Home / المراهقة / نداء الجسد / الفصل التاسع فجر اليوم الرابع

Share

الفصل التاسع فجر اليوم الرابع

last update publish date: 2026-08-04 17:24:47

استيقظت ليلى على شعور مختلف هذه المرة. الضوء الذي دخل الغرفة لم يكن رماديًا ولا ذهبيًا تمامًا، بل كان أبيض ناصعًا وواضحًا، يدل على أن الشمس قد ارتفعت أكثر مما اعتادا عليه في الصباحات السابقة. فتحت عينيها ببطء، ووجدت نفسها ما زالت في الوضعية نفسها التي نامت عليها: رأسها على صدر كريم، ويده الثقيلة على خصرها، وساقاها متداخلتان قليلًا مع ساقيه تحت الغطاء.

بقيت ساكنة لدقائق إضافية، تستمع إلى تنفسه العميق. كان ما زال نائمًا، وملامحه في ضوء الصباح تبدو أكثر استرخاءً وهدوءًا مما كانت عليه في الليالي السابقة. ابتسمت لنفسها، وحركت أصابعها برفق شديد على ذراعه، كأنها تختبر إن كان سيستيقظ أم لا. استجاب بحركة خفيفة في نومه، ثم بزفير طويل، قبل أن تفتح عيناه ببطء وتتجه نحوها.

نظر إليها لحظة طويلة دون أن يتكلم، ثم ابتسم ابتسامة نعسان وضيقة، وقربها إليه أكثر حتى صارت المسافة بينهما معدومة تقريبًا. قبل جبينها قبلة قصيرة بطيئة، ثم همس بصوت ما زال مبحوحًا من النوم:

«تأخرنا هذه المرة».

«لا يهم»، أجابت هي بنفس الهدوء. «لا أحد ينتظرنا».

بقيا على هذه الحالة وقتًا أطول من الصباحات السابقة. الضوء الأبيض كان يكشف كل تفصيلة في الغرفة: تجاعيد الملاءة، وشعرة على الوسادة، وانعكاس خفيف على سطح الطاولة الجانبية. تحدثا همسًا عن أحلام رأياها أو لم يرياها، وعن الشعور الغريب بالاستيقاظ في ساعة متأخرة دون إحساس بالذنب أو الاستعجال. كل جملة كانت تخرج بطيئة، كأن اللسان نفسه لم يستيقظ تمامًا بعد.

عندما نهضا أخيرًا، كان الوقت قد تجاوز منتصف الصباح بوضوح. خرجا إلى المطبخ حافيي القدمين، وهي ترتدي قميصه الفضفاض من جديد، وهو يرتدي سروالًا خفيفًا فقط. هذه المرة أعدّا الفطور معًا بصمت متناسق: هو يحضر الخبز والجبن، وهي تقطع الفاكهة وتحضر الشاي بدل القهوة. جلسا إلى الطاولة الصغيرة قرب النافذة المفتوحة، والشمس تدخل مباشرة فتغمر وجهيهما بضياء دافئ قوي.

أكلا ببطء، وتحدثا عن إمكانية الخروج مرة أخرى اليوم، أو البقاء، أو حتى الذهاب إلى مكان أبعد قليلاً إذا رغبا في تغيير المشهد. لكنها قالت بعد تفكير قصير:

«أفضل البقاء اليوم... أشعر أن الخارج سيكسر شيئًا ما زال يتشكل هنا».

فهم هو ما تقصده دون حاجة إلى شرح إضافي، ووافق بحركة رأس. بعد أن انتهيا من الفطور وغسلا الصحون معًا، عادا إلى غرفة المعيشة. فتحت هي النافذة على آخرها، ودخل هواء الصباح المنعش محملًا بأصوات المدينة في أوج حركتها النهارية. جلسا على الأريكة في البداية، ثم انتقلا بعد قليل إلى السجادة كعادتهما، حيث يبدو الضوء أجمل والمسافة إلى النافذة أقرب.

قضيا ساعة أو أكثر في قراءة صامتة تقريبًا. هي فتحت كتابًا كانت قد بدأته منذ أيام ولم تُكمله، وهو تصفح مجلة قديمة كانت ملقاة على الطاولة. بين الحين والآخر كان أحدهما يرفع عينيه وينظر إلى الآخر، فيبتسم أو يمد يده للمس يد الآخر لمسة قصيرة قبل أن يعود إلى الصفحات. الصمت لم يكن فارغًا، بل ممتلئًا بحضور مشترك مريح لا يحتاج إلى ملء مستمر بالكلمات.

مع اقتراب الظهر، صار الضوء أقوى وأكثر بياضًا. أغلقت هي الكتاب ووضعته جانبًا، واستندت إلى صدره من الخلف وهو جالس. هو أغلق المجلة أيضًا وترك يديه تستريحان على ذراعيها. راقبا معًا حركة الناس البعيدة في الشارع، وتحدثا قليلًا عن الرجل الذي يمر كل يوم في الساعة نفسها تقريبًا يحمل حقيبة سوداء، وعن القطة التي تظهر أحيانًا على سور المبنى المقابل.

«صرنا نعرف إيقاع هذا الشارع»، قالت هي بضحكة خفيفة. «كأننا سكنا هنا منذ أشهر لا أيام».

«لأن الأيام هنا أطول»، أجاب هو. «أو نحن نعيشها بكثافة أكبر».

وافقت بصمت، وتركت رأسها يميل إلى الخلف حتى لامس خده. بقيَا على هذا النحو حتى بدأ الضوء يلين قليلًا مع مرور الوقت نحو العصر. في لحظة ما، استدارت هي في حضنه حتى صارت تواجهه، ونظرت في عينيه من مسافة قريبة. مدّت يدها ولامست خده ثم شعره، ثم قالت بصوت خافت:

«أشعر أنني أرتاح معك بطريقة لم أعتدها من قبل».

هو أمسك بيدها وقبّل راحتهَا، ثم أجاب بهدوء:

«وأنا أيضًا... كأن الوقت نفسه صار مكانًا نستطيع الجلوس فيه».

ابتسمت وقربت جبينها من جبينه. بقيَا هكذا لحظات طويلة، يتنفسان في صمت، قبل أن تعود إلى الاستناد إليه من جديد. واليوم كان ما زال في منتصفه تقريبًا، طويلًا ومفتوحًا أمامهما، لا يحمل أي موعد أو التزام، فقط ساعات إضافية من هذا القرب الهادئ الذي صار أهم ما في حياتهما خلال هذه الأيام الأربعة الممتدة.

مع ميل الشمس تدريجيًا، بدأ اللون الذهبي يعود إلى الغرفة من جديد، والظلال تطول على السجادة. هما لم يتحركَا من مكانهما إلا قليلاً، يغيران وضعية الجلوس بين الحين والآخر، أو يذهبان إلى المطبخ ليحضرا كوب ماء أو شاي، ثم يعودان إلى النقطة نفسها قرب النافذة، كأنهما مربوطان إلى هذا الضوء وهذا الصمت وهذا الحضور المشترك الذي لا يريدان كسره بعد.

وعندما بدأ العصر يميل نحو المساء، كانا ما زالا هناك، أقرب إلى بعضهما، وأكثر هدوءًا وامتلاءً، يراقبان كيف يتحول النهار ببطء إلى شيء آخر، ويعلمان أن الليلة القادمة ستكون جاهزة لاستقبالهما بالوتيرة نفسها، دون استعجال ودون حاجة إلى أن تكون مختلفة كي تكون كافية.

---

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • نداء الجسد   الفصل السادس عشر **الإيقاع الجديد**

    **نداء الجسد**### الفصل السادس عشر **الإيقاع الجديد**مرّت ثلاثة أيام على عودتهما التدريجية إلى العالم الخارجي. لم تعد الشقة هي المكان الوحيد الذي يعيشان فيه، لكنها بقيت النقطة التي يعودان إليها كلما استطاعا. في اليوم الأول بعد خروجهما الكامل، التقيا في المساء فقط لساعتين. في اليوم الثاني قضيا الليلة معًا. في اليوم الثالث افترقا تمامًا لأن مواعيدهما تعارضت، واكتفيا برسائل قصيرة ومكالمة هاتفية قبل النوم.في مساء اليوم الرابع من هذا الإيقاع الجديد، وصلت ليلى إلى الشقة قبل كريم بقليل. فتحت الباب بالمفتاح الذي صار معها الآن، ودخلت. المكان كان هادئًا ونظيفًا، والنوافذ مغلقة لأن الجو صار أبرد قليلاً مع اقتراب المساء. أشعلت المصباح الخافت أولًا، ثم فتحت نافذة واحدة، ووضعت حقيبتها جانبًا. جلست على حافة الأريكة تنتظره، تشعر بشيء يشبه الحنين الخفيف إلى الأيام الخمسة الأولى، دون أن ترغب في إعادتها كما كانت تمامًا.عندما وصل هو بعد عشرين دقيقة، وجد الضوء الخافت يملأ الغرفة، ووجدها تنتظره. وضع مفاتيحه بجانب مفاتيحها، واقترب واحتضنها دون كلام كثير. الاحتضان كان أطول من المعتاد في الأيام الأخيرة،

  • نداء الجسد   الفصل الخامس عشر اليوم الذي عاد فيه الإيقاع الخارجي

    **نداء الجسد**### الفصل الخامس عشر **اليوم الذي عاد فيه الإيقاع الخارجي**استيقظا معًا مع أول ضوء حقيقي للصباح. هذه المرة لم يكن هناك تلك الرغبة المشتركة في البقاء تحت الغطاء لساعات إضافية. كلاهما كان يعرف أن اليوم يحمل التزامات لا يمكن تأجيلها. ليلى فتحت عينيها ووجدته يراقب السقف بهدوء، يداه خلف رأسه. عندما أحسّ بنظرها التفت إليها وابتسم ابتسامة قصيرة هادئة.«اليوم يبدأ مبكرًا»، قال بصوت ما زال مبحوحًا. «نعم»، أجابت هي، ومدّت يدها لتلمس ذراعه لمسة خفيفة قبل أن تنسحب من السرير.تحرّكا في الصباح بسرعة أكبر مما اعتادا عليه خلال الأيام الماضية. الاستحمام كان منفصلًا هذه المرة، والقهوة شُربت بسرعة أكبر، والحديث بينهما كان عمليًا ومقتضبًا: من سيخرج أولًا، ومتى سيعود كل منهما، وهل سيلتقيان في المساء أم يؤجلان اللقاء إلى الغد. لم يكن في الكلام برودة، بل واقعية هادئة تقبل أن الإيقاع قد تغيّر.قبل أن يغادرا الشقة، وقفَا عند الباب للحظة. هو أمسك بوجهها بيديه وقبل جبينها ثم شفتيها قبلة قصيرة لكنها غير مستعجلة. هي ردت على القبلة وأبقت يديها على صدره ثانية إضافية قبل أن تبتعد. ثم خرجا معًا ون

  • نداء الجسد   الفصل الرابع عشر

    **نداء الجسد**### الفصل الرابع عشر **الصباح الذي بدأ فيه العالم يعود**استيقظت ليلى وحدها هذه المرة. المكان إلى جانبها على السرير كان ما زال دافئًا، لكن كريم لم يكن هناك. سمعت صوتًا خفيفًا قادمًا من المطبخ: حركة فنجان، وصوت ماء يغلي، وخطوات هادئة على البلاط. فتحت عينيها ببطء، والضوء الأبيض الناصع يملأ الغرفة من النافذة المفتوحة جزئيًا. كان صباحًا صافيًا، والشمس مرتفعة أكثر مما اعتادت في الأيام السابقة.نهضت وارتدت قميصه الفضفاض الذي كان ملقى على الكرسي، ومشت حافية نحو المطبخ. وجدته يقف أمام النافذة الصغيرة، يشرب قهوته وينظر إلى الشارع. عندما أحسّ بوجودها التفت إليها وابتسم ابتسامة هادئة فيها شيء من الإرهاق الخفيف والرضا معًا.«صباح الخير»، قال بصوت منخفض. «صباح الخير»، أجابت وهي تقترب منه وتضع رأسها على كتفه للحظة قصيرة.أدار إليها فنجانًا ثانيًا كان قد أعدّه مسبقًا. جلسا إلى الطاولة الصغيرة ككل صباح، لكن الحديث هذه المرة كان أقل همسًا وأكثر وضوحًا. هو أخبرها أنه يحتاج إلى الخروج لساعتين أو ثلاث لإنجاز أمور مؤجلة لا يمكن تأجيلها أكثر. هي أنصتَت بهدوء، ثم قالت إنها أيضًا سترد على

  • نداء الجسد   الفصل الثالث عشر الليلة التي تحمل في طياتها غدًا مختلفًا

    **نداء الجسد**### الفصل الثالث عشر **الليلة التي تحمل في طياتها غدًا مختلفًا**كان الباب إلى غرفة النوم مواربًا كالعادة عندما دخله، والضوء الخافت من غرفة المعيشة يرسم مستطيلًا باهتًا على الأرض. لم يضيئا أي مصباح إضافي. اكتفيا بما يصل من الخارج وبما تبقى من ضوء المصباح الأحمر البعيد. الهواء داخل الغرفة كان دافئًا وساكنًا، يحمل رائحة مألوفة صارت خلال الأيام الماضية رائحة البيت نفسه.ليلى جلست على حافة السرير وخلعت ما تبقى من ملابسها ببطء، ثم انزلقت تحت الغطاء. كريم تبعها بعد لحظات واستلقى إلى جانبها. في البداية بقيَا على ظهريهما ينظران إلى السقف المعتم، أيديهما متقاربة فوق الغطاء. الصمت كان كثيفًا، لكنه لم يكن ثقيلًا. كان أشبه بصمت من يعرف أن الغد سيحمل شيئًا مختلفًا قليلًا، ويختار أن يبقى في اللحظة الحاضرة حتى آخرها.بعد دقائق استدارت هي نحوه. مدّت يدها لتلامس صدره، وهو أدار رأسه وابتسم في شبه الظلام. اقترب منها حتى صارت المسافة بينهما قصيرة جدًا، وقبل جبينها ثم صدغها ثم زاوية فمها بقبلات بطيئة متتالية. هي أغلقت عينيها واستسلمت لتلك اللمسات، يدها ما زالت تشعر بارتفاع صدره وهبوطه تحت

  • نداء الجسد   الفصل الثاني عشر ساعات الانتقال الهادئ

    **نداء الجسد**### الفصل الثاني عشر **ساعات الانتقال الهادئ**كان الظهر قد اكتمل عندما وضعَا الهاتفين جانبًا بشكل نهائي هذه المرة، كأنهما اتفقا صامتًا على ألا يدعَا الشاشات تسرق المزيد من النهار. الضوء في الغرفة كان قويًا وواضحًا، يملأ كل زاوية ويجعل الغبار المتطاير في الهواء يبدو كخيوط ذهبية دقيقة. ليلى نهضت من الأريكة ومدّت يديها إلى أعلى في تمدد طويل، ثم التفتت إلى كريم الذي كان ما زال جالسًا يراقبها.«ماذا لو خرجنا قليلاً؟» قالت فجأة. «لا للبقاء طويلاً... فقط كي نتنفس هواءً مختلفًا ثم نعود».ابتسم هو ووافق دون تردد. ارتديَا ملابس بسيطة، وخرجا هذه المرة بخطوات أهدأ مما كان عليه خروجهما السابق. الشمس في الخارج كانت دافئة ومباشرة، والشارع أكثر ازدحامًا مما تذكراه. سارَا جنبًا إلى جنب، أيديهما تتلامس بين الحين والآخر دون أن تتشابك تمامًا، كأنهما يحافظان على مسافة خفيفة بينهما وبين العالم.تمشيا نحو الحديقة الصغيرة التي رأياها من النافذة مرات عديدة خلال الأيام الماضية. كانت الأشجار فيها تظلل المقاعد الخشبية القديمة، والأطفال يلعبون في الجهة المقابلة، والعجائز يجلسون في صمت يشبه صمتهم

  • نداء الجسد   الفصل الحادي عشر صباح يحمل في طياته نهاية خفيفة

    **نداء الجسد**### الفصل الحادي عشر **صباح يحمل في طياته نهاية خفيفة**استيقظا معًا هذه المرة، كأن جسديهما قد اتفقا في النوم على لحظة واحدة للعودة إلى اليقظة. الضوء الذي ملأ الغرفة كان صافيًا وذهبيًا مبكرًا، يدل على أن الشمس قد طلعت في سماء خالية من الغيم. ليلى فتحت عينيها لتجد كريم ينظر إليها بالفعل، ابتسامة هادئة صغيرة على وجهه. لم يتكلما في الثواني الأولى. اكتفيا بالنظر، ثم اقترب هو وقبل جبينها قبلة طويلة بطيئة قبل أن يهمس:«صباح اليوم الخامس».ضحكت هي ضحكة خافتة مبحوحة، وأجابت:«صرنا نعدّ الأيام... كأننا نخاف أن نفقدها».«ربما نعدّها كي نتذكر أنها حدثت»، قال هو، ثم جذبها إليه حتى صار رأسها على صدره من جديد.بقيا على هذه الحالة وقتًا أطول من المعتاد. الغرفة كانت هادئة تمامًا إلا من صوت تنفسهما وصوت بعيد لطيور في الخارج. تحدثا همسًا عن الليلة السابقة، عن الإحساس الغريب بأن هذه الأيام صارت تشبه بيتًا مؤقتًا بنياه معًا من الضوء والصمت والقرب. كل كلمة كانت تخرج ببطء، كأنهما يعرفان أن هذا الصباح يحمل في طياته شيئًا مختلفًا قليلًا عن الصباحات الأربعة السابقة.عندما نهضا أخيرًا، كان الو

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status