أن نفقدها».«ربما نعدّها كي نتذكر أنها حدثت»، قال هو، ثم جذبها إليه حتى صار رأسها على صدره من جديد.بقيا على هذه الحالة وقتًا أطول من المعتاد. الغرفة كانت هادئة تمامًا إلا من صوت تنفسهما وصوت بعيد لطيور في الخارج. تحدثا همسًا عن الليلة السابقة، عن الإحساس الغريب بأن هذه الأيام صارت تشبه بيتًا مؤقتًا بنياه معًا من الضوء والصمت والقرب. كل كلمة كانت تخرج ببطء، كأنهما يعرفان أن هذا الصباح يحمل في طياته شيئًا مختلفًا قليلًا عن الصباحات الأربعة السابقة.عندما نهضا أخيرًا، كان الو

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status