LOGIN**نداء الجسد**### الفصل الثالث والتسعون **تفاصيل الأيام العادية**الوقت حين يستقر في حياة بلا أحداث كبرى يبدأ يشتغل على التفاصيل الدقيقة، كمن ينحت حجرًا ببطء شديد حتى يظهر الشكل النهائي. كريم شعر بذلك في كل زاوية من يومه. في الطريقة التي صار يربط بها حذاءه كل صباح دون أن يفكر، في ترتيب المفاتيح على الطاولة الصغيرة عند الباب، في الصوت الذي يحدثه الباب حين يُغلق خلفه وهو خارج إلى الزيارة الأولى. الشقة لم تعد مجرد مكان يأوي إليه. صارت إيقاعًا مألوفًا يتحرك داخله دون مقاومة.الزيارات بقيت هي العمود الذي لا يميل. كل يوم يخرج في الساعة نفسها تقريبًا، يسلك الشوارع نفسها، يصل إلى البابين نفسيهما. في شقة سارة كانت الطفلة تنتظره الآن بوضوح أكبر. حين تسمع صوت الباب تبدأ تتحرك، وتمد يديها قبل أن يصل إليها. سارة كانت تسلّمها له بهدوء معتاد، ثم تنسحب إلى طرف الغرفة أو إلى المطبخ، تاركة له الستين دقيقة كاملة دون تدخل. الطفلة صارت أثقل، وأوضح في ضحكها، وأقوى في قبضتها حين تمسك إصبعه أو شعره.في إحدى الزيارات جلست سارة على الكرسي المقابل وهي تراقب ابنتهما في حضنه. قالت بعد صمت طويل:«صارت تنام
**نداء الجسد**### الفصل الثاني والتسعون **حين يصبح الانتظام حياة**الأشهر، حين تمرّ بلا أحداث كبرى، تترك أثرها في الأشياء الصغيرة التي لا يلاحظها المرء إلا متأخرًا. كريم اكتشف ذلك في تفاصيل يومه: في الطريقة التي صار يطوي بها ملابسه، في ترتيب الفناجين داخل الخزانة، في المسار الذي تسلكه عيناه كل صباح حين يستيقظ على ضوء الشارع الجانبي. الشقة الصغيرة لم تعد غريبة. صارت امتدادًا لصمته، وإطارًا لحياته الجديدة التي تخلو من المفاجآت الكبيرة وتكتفي بما هو ممكن.الزيارات بقيت هي المحور. كل يوم يخرج في الوقت نفسه تقريبًا، يسلك الطريق نفسه، يقف أمام البابين نفسيهما. في شقة سارة كانت الطفلة تنتظره الآن بطريقة مختلفة. حين تسمعه عند الباب تبدأ تتحرك في حضن أمها، وتمد يديها قبل أن يصل إليها. سارة كانت تسلّمها له بهدوء، ثم تنسحب إلى طرف الغرفة أو إلى المطبخ تاركة له الساعة كاملة. الطفلة صارت أثقل قليلًا، وأوضح في تعابير وجهها. تضحك أحيانًا حين يرفعها عالياً، وتضع رأسها على كتفه حين تتعب.في إحدى الزيارات، بينما كانت الطفلة نائمة على ذراعه، قالت سارة وهي تجلس على الكرسي المقابل:«الطبيبة قالت إن
**نداء الجسد**### الفصل الحادي والتسعون **ما يبقى حين يمر الوقت**الوقت لم يعد يمرّ داخل الشقة الصغيرة بالوتيرة نفسها التي كان يمرّ بها داخل الفيلا. هناك كان للأيام وزنٌ مختلف، وكانت الجدران تحتفظ بصدى الخطوات والعتاب والحرارة القديمة. أما هنا، في الغرفتين والصالة الضيقة، فقد صار الوقت أقرب إلى خط مستقيم هادئ: صباح، زيارة، زيارة أخرى، مساء، ليل. لا مفاجآت كبيرة، ولا أبواب تُغلق فجأة، ولا رسائل تهديد تصل في منتصف الليل. فقط انتظام يشبه تنفس شخص قرر أن يعيش بما تبقى له.كريم اعتاد الشقة كما يعتاد المرء جسدًا جديدًا بعد مرض طويل. يعرف أين يضع مفاتيحه، وأين يجلس حين يعود متعبًا، وأين يضع الصور الجديدة التي يلتقطها للطفلين كل أسبوعين. الصور كانت تتغير: الوجهان الصغيران يكبران، والملامح تتضح، والعينان تبدأان في حمل شيء يشبه المعرفة. كان يطبع واحدة بين الحين والآخر ويضعها على الرف بجانب الأخريات. الرف امتلأ ببطء، لكنه لم يزدحم. بقي هناك مساحة كافية للهواء.الزيارات استمرت كعمود فقري لا يُمس. في شقة سارة كان الروتين واضحًا حدّ الجفاف أحيانًا. تدخل، تغسل يديك، تأخذ الطفلة، تجلس أو تمش
**نداء الجسد**### الفصل التسعون **ثبات المسافة**الوقت، حين يمرّ بلا أحداث كبيرة، يترك أثره في التفاصيل الصغيرة لا في الانفجارات. بعد أشهر من الانتقال إلى الشقة الجديدة، صار الروتين جزءًا من جسد كريم أكثر مما هو جزء من جدول مكتوب. يستيقظ، يشرب قهوته، يراجع الرسائل، يخرج. الزيارة الأولى، ثم الزيارة الثانية، ثم العودة. الشارع الذي يربط بين الشقتين صار مألوفًا لدرجة أنه يحفظ عدد الإشارات والمنعطفات دون أن ينتبه.الأطفال كانوا هم من يتغيرون بوضوح. ابنته صارت تتعرف عليه من الباب، تمد يديها حين يقترب، وتتمسك بشعره أحيانًا بأصابعها القصيرة. سارة كانت تسمح له بأن يحملها في الشرفة الصغيرة دقائق إن كان الجو معتدلًا، ثم تستعيدها بهدوء. الكلام بينهما بقي في حدود الضرورة: التطعيمات، نوم الليل، ما تأكله. في مرة واحدة فقط، بينما كانت الطفلة نائمة على صدره، قالت سارة:«هي تبدأ في ملاحظة الوجوه بوضوح. لا تتأخر عن المواعيد. الثبات أهم لها من أي شيء آخر الآن». هو أومأ. «لن أتأخر».ابنه في الشقة الأخرى بدأ يحاول الجلوس مستندًا. ليلى كانت تراقبه وهو في حضن أبيه، وتعلق أحيانًا بجملة قصيرة: «صار
**نداء الجسد**### الفصل التاسع والثمانون **حجم الحياة الجديد**الشقة الصغيرة لم تحتج إلى وقت طويل كي تتحول من مكان غريب إلى إطار يومي مألوف. كريم كان يستيقظ على ضوء يدخل من نافذة تطل على شارع جانبي، لا على حديقة واسعة. يعدّ قهوته في مطبخ يتسع لشخص واحد بسهولة، ويشربها وهو يراجع رسائل العمل أو مواعيد اليوم. الجدول بقي هو العمود الفقري لحياته: زيارة، ثم زيارة، ثم عودة.الأطفال كانوا يتغيرون أسبوعًا بعد أسبوع. ابنته بدأت تثبت رأسها بوضوح أكبر، وتتتبع وجهه بعينين تعرفانه. أحيانًا تُصدر صوتًا قصيرًا حين يرفعها، فيجد نفسه يبتسم رغم كل شيء. سارة كانت تلاحظ ذلك بصمت، وتكتفي بالقول إن الطفلة «مرتاحة في حضنه». ثم تستعيدها في نهاية الساعة وتعود إلى روتينها.ابنه في الشقة الأخرى صار أكثر حركة. يرفس، يمسك الإصبع، ويحاول أن يقلب جسده. ليلى كانت تسمح له بحمله للوقت المحدد، وتراقبه من الطرف الآخر للصالة، ثم تقول في نهاية الموعد: «غداً في الوقت نفسه». الجملة صارت كافية. لا حاجة إلى أكثر.بين الزيارتين كان يعود أحيانًا إلى شقته لساعة، أو يمرّ على الشركة، أو يجلس في مقهى قريب يقرأ شيئًا على هاتفه
**نداء الجسد**### الفصل الثامن والثمانون **إغلاق الأبواب الأخيرة**قرار بيع الفيلا لم يأتِ فجأة، بل تراكم مع الأيام الفارغة حتى صار أقرب إلى الحل الوحيد المعقول. بعد أن تلقى كريم موافقة سارة وليلى الضمنية على الانتقال، اتصل بالسمسار مرة ثانية وطلب البدء في الإجراءات. جاءت فرق التصوير، والتقطت صورًا للغرف الواسعة والحديقة والممرات. كان يمشي معهم بصمت، يفتح الأبواب المغلقة واحدًا تلو الآخر، فيخرج هواء راكد وذكريات لا يعلق عليها. غرفة سارة بدت أصغر مما يتذكر. جناح ليلى كان لا يزال يحمل أثر ترتيب سرير الطفل في الزاوية. هو أغلق البابين بسرعة بعد أن انتهى المصورون.الإعلان نُشر خلال أيام. بدأت الزيارات من مشترين محتملين. كريم كان يغادر البيت قبل وصولهم، أو يبقى في الحديقة يترك السمسار يدير الحديث. في كل مرة يعود فيها بعد انتهاء المعاينة، كان يجد البيت كما هو: فارغًا، نظيفًا أكثر من اللازم، ويبدو كأنه ينتظر من يقرر مصيره.الزيارات اليومية للطفلين استمرت دون انقطاع. في شقة سارة كان الروتين ثابتًا: ساعة كاملة، حمل، مشي قصير داخل الصالة، ثم تسليم. الطفلة بدأت تتعرف على وجهه بوضوح أكبر، و