LOGINأشرقت الشمس ببطء...لكنها لم تحمل معها أي شعور بالراحة.استيقظ آدم على صوت اهتزاز هاتفه.تناوله بتعب.كانت الرسالة ما تزال أمامه."لا تثق في يوسف."ظل يحدق فيها لثوانٍ.ثم أغلق الهاتف.تمتم لنفسه:ـ لا... دي محاولة جديدة يوقعوا بينا.نهض من مكانه.وقرر ألا يخبر أحدًا... على الأقل حتى يتأكد بنفسه.***في الحديقة...كانت رهف تجلس تحت شجرة الياسمين، تحتسي كوبًا من القهوة.اقترب آدم من الخلف.جلس بجوارها.ابتسمت فور أن رأته.ـ صباح الخير.ابتسم وهو يناولها قطعة شوكولاتة صغيرة.ـ فاكر إنك بتحبيها.ضحكت وهي تأخذها منه.ـ لسه فاكر؟نظر إليها بحنان.ـ أنا فاكر كل حاجة تخصك.احمر وجهها.خفضت عينيها وهي تعبث بورقة الشجر بين أصابعها.قالت بخجل:ـ أنا مش متعودة حد يهتم بيا بالشكل ده.رفع ذقنها برفق حتى تنظر إليه.ـ اتعودي...لأن ده أقل حاجة تستحقيها.ابتسمت وهي تنظر في عينيه.شعرت أن العالم كله اختفى.ولم يبقَ سوى هذا الرجل الذي جعل قلبها يعرف الطمأنينة لأول مرة.لكن تلك اللحظة...لم تدم طويلًا.خرج يوسف من المنزل وهو يحمل هاتفه.ـ سامر... لازم تشوف ده.تجمع الجميع حوله.فتح يوسف مقطع فيديو قصيرً
وقفت رهف خلف الباب...ما زالت الكلمات التي سمعتها تتردد داخل رأسها."الطفل ده... كبر... وعايش... وقريب جدًا منكم."تراجعت خطوة للخلف دون أن تشعر.اصطدمت بالمزهرية الموضوعة في الممر.اهتزت قليلًا، وأصدرت صوتًا خافتًا.التفت سامر وكامل في اللحظة نفسها نحو الباب.تنهد كامل.ـ ادخلي يا رهف... أنا عارف إنك سمعتي.دخلت ببطء، وعيناها لا تفارقان كامل.سألته مباشرة:ـ الطفل ده... أنا أعرفه؟نظر إليها طويلًا، ثم قال بهدوء:ـ أيوه...ابتلعت ريقها.ـ مين هو؟وقبل أن يجيب...دخل يوسف مسرعًا.ـ في عربية واقفة من ساعة قدام البيت.وقف آدم فورًا.ـ رجالة فؤاد؟هز يوسف رأسه.ـ مش عارف... لكن لازم نتحرك بسرعة.قال كامل بحزم، رغم ضعفه:ـ لأ... الهروب مش هيحل حاجة.كل ما نجري... هما بيسبقونا بخطوة.نظر إلى سامر.ـ افتح الملف الأسود.أحضره سامر ووضعه فوق الطاولة.فتح الملف بحذر.كانت بداخله مجموعة صور، ومستندات، ودفتر صغير.أخرج كامل الدفتر.ـ ده يومياتي... من قبل الحريق بشهور.بدأ سامر يقلب الصفحات.حتى توقف عند صفحة محددة.كان أعلى الصفحة تاريخ...قبل الحريق بثلاثة أيام.وبخط كامل:"النهارده ليلى طلبت من
تجمد الجميع في أماكنهم.حدق سامر في الرجل القادم من بعيد، غير مصدق ما تراه عيناه.كان كامل أكثر نحولًا مما يتذكره.شعره الأبيض يغطي رأسه بالكامل، وملامحه أنهكها الزمن، لكن عينيه...عينيه لم تتغيرا.همس سامر بصوت مرتجف:ـ كامل...رفع الرجل رأسه.التقت عيناه بعيني سامر.وبعد خمسة وعشرين عامًا من الغياب...ابتسم ابتسامة باهتة.ـ سامر...اندفع سامر نحوه دون تفكير.توقف أمامه مباشرة.لم يعرف هل يعانقه...أم يصفعه...أم يسأله ألف سؤال دفعة واحدة.لكن كامل حسم الأمر.احتضنه بقوة.وأغمض عينيه.ـ سامحني...أنا اتأخرت أوي.ابتعد سامر عنه ببطء.كانت عيناه تمتلئان بالدموع.ـ كنت فين كل السنين دي؟نظر كامل إلى الوجوه المحيطة به.توقفت عيناه عند آدم.ظل يحدق فيه طويلًا.ثم اقترب منه.رفع يده المرتجفة...ووضعها على كتفه.ابتسم بحزن.ـ بقيت شبه أبوك جدًا.شعر آدم بقشعريرة تسري في جسده.ـ حضرتك تعرف أبويا؟أجاب كامل دون تردد:ـ نبيل كان أخويا...قبل ما يكون صاحبي.ثم التفت إلى رهف.نظر إليها للحظات.وكأن الزمن أعاده إلى الماضي.همس:ـ وليلى...كانت هتزعل مني لو ما سلمتش عليكي.ابتسمت رهف وسط دموعها.ـ
ساد الصمت داخل غرفة دار الرعاية.لم يرفع كامل عينيه عن فؤاد.كانت ملامحه شاحبة، لكن نظراته هذه المرة لم تحمل ذلك الشرود الذي لازمها لسنوات.بل حملت خوفًا قديمًا...عاد ليستيقظ من جديد.ابتسم فؤاد وهو يغلق الباب خلفه بهدوء.ثم تقدم حتى جلس على المقعد المقابل له.قال بنبرة هادئة:ـ واضح إن الذاكرة رجعت أسرع مما توقعت.لم يرد كامل.اكتفى بالنظر إليه في صمت.أخرج فؤاد من جيبه ساعة جيب فضية قديمة.فتحها أمامه.ـ فاكرها؟ارتجفت يد كامل فجأة.همس بصوت متقطع:ـ دي... ساعة نبيل.ابتسم فؤاد.ـ بالضبط.ـ إنت... إنت أخدتها منه.مال فؤاد إلى الأمام.ـ لا...هو اللي سابهالي.اشتعل الغضب في عيني كامل.ـ كذاب!وقف فجأة رغم صعوبة حركته.ـ نبيل عمره ما كان يثق فيك.اختفت الابتسامة عن وجه فؤاد.ونهض هو الآخر.ـ للأسف... الحقيقة دي هتدفن معاك.ثم ضغط على زر صغير داخل هاتفه.بعد ثوانٍ...دخل اثنان من رجال الأمن.نظر إليهما فؤاد دون أن يلتفت إلى كامل.ـ الدكتور قال إن حالة الأستاذ كامل انتكست...ومحتاج ينقلوه الجناح الخاص.تبادل الرجلان النظرات.ثم اقتربا من كامل.صرخ في وجههما:ـ ابعدوا عني!أنا لازم أشوف
تبادل الجميع النظرات.كان الصوت واضحًا هذه المرة...خطوات بطيئة فوق الأرضية الخشبية للطابق العلوي.أشار يوسف بيده في هدوء.ـ محدش يتحرك.أخرج مصباحًا صغيرًا من جيبه، ثم صعد أول الدرجات بحذر.تبعه آدم.أما سامر، فوقف أمام رهف بصورة تلقائية، وكأنه يحاول حمايتها.همس لها:ـ خليكِ ورايا.أومأت بصمت.***وصل يوسف إلى نهاية السلم.فتح باب الغرفة الأولى.فارغة.الثانية...فارغة أيضًا.أما الباب الثالث...فكان نصف مفتوح.صدر منه صوت احتكاك خفيف.أشار يوسف إلى آدم.ثم دفع الباب دفعة واحدة.لكن...لم يكن هناك أحد.الغرفة خالية.اقترب آدم من النافذة.كانت مفتوحة.نظر إلى الخارج.ـ لسه حد نازل من السور!ركض يوسف بسرعة إلى الخارج.لكن عندما وصل...لم يجد إلا آثار أقدام حديثة على التراب.وصوت سيارة تبتعد في نهاية الشارع.عاد وهو يزفر بضيق.ـ هرب.دخل سامر الغرفة.نظر حوله.ثم توقفت عيناه عند الدولاب القديم.اقترب منه ببطء.فتح بابه.فسقطت منه علبة كرتونية صغيرة.انحنى والتقطها.كانت بداخلها عشرات الصور.بدأ يقلبها واحدة تلو الأخرى.صور لليلى...ولرهف وهي طفلة.وصور لسامر.ثم...توقفت يده فجأة.نظر
لم ينطق أحد بكلمة طوال طريق العودة.كانت السلسلة الفضية موضوعة فوق لوحة السيارة أمام سامر، بينما كانت عيناه لا تفارقانها.أما آدم...فلم يترك يده من يد رهف طوال الطريق.كانت أصابعها باردة، وكلما شعر بارتجافها، شد على يدها برفق وكأنه يطمئنها دون كلمات.نظرت إليه بطرف عينها.همست:ـ أنا خايفة.التفت إليها.ابتسم ابتسامة هادئة رغم القلق الذي يملأ قلبه.ـ وأنا كمان...لكن طول ما إحنا مع بعض، هنعدي أي حاجة.خفضت رأسها بخجل.ثم همست بصوت بالكاد يُسمع:ـ وجودك بيطمني.نظر إليها للحظات.ثم رفع يدها وقبلها برقة دون أن يشعر.احمر وجه رهف، وسحبت يدها بخجل وهي تبتسم.حتى سامر، الذي لمح المشهد من مرآة السيارة، شعر للمرة الأولى منذ زمن بأن هناك بصيص أمل وسط كل هذا الظلام.***بعد ساعة...وصل الجميع إلى منزل سامر.أغلق يوسف جميع الأبواب والنوافذ، ثم قال بحزم:ـ من النهارده... محدش يخرج لوحده.أومأ آدم موافقًا.ثم أخرج وحدة التخزين الصغيرة من جيبه.وضعها فوق الطاولة.نظر إليها الجميع في صمت.قال سامر:ـ جاهزين؟ضغط آدم على زر التشغيل.ظهرت شاشة سوداء.ثم بدأ مقطع فيديو قديم.كانت الصورة مهزوزة.وكأن
الورقة كانت بين إيد رهف…بس وزنها كان تقيل بشكل غريب.مش بسبب الورق نفسه…لكن بسبب اللي مكتوب فيه."لو عايزة الحقيقة… ابعدي عن بيت مصطفى."رهف فضلت باصة للكتابة كذا ثانية من غير ما ترمش.كأن عقلها بيحاول يرفض يفهم.منار قربت منها:منار:رهف… مين اللي كتب ده؟مازن كان مركز مع لؤي مش مع الورقة.لكن ل
لم يكن الصمت في غرفة رهف هذه المرة مجرد غياب صوت…بل كان ثِقلًا يخنق المكان كله.الهواء نفسه بدا وكأنه أصبح أبطأ.رهف كانت واقفة مكانها، عينيها مثبتة على الورقة التي سقطت من يدها، وكأنها تحاول تستوعب معنى الجملة اللي اتكتبت فيها."إنتي مش بنت مصطفى الحقيقي…"كلمة واحدة كانت كفيلة إنها تهز كل حاجة ج
ما تحت السطحكان الليل في هدوئه المعتاد… لكن الهدوء أحيانًا لا يعني الأمان.في غرفة رهف، كان الظلام مختلف هذه الليلة.ليس لأنه مظلم فقط…بل لأن رهف كانت تشعر أن هناك شيئًا يراقبها حتى وهي مغمضة العينين.فتحت عينيها فجأة.صمت.أنفاسها كانت سريعة بدون سبب واضح.نظرت حولها.الغرفة كما هي… سريرها، مكتب
الحياة ليست بسيطة كما يظن البعض…ولا تسير دائمًا كما نخطط لها في دفاترنا الصغيرة أو أحلامنا الوردية.الحياة أشبه بمتاهة ضخمة، تمتد بلا نهاية واضحة، مليئة بالأبواب المغلقة، والممرات المظلمة، والعقبات التي لا تظهر إلا بعد فوات الأوان.البعض يدخل هذه المتاهة وهو يعرف طريقه جيدًا…والبعض الآخر يُلقى في







