انحنى سيف برفق، ولف ذراعيه القويتين حول جسدها الضئيل ليحملها بين يديه صاعداً بها خطوات مدروسة نحو الأسفل، شاقاً طريقه إلى حديقة القصر الغناء. كانت إيلين تتشبث بكتفيه بخجل، والنسيم العليل يداعب خصلات شعرها البني المسترسل.
تطلع سيف إلى وجهها الشاحب قائلًا بنبرة آمرة لكنها تفيض بالحنّية:
"يجب أن تأكلي جيداً حتى تستعيدي عافيتكِ وتتحسن صحتكِ يا إيلين."
أومأت برأسها طائعة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة وقالت:
"حاضر، سآكل بكل ما أوتيت من قوة.. فأنا في الحقيقة يتملكوني جوع كافر! أشعر وكأنني لم أذق طعاماً منذ أسبوع كامل."
انعقد حاجباه بدهشة وقلق، ونظر إليها متسائلاً:
"ولماذا لم تأكلي منذ أسبوع كامل يا إيلين؟ ما الذي حدث؟"
تلاشت ابتسامتها فجأة، وحل مكانها وجوم ثقيل. رفعت يديها المرتعشتين لتضعهما فوق رأسها، وعصرت عينيها بألم قائلة بنبرة يملؤها العجز:
"صدقني.. لا أتذكر! أنا لا أتذكر أي شيء على الإطلاق.. كل ما يعلق بذاكرتي هو مشهد هؤلاء الرجال الأشداء وهم يركضون خلفي بغية الإمساك بي، وحقيقة أنني كنت أعمل طبيبة في منزل ذلك الرجل الغامض.. لا أكثر من ذلك! لكن..."
توقفت للحظة، واجتاحت وجهها رعدة خوف وهي تتابع بهمس مخنوق:
"أتذكر أيضاً مشاهد مروعة.. مشاهد تسبح في الدماء، وتقطيع أجساد.. لكني عاجزة عن ربط التفاصيل أو تذكر الأسماء."
أنزلت يديها وتطلعت إلى سيف بعينين زرقاوين تلمع فيهما دموع الامتنان، وتابعت:
"على أية حال، أريد أن أشكركِ من كل قلبي على إنقاذكِ ومساعدتكِ لي.. وأعدكِ أنني سأرحل من هنا في أقرب وقت ممكن حتى لا أسبب لك المشاكل."
هز سيف رأسه رافضاً، وقال بنبرة حازمة ومطمئنة:
"الرحيل الآن خطير جداً.. أنا أخشى أن يكونوا قد تتبعوا أثرنا وهم ينتظرون خروجكِ بالخارج للاستفراد بكِ؛ لذلك لا قِبل لكِ بالخروج من هذه البوابة إلا برفقتي أو بصحبة حراسي الأشداء لحمايتكِ. أخبريني.. هل تتذكرين أين يقع منزلكِ على الأقل؟"
أخذت تضغط على رأسها بقوة وعقلها يتخبط في فراغ مظلم وقالت بيأس:
"لا.. لا أتذكر شيئاً!"
أمسك كفها برفق وقال ملطفاً الأجواء:
"حسناً، لا تضغطي على نفسكِ ولا تجهدي عَقلكِ الآن.. دعينا من هذا، أخبرتني أنكِ طبيبة، في أي تخصص كنتِ تعملين؟"
تنفست الصعداء لإزاحة الضغط عنها وأجابت:
"أنا طبيبة متخصصة في أمراض القلب."
اتسعت ابتسامة سيف، ولمعت عيناه بتسلية وقال ممازحاً إياها بنبرة خفيضة:
"هذا رائع جداً! إذن عندما يغلبني قلبي أو يرهقني هواه، سآتي إليكِ فوراً لتطببيه!"
تعالت ضحكاتهما معاً لتكسر جدار الخوف، وبدت الأجواء بينهما غاية في الدفء، لكن هذا الصفو لم يدم طويلاً.
لمحت إيلين الخادمة سحر وهي تقبل نحوهما بوجل وخطوات متعثرة من فرط الخوف، وصاحت بصوت متقطع:
"سيدي.. يا سيدي! السيده ملك وصلت للتو، وهي تقف الآن عند الباب الرئيسي للقصر!"
انتفض سيف من مقعده كمن مسه تيار كهربائي، وتبدلت ملامحه إلى حذر شديد. ودون إضاعة للوقت، انحنى وحمل إيلين بسرعة فائقة متجهاً بها نحو الباب الخلفي للمبنى، صعد بها الدرج بخطوات متسارعة حتى دخل غرفته، ووضعها فوق السرير ثم همس في وجهها بنبرة مستعجلة وحازمة:
"أرجوكِ.. إياكِ أن تصدري أي صوت مهما حدث! لا أريد أي مشاكل الآن!"
أومأت إيلين برأسها صامتة، لكن غصة من الحزن والمهانة اعتصرت قلبها؛ لقد تملكها الخوف والضيق من تصرفه هذا، وتساءلت في نفسها عن هوية هذه المرأة التي جعلت رجلاً بقوة سيف وسطوته يرتعب إلى هذا الحد ويخبئها كخطيئة!
ترجل سيف على السلالم مسرعاً وهو يزفر بغضب ويهمس لنفسه بمرارة:
"كنت أعلم يقيناً أن ذلك الفاسد الجشع حسين لن يمسك لسانه، لقد أخبرها بكل شيء ليقبض الثمن!"
رسم سيف على وجهه ابتسامة عريضة ومصطنعة ما إن وقعت عيناه على ملك الواقفة في بهو القصر وعلامات الغضب تكسو وجهها. تقدم نحوها بخطوات واسعة وفتح ذراعيه قائلاً بنبرة تمثيلية تفيض بالحب:
"يا حبيبتي! لقد اشتقت إليك كثيراً!"
طوقها بذراعيه وضمرها إلى صدره، لكن ملك دفعته برفق ونظرت في عينيه بعتاب حاد وقالت بحدة:
"أنت تكذب عليّ يا سيف! لماذا خدعتني وأخبرتني بأنك خارج البلاد؟"
قال لها "ملك.. يا حبيبة قلبي، أنا لا أكذب عليكِ أبداً! أنا بالفعل كنت في الخارج ولم أصل إلى القصر سوى في ساعة مبكرة من صباح اليوم بعد رحلة شاقة استمرت حتى ليلة أمس.. كنت أود أن أصنع لكِ مفاجأة مذهلة، لكنني كنت أعلم أن حسين المساعد اللعين لن يمسك لسانه وسيفسد الأمر ليقبض المقابل.. لقد حذرته كثيراً لكنه لم يستمع، وها هو قد أفسد عليّ لفتتي الرومانسية!"
تراجعت حدة غضب ملك، وتلاشت ملامح الشك ليحل محلها الفضول، فقالت بنبرة أهدأ:
"مفاجأة؟ وما هي هذه المفاجأة؟"
أمسك كفيها وقبلهما برقة، ونظر في عينيها قائلاً ببراعة:
"بما أنكِ اكتشفتِ الأمر بطريقتكِ، سأخبركِ.. لقد كنت أعد لكِ الليلة عشاءً رومانسياً حافلاً في المطعم الفاخر الذي تفضلينه دائماً.. والآن، هيا اذهبي إلى المنزل واستعدي جيداً، وسألقاكِ هناك في المساء يا جميرتي."
اتسعت ابتسامة ملك وشعرت بزهو وفخر عارم، واحتضنته بقوة قائلة باعتذار:
"حسناً يا حبيبي.. أنا آسفة حقاً لأنني شككت بك وبحبك."**
بادلها العناق وهو يبتسم كذباً، بينما كان يحدث نفسه في قرارة صمت صدره بأسف:
"لم أكن أريد إفساد هذه الليلة أو الخروج معكِ.. تباً، لقد ورطت نفسي بنفسي في ورطة لا فكاك منها!"
ابتعدت عنه ملك قليلاً ورأت شفتيه تتحركان، فسألته بدلال:
"ماذا تقول يا حبيبي؟ لم أسمعك."
أجابها بسرعة مرتدياً قناع اللطف:
"لا شيء يا روحي.. أقول فقط هيا اذهبي فوراً واستعدي حتى لا نتأخر؛ فأنا أعلم جيداً أنكِ تحتاجين ساعات طوال لتتأهبي للسهر! اذهبي إلى صالون التجميل، صففي شعركِ واختاري أبهى فساتينكِ."
ثم انحنى نحو أذنها وهمس بنبرة ذات مغزى:
"أريدكِ أن ترتدي الليلة ذلك الفستان الأحمر المكشوف.. أريد أن أمتع عيني بجمالكِ الفاتن."
احمرت وجنتاها خجلاً وابتسمت بسعادة قائلة:
"حسناً يا حبيبي.. كما تشتهي."
استدارت ملك وغادرت القصر بخطوات راقصة يملؤها الزهو، بينما تنفس سيف الصعداء وعاد بصره نحو الأعلى حيث ترقد إيلين في غرفته...
صعد سيف درجات السلم بخطوات متأنية حتى ولج إلى غرفته، واقترب من فراش إيلين متسائلاً بنبرة هادئة:
"هل أنتِ بخير الآن؟"
التفتت إليه ورسمت على شفتيها ابتسامه رقيقة وقالت:
"نعم، أنا بخير."
في قرارة نفسها، اتخذت إيلين قراراً حاسماً بأنها لن تنبش في تفاصيل ما حدث، ولن توجّه إليه أي سؤال يخص تلك المرأة؛ فهذه حياته الخاصة، وهي ضيفة عابرة لا تود إقحام نفسها في شؤونه أو التسبب في أي قلاقل له. نظر سيف إلى هدوئها الغريب وقال مستفسراً:
"ألن تسأليني عن هوية المرأة التي كانت هنا؟"
هزت رأسها بنفي لطيف وأجابت:
"لا.. هذه حياتك الشخصية يا سيد سيف، وأنا لست ممن يتدخلون فيما لا يعنيهم."
خطا نحوها خطوة وقال مبتسماً:
"قولي سيف فقط يا إيلين.. دون ألقاب."
احمرت وجنتاها قليلاً وأومأت بطاعة:
"حسناً.. سيف."
تابع سيف وهو يتفقد ساعته:
"أنا مضطر للخروج الآن لتناول وجبة العشاء في الخارج."
أجابت بنبرة وادعة:
"حسناً إذن.. اذهب مصحوباً بالسلامة."
وقبل أن يستدير ليدخل غرفة ملابسه، التفت إليها وقال برجاء دافئ:
"تناولي عشاءكِ جيداً من أجلي.. أرجوكِ."
ابتسمت وقالت:
"حسناً، سأفعل."
اتجه سيف ليرتدي بدلته الرسمية الأنيقة، متهيجاً للقاء ملك في المطعم الفاخر كما وعدها.
وفي تلك الأثناء، وتحديداً خلف الأسوار الحديدية للقصر، كانت ثمة عيون شريرة تترصد المكان؛ كان ذلك الرجل القاسي يقبع داخل سيارته المظلمة محاطاً برجاله المسلحين، يراقبون البوابة بترقب. وما إن انطلقت سيارة سيف شاقة طريقها نحو الخارج، حتى مال أحد المساعدين نحو القائد وهمس بخبث:
"هل نطلق النار عليه يا سيدي؟ وننهي أمره الآن؟"
أشار القائد بيده آمراً إياهم بالمنع وقال بنبرة جافة قاطعة:
"لا.. اتركه الآن! نحن نريد الفتاة فقط، ولا حاجة لنا باستهداف رجل أعمال مشهور؛ فلا نريد إقحام أنفسنا في مشاكل وصراعات لا تنتهي مع السلطات."
انتظروا حتى توارت سيارة سيف عن الأنظار، ثم تسللوا بخفة الشياطين عبر الأسوار، مقتحمين القصر بهدوء مرعب حتى وصلوا إلى الطابق العلوي، واندفعوا داخل غرفة إيلين.
لم تملك إيلين الوقت لتصرخ؛ إذ انقض القائد عليها واضعاً كفه الغليظة فوق فمها ليكتم أنفاسها، وبيد خبيرة وغارقة في الإجرام
غرس في جسدها حقنة تحوي مصلاً ساماً وقاتلاً مخصصاً لإنهاء حياتها في دقائق. سحب حقنته وقذفها إهمالاً على الأرض، ثم انسحب ورجاله بسرعة تاركين إيلين لتموت وحيدة في عتمة الغرفة.
في هذه الأثناء، التقطت أذن الخادمة سحر جلبة خفيفة وحركة غير معتادة قادمة من الأعلى. أسرعت الخطى نحو الجناح
ودخلت الغرفة ليتسع بؤبؤ عينيها برعب؛ لم تجد أحداً من المهاجمين الذين فروا كالأشباح، لكن وقعت عيناها على حقنة طبية فارغة ملقاة على الأرض، وإلى جوارها كانت إيلين ممددة فوق السرير، جسدها ينتفض بوهن قبل أن تغيب تماماً عن الوعي.
هرعت سحر نحو الهاتف ويداها ترتجفان بذهول، وضغطت على رقم سيف. صرخت بنبرة باكية مستغيثة ما إن فتح الخط:
"سيدي سيف! أرجوك تعال إلى القصر بسرعة! لقد اقتحم أشخاص الغرفة وقاموا بحقن الفتاة بحقنة غريبة لا أعلم ما هي.. إنها غائبة عن الوعي تماماً ولا تستجيب لي! أعتقد أنهم يحاولون قتلها.. أرجوك أسرع!"
وقع الخبر على سيف كالصاعقة، وتجمدت الدماء في عروقه. ودون تفكير، أدار مقود سيارته بقوة جنونية في وسط الطريق وعاد أدراجه نحو القصر. ترجل من السيارة كالإعصار، وصعد إلى الغرفة ليرى وجهها الذي استحال شاحباً كالموت. حملها بين ذراعيه والارتجاف يتملكه، وقلبه يكاد يتوقف من فرط الرعب الخلفي عليها. وضعها في المقعد الخلفي وانطلق بسرعة شقت السكون نحو أقرب مستشفى.
وصل إلى أبواب الطوارئ يصرخ بأعلى صوته لاهثاً:
"ساعدوني! أرجوكم أنقذوها! أرجوكم!"