登入التف الأطباء والممرضون حولها على الفور، ونقلوها مسرعين إلى غرفة العمليات الطارئة. خرج أحد الأطباء لثوانٍ ليخبر سيف بالوضع الحرج:
"لقد حقنت بمادة سامة سرت في دمها.. الوضع خطير وسنحاول إنقاذها بكل ما أوتينا من قوة." انهار سيف على مقاعد الانتظار، يضع رأسه بين كفيه وعقله يكاد ينفجر من القلق. وفي تلك الساعات العصيبة، كانت ملك تجلس في الطرف الآخر من المدينة، وتحديداً في المطعم الفاخر، ترتدي فستانها الأحمر المكشوف وتنتظره طويلاً وعلامات الإهانة والغضب ترتسم على وجهها. أرسلت له سيلاً لا ينتهي من الرسائل العاتبة، واتصلت به عشرات المرات، لكن هاتف سيف كان يعج بالصمت، ولم يكن في وعيه ما يسمح له بالرد. نفد صبر ملك، فغادرت المطعم بحنق عارم واتجهت بسيارتها مباشرة نحو قصره بحثاً عنه. دلف إلى الداخل وسألت الخدم بحدة عن مكانه، لكنهم التزموا بأوامر سيف الصارمة ولم يفتح أي منهم فمه بكلمة، مدعين جهلهم التام بمكانه. فجلست في بهو القصر واجمة، تنتظر عودته والغل يأكل قلبها. وفي المستشفى، انفتح باب غرفة العمليات وأخيراً خرج الطبيب يمسح حبات العرق عن جبينه. انتفض سيف واقفاً بلهفة، فقال الطبيب مطمئناً: "لقد أنقذناها بأعجوبة يا سيف بيه! كان سماً زعافاً وقاتلاً لولا أنك أحضرتها في الوقت المناسب تماماً قبل أن يتسلل السم إلى عضلة القلب لكانت في عداد الموتى." تنهد سيف بعمق وكأن الروح ردت إليه، وسأل "هل هي بخير الآن؟" أجاب الطبيب: "ستحتاج إلى وقت لتتعافى تماماً، وستبقى تحت الملاحظة الليلة لنطمئن على استقرار علاماتها الحيوية." سأله سيف برجاء: "هل يمكنني الدخول لرؤيتها؟" أومأ الطبيب موافقاً، فدلف سيف إلى غرفتها بخطوات واهنة. اقترب من فراشها وجلس بجانبها، ثم أمسك كفها النحيل وضمه بين يديه بقوة، وقال بنبرة متهدجة يملؤها الندم والأسى: "أنا آسف.. أنا آسف لأنني تركتكِ وحيدة.. آسف لأنني لم أستطع حمايتكِ كما وعدتكِ يا إيلين." فتحت إيلين عينيها ببطء، ونظرت إليه وعيناها تفيضان بالدموع التي انحدرت دافئة على وجنتيها. أحكمت قبضتها الضعيفة على يده وتوسلت إليه بنبرة يمزقها الرعب الخالص: "أرجوك لا تتركني.. أرجوك ابقَ بجانبي! إنه يريد قتلي.. يريد إنهاء حياتي، أرجوك!" ثبّت نظراته في عينيها وقال بنبرة جادة وحازمة: "من هذا الذي يريد قتلكِ يا إيلين؟ أخبريني." ارتجفت شفتها وهي تعتصر عقلها الذي استعاد شريط الذكريات كاملاً بفعل الصدمة، وقالت بصوت متهدج: "اسمه.. أدهم الغرباوي! لقد كنت أعمل في منزله الفخم كطبيبة مقيمة لأرعى زوجته المريضة.. وفي ليلة مشؤومة، سمعت صوت شجارهما العنيف، فتسللت لأرى ما يحدث.. وشهدت بعيني كيف قام بقتلها بدم بارد! تملكني الرعب، وتتبعت خطواته دون أن يشعر بي، فرأيته ينزل إلى قبو واسع أسفل المنزل.. قبو يمتد على مساحة البيت كله! وهناك..." شهقت بإحباط وبكاء مرير وهي تتابع: "رأيت ما لم يتخيله عقل.. كان القبو مليئاً بالأعضاء البشرية المحفوظة! لقد اكتشفت أنه يترأس شبكة ضخمة للمتاجرة بالأعضاء.. وقام بتقطيع جثة زوجته أمامي ليتخلص منها! تملكني الذعر فهربت مسرعة، والآن أدركت لماذا يطاردني رجاله في كل مكان؛ فأنا الشاهدة الوحيدة على جرائمه البشعة، وهو لن يهدأ حتى يقتلني ويدفن سري معي! أرجوك يا سيف.. لا تتركني له!" وارتمت في حضن يديه تبكي بنشيج يمزق القلوب من فرط الخوف والألم الهائل الذي يعتصر جسدها ونفسها. ضمّها سيف إلى صدره بكل ما أوتي من قوة، محتضناً خوفها وارتجافها، وهمس في أذنها بنبرة دافئة قاطعة: "لا تخافي يا إيلين.. أنا بجانبكِ ولن أسمح لأي قوة على الأرض أن تؤذيكِ." في تلك اللحظة، ورغم قتامة الظروف، كان سيف يشعر بسعادة غامرة تجتاح كيانه وهو يطوقها بذراعيه؛ شعور بالمسؤولية والرغبة الجارفة في حمايتها تملّك قلبه تماماً. مرت ساعات الليل بطيئة وثقيلة. أبى سيف أن يغادر الغرفة أو يترك يدها، بينما كان حراسه الشخصيون يقفون كالسد المنيع أمام باب الغرفة في المشفى لتأمينها ضد أي خطر محتمل. استسلم سيف للنعاس وهو جالس على المقعد الخشبي بجانب الفراش، واضعاً رأسه على حافة السرير قريباً منها، ومحكماً قبضته على كفها النحيل. وقبل أن يغرق في النوم، كان يحدث نفسه في صمت صدره متسائلاً بذهول: "كيف تورطتُ في حب هذه الفتاة بهذه السرعة؟ أريدها ملكاً لي وحده.. ليت ذاكرتها لم تعد، وليتها لا تتذكر أي شيء آخر سوى وجودي بجانبها!" ومع خيوط الفجر الأولى، انفتح باب الغرفة فجأة دون طرقات. ولج إلى الداخل طبيب مسن، يرتدي معطفه الأبيض، وتكسو وجهه ملامح أثقلتها هموم البحث الطويل. تجمد الطبيب في مكانه وهو ينظر إلى جسد إيلين الممدد، وانهمرت الدموع سخية من عينيه وهو يهمس بصوت حنون يرتجف من فرط التأثر: "ابنتي.. حبيبتي إيلين! أخيراً وجدتكِ يا مهجة قلبي!" انتفض سيف مستيقظاً من نومه، وتراجع إلى الخلف بسرعة مفسحاً له المجال، وهو يسأل نفسه بذهول: "هل هذا الرجل هو والدها؟ هذا الطبيب الوقور؟" تململت إيلين في فراشها، وفتحت عينيها ببطء شديد تغلبه علامات الإنهاك والوجع. وما إن وقعت عيناها على وجه الطبيب المسن، حتى اشرقت ملامحها بلهفة طفولية وصاحت بنبرة متهدجة باكية: "أبي! لقد اشتقتُ إليك كثيراً!" انهمرت الدموع من عينيها بغزارة وهي تحاول جاهدة مد يدها نحوه. أسرع والدها إليها وضّمها إلى صدره برفق شديد خشية إيذائها، وأخذ يمسح على رأسها ويسألها بنبرة قلقة: "ماذا حدث لكِ يا حبيبتي؟ من فعل بكِ هذا؟" حاولت إيلين الحديث لتشرح له، لكن ضعف جسدها وأثر السم حالا دون قدرتها على صياغة الكلمات، فقال لها والدها بحنان: "حسناً يا حبيبتي.. لا تجهدي نفسكِ الآن، ارتاحي تماماً وسنتحدث لاحقاً." أشار والد إيلين إلى سيف بالخروج معه إلى الردهة الخارجية ليتحدثا بخصوصية. وقف الاثنان بعيداً عن الغرفة، وبدأ سيف يقص على الطبيب تفاصيل الحكاية من بدايتها؛ منذ لحظة اصطدامها بالسيارة، مروراً بهجوم رجال أدهم الغرباوي، وحتى تسللهم ليلاً لحقنها بالسم القاتل. استمع الأب وعيناه تتسعان برعب وحسرة على ما عانته ابنته، ثم التفت إلى سيف وعيناه تلمع بدموع الامتنان، وقبض على يديه بقوة قائلاً: " أنا عاجز عن شكرك يا بني.. لقد حميت ابنتي بدمك ووقفت بجانبها في أحلك الظروف، ولولا وجودك لكانت الآن في عداد الموتى." في تلك الأثناء، تملك الحزن قلب سيف؛ لقد شعر بضيق شديد لأن ظهور والدها يعني أنه سيضطر الآن لمغادرة المشفى وترك إيلين وحدها. لقد اعتاد على وجودها في حياته لدرجة أنه بات يشعر بعجز مطلق عن العيش بدونها بعد الآن. نظر إليه الأب بنبل وقال بلطف: "يا بني، لقد قدمت أكثر مما يجب.. أرجو أن تذهب إلى منزلك الآن لتنال قسطاً من الراحة، فالشرطة ستتولى الأمر من هنا، وأنا سأتكفل بحماية ابنتي بنفسي داخل المشفى." لكن سيف انتفض رافضاً الفكرة تماماً، وقال بنبرة جافة وقاطعة لا تقبل النقاش: "لا يا سيدي! لن أتحرك خطوة واحدة من هنا حتى أطمئن على إيلين تماماً، وأتأكد بعيني أنها تجاوزت مرحلة الخطر بشكل كامل!" اتخذ سيف من قلقه عليها حجة قوية ليبقى بجوارها؛ حجة يداري خلفها رغبته العارمة في البقاء قريباً منها حتى يجد اللحظة المناسبة ليعترف لها بالحب الجارف الذي بات يحتل أعماقه وقد نسى خطيبته ملك تماماً وفى صباح اليوم التالى عندما فتحت ايلين عينينها تحدث سيف قائلاً "انا احبك يا ايلين واريد أن اتزوجك، ولن ارحل من هنا حتى اسمع ردك" ليتفاجأ بملك خطيبته وهى تقف خلفه.التف الأطباء والممرضون حولها على الفور، ونقلوها مسرعين إلى غرفة العمليات الطارئة. خرج أحد الأطباء لثوانٍ ليخبر سيف بالوضع الحرج:"لقد حقنت بمادة سامة سرت في دمها.. الوضع خطير وسنحاول إنقاذها بكل ما أوتينا من قوة."انهار سيف على مقاعد الانتظار، يضع رأسه بين كفيه وعقله يكاد ينفجر من القلق. وفي تلك الساعات العصيبة، كانت ملك تجلس في الطرف الآخر من المدينة، وتحديداً في المطعم الفاخر، ترتدي فستانها الأحمر المكشوف وتنتظره طويلاً وعلامات الإهانة والغضب ترتسم على وجهها. أرسلت له سيلاً لا ينتهي من الرسائل العاتبة، واتصلت به عشرات المرات، لكن هاتف سيف كان يعج بالصمت، ولم يكن في وعيه ما يسمح له بالرد.نفد صبر ملك، فغادرت المطعم بحنق عارم واتجهت بسيارتها مباشرة نحو قصره بحثاً عنه. دلف إلى الداخل وسألت الخدم بحدة عن مكانه، لكنهم التزموا بأوامر سيف الصارمة ولم يفتح أي منهم فمه بكلمة، مدعين جهلهم التام بمكانه. فجلست في بهو القصر واجمة، تنتظر عودته والغل يأكل قلبها.وفي المستشفى، انفتح باب غرفة العمليات وأخيراً خرج الطبيب يمسح حبات العرق عن جبينه. انتفض سيف واقفاً بلهفة، فقال الطبيب مطمئناً:"لقد أن
انحنى سيف برفق، ولف ذراعيه القويتين حول جسدها الضئيل ليحملها بين يديه صاعداً بها خطوات مدروسة نحو الأسفل، شاقاً طريقه إلى حديقة القصر الغناء. كانت إيلين تتشبث بكتفيه بخجل، والنسيم العليل يداعب خصلات شعرها البني المسترسل. تطلع سيف إلى وجهها الشاحب قائلًا بنبرة آمرة لكنها تفيض بالحنّية:"يجب أن تأكلي جيداً حتى تستعيدي عافيتكِ وتتحسن صحتكِ يا إيلين."أومأت برأسها طائعة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة وقالت:"حاضر، سآكل بكل ما أوتيت من قوة.. فأنا في الحقيقة يتملكوني جوع كافر! أشعر وكأنني لم أذق طعاماً منذ أسبوع كامل."انعقد حاجباه بدهشة وقلق، ونظر إليها متسائلاً:"ولماذا لم تأكلي منذ أسبوع كامل يا إيلين؟ ما الذي حدث؟"تلاشت ابتسامتها فجأة، وحل مكانها وجوم ثقيل. رفعت يديها المرتعشتين لتضعهما فوق رأسها، وعصرت عينيها بألم قائلة بنبرة يملؤها العجز:"صدقني.. لا أتذكر! أنا لا أتذكر أي شيء على الإطلاق.. كل ما يعلق بذاكرتي هو مشهد هؤلاء الرجال الأشداء وهم يركضون خلفي بغية الإمساك بي، وحقيقة أنني كنت أعمل طبيبة في منزل ذلك الرجل الغامض.. لا أكثر من ذلك! لكن..."توقفت للحظة، واجتاحت وجهها رعدة خ
تجمّدت الدماء في عروق "سيف" وهو يشخص ببصره نحو جسدها الهامد الممدد أمامه كعصفورٍ بلّله المطر. كان العجزُ يأكل هيبته وجبروته، وهو الذي اعتاد إخضاع المستحيل برنين ماله ونفوذه، يقف الآن مغلول اليدين أمام جسدٍ غائب عن الوعي. انفجر صوته كصاعقةٍ مزّقت سكون القصر، وهو يصرخ بهستيرية منادياً الخادمة: «استدعي الطبيب حالاً! أخبريه أن يأتي راكضاً.. لا وقت لدينا!» جثا على ركبتيه بجانب الفراش، وامتدت يده المرتجفة تلتمس كفّها الباردة التي بدت بلا نبض. أخذ يمسح على وجهها العاجي بقطرات من الماء، يرجوها بملامحه المتوترة أن تفتح عينيها، يهمس باسمها تارة ويمسح على جبينها تارة أخرى، لكنها كانت غارقة في غيابةِ غيبوبةٍ قسرية، ترفض العودة إلى واقعٍ لم يورثها سوى الفزع. حين يئس من محاولاته وتملّكه الإحباط، غادر الغرفة بخطواتٍ مثقلة بالخيبة والوجوم. وقف خلف الباب المغلق كوحشٍ جريح، ينفث نيران غضبه وعصبيته المكتومة في سجائر متتالية، يراقب تصاعد دخانها الرمادي كرماد أفكاره التي لا تهدأ، حتى شقّ الطبيبُ ردهات القصر بخطواته المتسارعة. دخل الطبيب الغرفة، لتبدأ أطول نصف ساعة مرت على سيف في حياته. ثلاثون دقيقة
كانت تجرى بذعر، وتلتفت حولها بهلعٍ علّها تلمح طيفاً يمد لها يد العون وينقذها مما هي فيه.وفجأة، شقّت عتمةَ طريقها أضواءُ سيارةٍ تنطلق نحوها بسرعة جنونية؛ فلم تجد مفراً سوى أن تغمض عينيها وتطلق صرخةً مدوية لاهثةً بالشهادتين في لحظة استسلام للموت.ارتفع عواء المكابح بفرملةٍ حادة شقّت سكون المكان، تلتها صدمة خفيفة كانت كافية لتطيح بجسدها أرضاً، لتنهار وهي تئن وتصرخ من وجعٍ حاد يمزق قدمها.في تلك الأثناء، كان يجلس في المقعد الخلفي غارقاً في متابعة أعماله عبر حاسوبه المحمول، قبل أن تتوقف السيارة بعنف كاد يلقي به أماماً.شخص ببصره عن الشاشة متسائلاً بلهجة حازمة يملؤها الغضب:"ما خطبك يا محمود؟ ماذا حدث؟"استدار السائق بملامح يكسوها الوجل وقال معتذراً بنبرة خاضعة:"عذراً يا سيدي.. ثمة فتاة سقطت أمام السيارة!"ترجل سيف من السيارة بخطوات سريعة يملؤها القلق، لتقع عيناه على الفتاة المستلقية فوق الأرض الباردة؛ كانت تئن وتصرخ، وقد تملك الخوف من كل ذرة في كيانها وجعل جسدها ينتفض برعب. اقترب منها بهدوء، ومطّ يده ليقبض على كفيها المرتجفتين برفق محاولاً طمأنتها، وقال بنبرة هادئة حانية:"هيا.. تعالي م







