LOGINلم يتحرك أحد.ظل الباب الحديدي مفتوحًا...وكأن الورشة كانت تنتظرهم منذ سنوات.دخل عمر أولًا بخطوات حذرة، تتبعه خديجة، بينما أغلق رامي الباب خلفهم برفق، ثم بدأ يتفحص المكان بعين رجل اعتاد ألا يثق في الصمت.لكن...الصمت هنا لم يكن مخيفًا.كان حزينًا.تسللت أشعة الشمس من شقوق السقف الخشبي، لترسم خطوطًا ذهبية وسط ذرات الغبار التي ظلت ترقص في الهواء، كأن الزمن لم يجرؤ على لمس هذا المكان.وقفت خديجة مكانها.لم تنظر إلى اليمين أو اليسار.كانت تحدق أمامها فقط.في طاولة خشبية كبيرة امتلأت بخدوش السنين.اقتربت منها ببطء.مدت أصابعها فوق سطحها.لامست الخشب...فارتجفت.همست بصوت مكسور:ــ هنا...كان بابا بيشتغل.لم يرد عمر.تركها تعيش اللحظة.اقتربت أكثر.وجدت مطرقة قديمة.رفعَتها.ابتسمت وسط دموعها.ــ دي...دي كانت بتاعته.كان كل ما حد يلمسها يقول: "سيبها مكانها... دي صاحبة عمري."ضحكت ضحكة قصيرة امتزجت بالبكاء.ثم أعادت المطرقة إلى مكانها بنفس الطريقة.كأنها تخشى أن يغضب حسن إذا تغير ترتيبها.كان رامي قد أنهى جولته الأولى.عاد إلى عمر وهمس:ــ مفيش آثار اقتحام.ولا كاميرات.ولا أفخاخ.بس...في
لم يكن حسن من الرجال الذين يتركون شيئًا للصدفة.كان يعرف...أن اليوم الذي سيسقط فيه قد يأتي.ولذلك...ترك خلفه طريقًا.طويلًا.ومتعرجًا.لكن في نهايته...الحقيقة.حلّ الصباح على البيت الآمن بهدوء غريب.هدوء لا يشبه الأيام السابقة.كأن الجميع يعلم...أن شيئًا كبيرًا ينتظرهم.جلس عمر في غرفة المعيشة، وأمامه خريطة قديمة لحيّ صناعي مهجور، بينما كان رامي يقف إلى جواره ممسكًا بجهازه اللوحي، يتابع آخر تقارير رجال المراقبة.رفع عمر عينيه إليه.ــ أي حركة حوالين البيت؟هز رامي رأسه.ــ لا.ــ الناس بتوع كامل اختفوا.ابتسم عمر ابتسامة خفيفة.ــ وده اللي مقلقني.نظر إليه رامي باستغراب.فأكمل عمر:ــ طول عمر كامل لما بيسكت...بيبقى بيجهز لضربة.أما لما يزعق...يبقى متوتر.دلوقتي هو ساكت.وده معناه إنه بيفكر.أغلق رامي الجهاز.وقال:ــ يبقى لازم نسبقه.أشار عمر إلى الخريطة.ــ وعلشان نسبقه...لازم محدش يعرف إحنا رايحين فين.في المطبخ...كانت أم خديجة تُعد الشاي.بينما تساعدها ليلى في ترتيب الأكواب.وقفت خديجة تنظر إليهما.ثم قالت بهدوء:ــ ماما...هو بابا كان بيحب الورشة أوي؟توقفت الأم عن الحركة.
هناك أشياء...لا تُدفن مع أصحابها.تبقى...تنتظر فقط...الشخص الذي يملك الشجاعة ليبحث عنها.عاد عمر إلى البيت الآمن قبيل الفجر.كان التعب ظاهرًا على ملامحه.لكن ما رآه في المشرحة...لم يكن هو ما يشغل عقله.بل تلك الورقة الصغيرة."الخيانة... ثمنها الموت."منذ قرأها...وشعور واحد فقط يسيطر عليه.كامل المنياوي...بدأ يتحرك بنفسه.وهذا يعني...أن الوقت ينفد.فتح باب المنزل بهدوء.فوجد الضوء لا يزال مشتعلًا في الصالة.ابتسم دون أن يشعر.كان يعرف صاحبة هذا الضوء.خديجة.رفع عينيه.فوجدها بالفعل.جالسة على الأريكة.تضم ركبتيها إلى صدرها.وبين يديها فنجان قهوة...برد منذ وقت طويل.رفعت رأسها فور أن سمعت صوته.نهضت بسرعة.لكنها توقفت في منتصف الطريق.كأنها تذكرت أنها وعدت نفسها ألا تُظهر خوفها.ابتسم عمر ابتسامة خافتة.وقال وهو يخلع سترته:ــ لسه صاحيه؟أجابته وهي تحاول أن تبدو هادئة:ــ كنت مستنياك.توقف عن الحركة.ونظر إليها طويلًا.كان يعرفها.ويعرف أن تلك الجملة البسيطة...تعني أنها كانت تعيش ألف سيناريو في رأسها منذ خرج.اقترب منها ببطء.وقال وهو يراقب عينيها:ــ أنا كويس.ابتسمت...لكن ع
هناك قاعدة واحدة...تحكم عالم العصابات.الخائن...لا يعيش طويلًا.لكن...ليس كل خائن يموت على يد من خانه.داخل مكتب المستشار...كان الليل قد انتصف منذ ساعات.ومع ذلك...لم يغادر أحد مكانه.ملفات مبعثرة.خرائط.صور.تقارير.وأوامر ضبط جديدة خرجت تباعًا بعد المستندات التي تركها حسن.كل دقيقة...كانت تحمل اسمًا جديدًا.شركة جديدة.أو حسابًا سريًا.أو مسؤولًا كبيرًا بدأت الدائرة تضيق حوله.وقف المستشار أمام النافذة.ينظر إلى أضواء المدينة.قبل أن يقطع الصمت صوت أحد الضباط وهو يقترب مسرعًا.ــ يا فندم...وصل بلاغ من قسم شرطة أكتوبر.التفت المستشار.ــ خير؟مد الضابط ملفًا صغيرًا.ــ فيه جثة مجهولة اتبلغ عنها.البصمات طلعت...عادل.ساد الصمت.لثوانٍ طويلة.لم يعلق المستشار.بل التقط هاتفه مباشرة.وضغط رقم عمر.في البيت الآمن...كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل.البيت كله غارق في سكون ثقيل.خارج الأسوار...كانت دوريات الشرطة تتحرك باستمرار.وفي الشارع الخلفي...كانت سيارة الحراسة الخاصة التي كلفها عمر بالمراقبة تقف في مكانها المعتاد.أما داخل المنزل...فكان عمر لا يزال مستيقظًا.
أحيانًا...لا يكون الخطر في الفخ.بل في معرفتك أنه فخ...ومع ذلك تضطر للدخول إليه.وهذا بالضبط...ما كان يشعر به عمر.سيارته تشق الطريق بسرعة.وخلفه سيارات القوة الأمنية.وأمامه عشرات الأسئلة.لكن سؤالًا واحدًا كان يطارد عقله:لماذا ظهر فؤاد بهذه السهولة؟رجل هرب من عشرات الكمائن.واختفى رغم الحصار.واختبأ رغم سقوط رجاله.فكيف يسمح لنفسه أن يُرصد الآن؟كان هناك شيء لا يطمئن.شيء لا يراه.لكنه يشعر به.وعلى الطرف الآخر...كان رامي لا يزال داخل سيارة المراقبة.عينيه مثبتتان على المخزن.وجهاز الاتصال في يده.لم يتحرك.كما أمره عمر.لكن توتره كان يزداد.لأن المكان هادئ أكثر من اللازم.والهدوء في مثل هذه المواقف...كان دائمًا علامة سيئة.وفجأة...رن هاتفه.نظر للشاشة.رقم مجهول.تردد لثوانٍ.ثم رد.— ألو؟جاءه صوت هادئ.هادئ بشكل مخيف.— إزيك يا رامي؟تجمد الدم في عروقه.لأن المتحدث يعرف اسمه.نهض من مكانه تلقائيًا.ونظر حوله.— مين؟ضحكة قصيرة.ثم قال الرجل:— واضح إنكم قربتوا أوي.— بس قربتوا من الحاجة الغلط.ثم أغلق الخط.فورًا.شعر رامي بقشعريرة تسري في جسده.لأنه لأول مرة...شعر أن هن
أخطر الرجال...ليسوا أولئك الذين يصرخون كثيرًا.ولا الذين يهددون كثيرًا.ولا حتى الذين يقتلون كثيرًا.أخطر الرجال...هم الذين يختفون.ثم يظهرون في اللحظة المناسبة.بعد أن يظن الجميع أنهم انتهوا.وكامل المنياوي...كان واحدًا من هؤلاء.في صباح اليوم التالي...استيقظت القاهرة على موجة جديدة من الأخبار.اعتقالات.تحقيقات.تجميد أرصدة.منع سفر.مداهمات.وكل ساعة...كان اسم جديد يسقط.لكن رغم ذلك...لم يشعر عمر بالانتصار.بل على العكس.كان يشعر أن شيئًا ما خطأ.لأن الشبكات الكبيرة لا تنهار بهذه السهولة.ولأن حسن...لم يمت من أجل مجموعة رجال أعمال فاسدين فقط.كان هناك شيء أكبر.شيء جعل رجلًا مثل كامل المنياوي يزيف موته لعشرين عامًا كاملة.داخل المنزل الآمن...اجتمع الجميع حول الطاولة.المستشار.عمر.خديجة.ليلى.كريم.وأمامهم الصور.والدفتر.والشريط.كانت ملامح الإرهاق واضحة على الجميع.لكن أحدًا لم يكن مستعدًا للتوقف.قال المستشار:— عندنا مشكلة.رفع عمر رأسه.— فؤاد؟هز المستشار رأسه.— أكبر من فؤاد.ثم ألقى ملفًا جديدًا فوق الطاولة.فتح عمر الملف.وبدأ يقرأ.ومع كل صفحة...كانت ملامحه تتغ







