Home / المراهقة / نداء الجسد / الفصل العاشر المساء الذي لا يطلب شيئًا

Share

الفصل العاشر المساء الذي لا يطلب شيئًا

last update publish date: 2026-08-04 17:25:58

كان الضوء قد بدأ يميل إلى الحمرة الهادئة عندما رفعا رأسيهما أخيرًا من على السجادة. الغرفة كانت مغمورة بلون برتقالي ناعم يلامس الجدران والأثاث ووجهيهما، فيجعل كل شيء يبدو أقرب إلى لوحة هادئة منها إلى مكان حقيقي. الرياح الخفيفة عادت لتحرّك الستائر، حاملة معها أصوات المدينة وهي تتحول تدريجيًا إلى إيقاع المساء: محركات أبطأ، وضحكات أعلى قليلاً من الشرفات القريبة، ورائحة طعام تطهو في مكان ما في الطوابق السفلية.

ليلى جلست أولًا ومرّرت يدها في شعرها، ثم نظرت إلى كريم الذي كان ما زال مستلقيًا على ظهره، يده تحت رأسه، وعيناه تتابعان بقايا الضوء على السقف. ابتسمت له ومدّت يدها لتلمس أصابع يده الحرة. هو أمسك بها ورفعها إلى شفتيه وقبلها برفق، ثم جذبها لتعود وتستلقي إلى جانبه مرة أخرى، رأسها على ذراعه هذه المرة.

بقيا هكذا لبعض الوقت، يراقبان كيف يتحول اللون حولهما دقيقة بعد دقيقة. الصمت بينهما كان مألوفًا إلى درجة أنه صار جزءًا من ديكور الغرفة. في لحظة ما، همست هي وهي تتأمل الظلال وهي تطول:

«أحب كيف لا يطلب منا هذا المكان أي شيء».

فوافقها هو بحركة رأس خفيفة، ويده بدأت تتحرك ببطء على ذراعها في خطوط طويلة هادئة.

بعد أن غاب قرص الشمس تمامًا، نهضا معًا. سارت هي نحو المطبخ وأشعلت ضوءًا خافتًا فقط، كي لا يفسد بقايا اللون الطبيعي. هو تبعها وفتح الثلاجة بهدوء، وأخرجا معًا بعض الأشياء البسيطة ليأكلا شيئًا خفيفًا. جلسا إلى الطاولة الصغيرة قرب النافذة، يأكلان ببطء شديد، ويتبادلان نظرات قصيرة بين الحين والآخر، كأن الوجبة نفسها طقس من طقوس هذه الأيام لا مجرد حاجة جسدية.

بعد أن انتهيا، لم يعودا فورًا إلى الأريكة. وقفَا قرب النافذة المفتوحة، يطلان على المدينة التي بدأت أضواؤها تشتعل واحدًا تلو الآخر. الهواء صار أبرد قليلاً مع اقتراب الليل، فاقترب هو منها من الخلف ووضع ذراعيه حولها، واستندت هي إليه بظهرها كاملة. بقيَا على هذا الوضع وقتًا طويلًا، يراقبان كيف تتحول الشوارع إلى شرائط مضيئة، وكيف تبدو الحياة في الخارج مستمرة وعادية بينما هما داخل لحظة مختلفة تمامًا.

«هل تذكر»، قالت هي بصوت خافت، «أننا في الليلة الأولى لم نكن نعرف كيف سيمضي اليوم التالي؟»

«أذكر»، أجاب هو قرب أذنها. «والآن صرنا نعرف أن اليوم التالي سيمضي بالطريقة نفسها... وهذا أجمل».

ضحكت ضحكة منخفضة قصيرة، ووافقت بحركة رأس. ثم أضافت بعد صمت قصير:

«أخشى أحيانًا أن ينتهي هذا... أن نضطر للعودة إلى الأيام العادية».

هو Tightened ذراعيه حولها قليلاً، وترك أنفاسه تلامس شعرها قبل أن يقول:

«لن ينتهي فجأة. وحتى لو تغيّر الإيقاع... سنأخذ معنا ما تعلمناه هنا».

ابتسمت وأمسكت بيديه اللتين حولها بقوة أكبر قليلاً. بقيَا على هذا النحو حتى صار الظلام خارج النافذة شبه كامل، وأضواء المدينة هي المصدر الوحيد للضياء إلى جانب المصباح الخافت في المطبخ.

عندما ابتعدَا أخيرًا عن النافذة، عادت هي إلى غرفة المعيشة وأشعلت المصباح الأرضي بالقماش الأحمر الداكن. عاد الضوء الخافت الدافئ يملأ المكان، ويرسم الظلال الطويلة على الجدران كما في كل ليلة سابقة. جلس هو على الأريكة، وهي جاءت وجلست إلى جانبه ثم مالت برأسها على كتفه. سحب البطانية الخفيفة وغطى بها ساقيهما معًا.

تحدثا هذه المرة عن الغد وعن الأيام التي تليه، لكن الأفكار كانت أكثر واقعية قليلاً مما كانت عليه في الليالي الأولى: عن العمل الذي لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية، وعن الرسائل التي تنتظر الرد، وعن الحياة التي تنتظرهما خارج هذه الشقة. لكن الحديث لم يكن ثقيلًا ولا حزينًا. كان هادئًا ومليئًا بقبول صامت بأن هذه الفترة الجميلة جزء من شيء أكبر، لا نهاية له ولا بداية فقط.

مع مرور الوقت، ازداد الظلام في الخارج، وازداد الدفء داخل الغرفة. هي اقتربت أكثر حتى صارت تقريبًا في حضنه، ورأسها تحت ذقنه. أغمضت عينيها لبعض الوقت، تركز على الإحساس بوزنه ودفئه وأنفاسه. هو كان يمرر يده ببطء على شعرها في حركة مهدئة متكررة، كأنه يحرس اللحظة من أن تمر بسرعة.

في ساعة متأخرة، رفعت هي رأسها ونظرت إليه في الضوء الخافت. مدّت يدها ولامست خده، ثم قالت بصوت كاد يضيع:

«مهما حدث بعد هذه الأيام... سأتذكر كيف كان الوقت يتوقف هنا».

فأجاب هو وهو ينظر في عينيها:

«وأنا سأتذكر كيف تعلمت أن أكون حاضرًا بالكامل... بسببك».

ابتسمت وقربت وجهها منه حتى تلامست جباههما. بقيَا على هذا النحو لحظات طويلة، قبل أن تعود هي لتستقر في حضنه من جديد. والليل كان قد بدأ يعمق، لكن داخل الغرفة بدا الوقت ما زال واسعًا ومفتوحًا، ينتظر منهما أن يدخلاه معًا بالوتيرة نفسها التي صارا يتقنانها الآن: ببطء، وبانتباه، وبامتنان صامت لكل ساعة تمر دون أن تُسرق منهما.

عندما اقتربا أخيرًا من ساعة النوم، لم يسارعا. بقيا على الأريكة وقتًا إضافيًا، يتحدثان أحيانًا ويصمتان أحيانًا أكثر، حتى صار النعاس يداعب جفنيهما برفق. عندها فقط نهضا معًا وذهبا نحو غرفة النوم، يدًا بيد، والضوء الخافت يتبعهما، والليل كله أمامهما هادئ ومألوف وجاهز لأن يُعاش مرة أخرى كما عاشا كل الليالي التي سبقته.

---

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • نداء الجسد   الفصل السادس عشر **الإيقاع الجديد**

    **نداء الجسد**### الفصل السادس عشر **الإيقاع الجديد**مرّت ثلاثة أيام على عودتهما التدريجية إلى العالم الخارجي. لم تعد الشقة هي المكان الوحيد الذي يعيشان فيه، لكنها بقيت النقطة التي يعودان إليها كلما استطاعا. في اليوم الأول بعد خروجهما الكامل، التقيا في المساء فقط لساعتين. في اليوم الثاني قضيا الليلة معًا. في اليوم الثالث افترقا تمامًا لأن مواعيدهما تعارضت، واكتفيا برسائل قصيرة ومكالمة هاتفية قبل النوم.في مساء اليوم الرابع من هذا الإيقاع الجديد، وصلت ليلى إلى الشقة قبل كريم بقليل. فتحت الباب بالمفتاح الذي صار معها الآن، ودخلت. المكان كان هادئًا ونظيفًا، والنوافذ مغلقة لأن الجو صار أبرد قليلاً مع اقتراب المساء. أشعلت المصباح الخافت أولًا، ثم فتحت نافذة واحدة، ووضعت حقيبتها جانبًا. جلست على حافة الأريكة تنتظره، تشعر بشيء يشبه الحنين الخفيف إلى الأيام الخمسة الأولى، دون أن ترغب في إعادتها كما كانت تمامًا.عندما وصل هو بعد عشرين دقيقة، وجد الضوء الخافت يملأ الغرفة، ووجدها تنتظره. وضع مفاتيحه بجانب مفاتيحها، واقترب واحتضنها دون كلام كثير. الاحتضان كان أطول من المعتاد في الأيام الأخيرة،

  • نداء الجسد   الفصل الخامس عشر اليوم الذي عاد فيه الإيقاع الخارجي

    **نداء الجسد**### الفصل الخامس عشر **اليوم الذي عاد فيه الإيقاع الخارجي**استيقظا معًا مع أول ضوء حقيقي للصباح. هذه المرة لم يكن هناك تلك الرغبة المشتركة في البقاء تحت الغطاء لساعات إضافية. كلاهما كان يعرف أن اليوم يحمل التزامات لا يمكن تأجيلها. ليلى فتحت عينيها ووجدته يراقب السقف بهدوء، يداه خلف رأسه. عندما أحسّ بنظرها التفت إليها وابتسم ابتسامة قصيرة هادئة.«اليوم يبدأ مبكرًا»، قال بصوت ما زال مبحوحًا. «نعم»، أجابت هي، ومدّت يدها لتلمس ذراعه لمسة خفيفة قبل أن تنسحب من السرير.تحرّكا في الصباح بسرعة أكبر مما اعتادا عليه خلال الأيام الماضية. الاستحمام كان منفصلًا هذه المرة، والقهوة شُربت بسرعة أكبر، والحديث بينهما كان عمليًا ومقتضبًا: من سيخرج أولًا، ومتى سيعود كل منهما، وهل سيلتقيان في المساء أم يؤجلان اللقاء إلى الغد. لم يكن في الكلام برودة، بل واقعية هادئة تقبل أن الإيقاع قد تغيّر.قبل أن يغادرا الشقة، وقفَا عند الباب للحظة. هو أمسك بوجهها بيديه وقبل جبينها ثم شفتيها قبلة قصيرة لكنها غير مستعجلة. هي ردت على القبلة وأبقت يديها على صدره ثانية إضافية قبل أن تبتعد. ثم خرجا معًا ون

  • نداء الجسد   الفصل الرابع عشر

    **نداء الجسد**### الفصل الرابع عشر **الصباح الذي بدأ فيه العالم يعود**استيقظت ليلى وحدها هذه المرة. المكان إلى جانبها على السرير كان ما زال دافئًا، لكن كريم لم يكن هناك. سمعت صوتًا خفيفًا قادمًا من المطبخ: حركة فنجان، وصوت ماء يغلي، وخطوات هادئة على البلاط. فتحت عينيها ببطء، والضوء الأبيض الناصع يملأ الغرفة من النافذة المفتوحة جزئيًا. كان صباحًا صافيًا، والشمس مرتفعة أكثر مما اعتادت في الأيام السابقة.نهضت وارتدت قميصه الفضفاض الذي كان ملقى على الكرسي، ومشت حافية نحو المطبخ. وجدته يقف أمام النافذة الصغيرة، يشرب قهوته وينظر إلى الشارع. عندما أحسّ بوجودها التفت إليها وابتسم ابتسامة هادئة فيها شيء من الإرهاق الخفيف والرضا معًا.«صباح الخير»، قال بصوت منخفض. «صباح الخير»، أجابت وهي تقترب منه وتضع رأسها على كتفه للحظة قصيرة.أدار إليها فنجانًا ثانيًا كان قد أعدّه مسبقًا. جلسا إلى الطاولة الصغيرة ككل صباح، لكن الحديث هذه المرة كان أقل همسًا وأكثر وضوحًا. هو أخبرها أنه يحتاج إلى الخروج لساعتين أو ثلاث لإنجاز أمور مؤجلة لا يمكن تأجيلها أكثر. هي أنصتَت بهدوء، ثم قالت إنها أيضًا سترد على

  • نداء الجسد   الفصل الثالث عشر الليلة التي تحمل في طياتها غدًا مختلفًا

    **نداء الجسد**### الفصل الثالث عشر **الليلة التي تحمل في طياتها غدًا مختلفًا**كان الباب إلى غرفة النوم مواربًا كالعادة عندما دخله، والضوء الخافت من غرفة المعيشة يرسم مستطيلًا باهتًا على الأرض. لم يضيئا أي مصباح إضافي. اكتفيا بما يصل من الخارج وبما تبقى من ضوء المصباح الأحمر البعيد. الهواء داخل الغرفة كان دافئًا وساكنًا، يحمل رائحة مألوفة صارت خلال الأيام الماضية رائحة البيت نفسه.ليلى جلست على حافة السرير وخلعت ما تبقى من ملابسها ببطء، ثم انزلقت تحت الغطاء. كريم تبعها بعد لحظات واستلقى إلى جانبها. في البداية بقيَا على ظهريهما ينظران إلى السقف المعتم، أيديهما متقاربة فوق الغطاء. الصمت كان كثيفًا، لكنه لم يكن ثقيلًا. كان أشبه بصمت من يعرف أن الغد سيحمل شيئًا مختلفًا قليلًا، ويختار أن يبقى في اللحظة الحاضرة حتى آخرها.بعد دقائق استدارت هي نحوه. مدّت يدها لتلامس صدره، وهو أدار رأسه وابتسم في شبه الظلام. اقترب منها حتى صارت المسافة بينهما قصيرة جدًا، وقبل جبينها ثم صدغها ثم زاوية فمها بقبلات بطيئة متتالية. هي أغلقت عينيها واستسلمت لتلك اللمسات، يدها ما زالت تشعر بارتفاع صدره وهبوطه تحت

  • نداء الجسد   الفصل الثاني عشر ساعات الانتقال الهادئ

    **نداء الجسد**### الفصل الثاني عشر **ساعات الانتقال الهادئ**كان الظهر قد اكتمل عندما وضعَا الهاتفين جانبًا بشكل نهائي هذه المرة، كأنهما اتفقا صامتًا على ألا يدعَا الشاشات تسرق المزيد من النهار. الضوء في الغرفة كان قويًا وواضحًا، يملأ كل زاوية ويجعل الغبار المتطاير في الهواء يبدو كخيوط ذهبية دقيقة. ليلى نهضت من الأريكة ومدّت يديها إلى أعلى في تمدد طويل، ثم التفتت إلى كريم الذي كان ما زال جالسًا يراقبها.«ماذا لو خرجنا قليلاً؟» قالت فجأة. «لا للبقاء طويلاً... فقط كي نتنفس هواءً مختلفًا ثم نعود».ابتسم هو ووافق دون تردد. ارتديَا ملابس بسيطة، وخرجا هذه المرة بخطوات أهدأ مما كان عليه خروجهما السابق. الشمس في الخارج كانت دافئة ومباشرة، والشارع أكثر ازدحامًا مما تذكراه. سارَا جنبًا إلى جنب، أيديهما تتلامس بين الحين والآخر دون أن تتشابك تمامًا، كأنهما يحافظان على مسافة خفيفة بينهما وبين العالم.تمشيا نحو الحديقة الصغيرة التي رأياها من النافذة مرات عديدة خلال الأيام الماضية. كانت الأشجار فيها تظلل المقاعد الخشبية القديمة، والأطفال يلعبون في الجهة المقابلة، والعجائز يجلسون في صمت يشبه صمتهم

  • نداء الجسد   الفصل الحادي عشر صباح يحمل في طياته نهاية خفيفة

    **نداء الجسد**### الفصل الحادي عشر **صباح يحمل في طياته نهاية خفيفة**استيقظا معًا هذه المرة، كأن جسديهما قد اتفقا في النوم على لحظة واحدة للعودة إلى اليقظة. الضوء الذي ملأ الغرفة كان صافيًا وذهبيًا مبكرًا، يدل على أن الشمس قد طلعت في سماء خالية من الغيم. ليلى فتحت عينيها لتجد كريم ينظر إليها بالفعل، ابتسامة هادئة صغيرة على وجهه. لم يتكلما في الثواني الأولى. اكتفيا بالنظر، ثم اقترب هو وقبل جبينها قبلة طويلة بطيئة قبل أن يهمس:«صباح اليوم الخامس».ضحكت هي ضحكة خافتة مبحوحة، وأجابت:«صرنا نعدّ الأيام... كأننا نخاف أن نفقدها».«ربما نعدّها كي نتذكر أنها حدثت»، قال هو، ثم جذبها إليه حتى صار رأسها على صدره من جديد.بقيا على هذه الحالة وقتًا أطول من المعتاد. الغرفة كانت هادئة تمامًا إلا من صوت تنفسهما وصوت بعيد لطيور في الخارج. تحدثا همسًا عن الليلة السابقة، عن الإحساس الغريب بأن هذه الأيام صارت تشبه بيتًا مؤقتًا بنياه معًا من الضوء والصمت والقرب. كل كلمة كانت تخرج ببطء، كأنهما يعرفان أن هذا الصباح يحمل في طياته شيئًا مختلفًا قليلًا عن الصباحات الأربعة السابقة.عندما نهضا أخيرًا، كان الو

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status