تسجيل الدخولظل سامر ممسكًا بالهاتف حتى بعد انقطاع المكالمة.كان صوت نادية المرتجف لا يزال يتردد في أذنيه.رفع رأسه ببطء.نظر إلى يوسف.ـ تقدر تحدد مكان المكالمة؟أومأ يوسف وهو يخرج هاتفًا آخر.ـ لو الخط فضل مفتوح ثواني زيادة كنت قدرت... لكن لسه فيه أمل.بدأ يتواصل مع أحد رجاله.بينما كان آدم يراقب ملامح سامر.ـ هي نادية دي تعرف كل حاجة؟تنهد سامر.ـ لو لسه عايشة...يبقى هي آخر واحدة كانت مع ليلى قبل الحريق.ساد الصمت.قال كامل من داخل الغرفة:ـ ونادية عمرها ما كانت بتكدب.التفت الجميع إليه.اقترب سامر.ـ ليه ماقولتش اسمها قبل كده؟أغمض كامل عينيه.ـ لأنهم كانوا فاهميني إنها ماتت.***بعد دقائق...أغلق يوسف الهاتف.ابتسم ابتسامة خفيفة.ـ لقيناها.وقف الجميع في وقت واحد.ـ فين؟ـ المكالمة خرجت من منطقة المخازن القديمة عند الميناء.عقد آدم حاجبيه.ـ المكان ده مهجور من سنين.رد يوسف:ـ عشان كده اختاروه.قال سامر بحزم:ـ نتحرك فورًا.لكن كامل رفع صوته لأول مرة.ـ استنوا!نظروا إليه.ـ دي مش استغاثة...دي فخ.ساد الصمت.أكمل كامل:ـ فؤاد عارف إن نادية نقطة ضعفنا.ولو فعلاً هي اتصلت...يبقى أكيد تحت مرا
أشرقت الشمس ببطء...لكنها لم تحمل معها أي شعور بالراحة.استيقظ آدم على صوت اهتزاز هاتفه.تناوله بتعب.كانت الرسالة ما تزال أمامه."لا تثق في يوسف."ظل يحدق فيها لثوانٍ.ثم أغلق الهاتف.تمتم لنفسه:ـ لا... دي محاولة جديدة يوقعوا بينا.نهض من مكانه.وقرر ألا يخبر أحدًا... على الأقل حتى يتأكد بنفسه.***في الحديقة...كانت رهف تجلس تحت شجرة الياسمين، تحتسي كوبًا من القهوة.اقترب آدم من الخلف.جلس بجوارها.ابتسمت فور أن رأته.ـ صباح الخير.ابتسم وهو يناولها قطعة شوكولاتة صغيرة.ـ فاكر إنك بتحبيها.ضحكت وهي تأخذها منه.ـ لسه فاكر؟نظر إليها بحنان.ـ أنا فاكر كل حاجة تخصك.احمر وجهها.خفضت عينيها وهي تعبث بورقة الشجر بين أصابعها.قالت بخجل:ـ أنا مش متعودة حد يهتم بيا بالشكل ده.رفع ذقنها برفق حتى تنظر إليه.ـ اتعودي...لأن ده أقل حاجة تستحقيها.ابتسمت وهي تنظر في عينيه.شعرت أن العالم كله اختفى.ولم يبقَ سوى هذا الرجل الذي جعل قلبها يعرف الطمأنينة لأول مرة.لكن تلك اللحظة...لم تدم طويلًا.خرج يوسف من المنزل وهو يحمل هاتفه.ـ سامر... لازم تشوف ده.تجمع الجميع حوله.فتح يوسف مقطع فيديو قصيرً
وقفت رهف خلف الباب...ما زالت الكلمات التي سمعتها تتردد داخل رأسها."الطفل ده... كبر... وعايش... وقريب جدًا منكم."تراجعت خطوة للخلف دون أن تشعر.اصطدمت بالمزهرية الموضوعة في الممر.اهتزت قليلًا، وأصدرت صوتًا خافتًا.التفت سامر وكامل في اللحظة نفسها نحو الباب.تنهد كامل.ـ ادخلي يا رهف... أنا عارف إنك سمعتي.دخلت ببطء، وعيناها لا تفارقان كامل.سألته مباشرة:ـ الطفل ده... أنا أعرفه؟نظر إليها طويلًا، ثم قال بهدوء:ـ أيوه...ابتلعت ريقها.ـ مين هو؟وقبل أن يجيب...دخل يوسف مسرعًا.ـ في عربية واقفة من ساعة قدام البيت.وقف آدم فورًا.ـ رجالة فؤاد؟هز يوسف رأسه.ـ مش عارف... لكن لازم نتحرك بسرعة.قال كامل بحزم، رغم ضعفه:ـ لأ... الهروب مش هيحل حاجة.كل ما نجري... هما بيسبقونا بخطوة.نظر إلى سامر.ـ افتح الملف الأسود.أحضره سامر ووضعه فوق الطاولة.فتح الملف بحذر.كانت بداخله مجموعة صور، ومستندات، ودفتر صغير.أخرج كامل الدفتر.ـ ده يومياتي... من قبل الحريق بشهور.بدأ سامر يقلب الصفحات.حتى توقف عند صفحة محددة.كان أعلى الصفحة تاريخ...قبل الحريق بثلاثة أيام.وبخط كامل:"النهارده ليلى طلبت من
تجمد الجميع في أماكنهم.حدق سامر في الرجل القادم من بعيد، غير مصدق ما تراه عيناه.كان كامل أكثر نحولًا مما يتذكره.شعره الأبيض يغطي رأسه بالكامل، وملامحه أنهكها الزمن، لكن عينيه...عينيه لم تتغيرا.همس سامر بصوت مرتجف:ـ كامل...رفع الرجل رأسه.التقت عيناه بعيني سامر.وبعد خمسة وعشرين عامًا من الغياب...ابتسم ابتسامة باهتة.ـ سامر...اندفع سامر نحوه دون تفكير.توقف أمامه مباشرة.لم يعرف هل يعانقه...أم يصفعه...أم يسأله ألف سؤال دفعة واحدة.لكن كامل حسم الأمر.احتضنه بقوة.وأغمض عينيه.ـ سامحني...أنا اتأخرت أوي.ابتعد سامر عنه ببطء.كانت عيناه تمتلئان بالدموع.ـ كنت فين كل السنين دي؟نظر كامل إلى الوجوه المحيطة به.توقفت عيناه عند آدم.ظل يحدق فيه طويلًا.ثم اقترب منه.رفع يده المرتجفة...ووضعها على كتفه.ابتسم بحزن.ـ بقيت شبه أبوك جدًا.شعر آدم بقشعريرة تسري في جسده.ـ حضرتك تعرف أبويا؟أجاب كامل دون تردد:ـ نبيل كان أخويا...قبل ما يكون صاحبي.ثم التفت إلى رهف.نظر إليها للحظات.وكأن الزمن أعاده إلى الماضي.همس:ـ وليلى...كانت هتزعل مني لو ما سلمتش عليكي.ابتسمت رهف وسط دموعها.ـ
ساد الصمت داخل غرفة دار الرعاية.لم يرفع كامل عينيه عن فؤاد.كانت ملامحه شاحبة، لكن نظراته هذه المرة لم تحمل ذلك الشرود الذي لازمها لسنوات.بل حملت خوفًا قديمًا...عاد ليستيقظ من جديد.ابتسم فؤاد وهو يغلق الباب خلفه بهدوء.ثم تقدم حتى جلس على المقعد المقابل له.قال بنبرة هادئة:ـ واضح إن الذاكرة رجعت أسرع مما توقعت.لم يرد كامل.اكتفى بالنظر إليه في صمت.أخرج فؤاد من جيبه ساعة جيب فضية قديمة.فتحها أمامه.ـ فاكرها؟ارتجفت يد كامل فجأة.همس بصوت متقطع:ـ دي... ساعة نبيل.ابتسم فؤاد.ـ بالضبط.ـ إنت... إنت أخدتها منه.مال فؤاد إلى الأمام.ـ لا...هو اللي سابهالي.اشتعل الغضب في عيني كامل.ـ كذاب!وقف فجأة رغم صعوبة حركته.ـ نبيل عمره ما كان يثق فيك.اختفت الابتسامة عن وجه فؤاد.ونهض هو الآخر.ـ للأسف... الحقيقة دي هتدفن معاك.ثم ضغط على زر صغير داخل هاتفه.بعد ثوانٍ...دخل اثنان من رجال الأمن.نظر إليهما فؤاد دون أن يلتفت إلى كامل.ـ الدكتور قال إن حالة الأستاذ كامل انتكست...ومحتاج ينقلوه الجناح الخاص.تبادل الرجلان النظرات.ثم اقتربا من كامل.صرخ في وجههما:ـ ابعدوا عني!أنا لازم أشوف
تبادل الجميع النظرات.كان الصوت واضحًا هذه المرة...خطوات بطيئة فوق الأرضية الخشبية للطابق العلوي.أشار يوسف بيده في هدوء.ـ محدش يتحرك.أخرج مصباحًا صغيرًا من جيبه، ثم صعد أول الدرجات بحذر.تبعه آدم.أما سامر، فوقف أمام رهف بصورة تلقائية، وكأنه يحاول حمايتها.همس لها:ـ خليكِ ورايا.أومأت بصمت.***وصل يوسف إلى نهاية السلم.فتح باب الغرفة الأولى.فارغة.الثانية...فارغة أيضًا.أما الباب الثالث...فكان نصف مفتوح.صدر منه صوت احتكاك خفيف.أشار يوسف إلى آدم.ثم دفع الباب دفعة واحدة.لكن...لم يكن هناك أحد.الغرفة خالية.اقترب آدم من النافذة.كانت مفتوحة.نظر إلى الخارج.ـ لسه حد نازل من السور!ركض يوسف بسرعة إلى الخارج.لكن عندما وصل...لم يجد إلا آثار أقدام حديثة على التراب.وصوت سيارة تبتعد في نهاية الشارع.عاد وهو يزفر بضيق.ـ هرب.دخل سامر الغرفة.نظر حوله.ثم توقفت عيناه عند الدولاب القديم.اقترب منه ببطء.فتح بابه.فسقطت منه علبة كرتونية صغيرة.انحنى والتقطها.كانت بداخلها عشرات الصور.بدأ يقلبها واحدة تلو الأخرى.صور لليلى...ولرهف وهي طفلة.وصور لسامر.ثم...توقفت يده فجأة.نظر
لم تكن رهف تعرف كم مر من الوقت.دقائق؟ساعات؟لم تعد قادرة على التمييز.كل ما تتذكره هو ذلك القناع الأسود الذي وضع فوق عينيها، وصوت محرك السيارة، والطريق الطويل الذي بدا وكأنه لا ينتهي.---كانت يداها غير مقيدتين.وهذا ما أثار خوفها أكثر.لأن من يختطف شخصًا ويتركه حر الحركة...يكون واثقًا أنه لن يس
الدخان كان بيزيد جوه المبنى المهجور… كأنه بيقفل عليهم الخروج واحد واحد.رهف كانت واقفة في النص، عينيها بتتنقل بين كل واحد فيهم.سامر.يوسف.والشخص الجديد اللي نزل من السقف.ومازن بره بيخبط على الباب الحديد.---صوت مازن من الخارج:ـ افتحوا! في حاجة مش طبيعية!---يوسف شد رهف لورا منه بسرعة.ـ ما تق
تجمد الزمن للحظات.لم يكن الصمت الذي خيم على الحديقة الخلفية للمستشفى صمتًا عاديًا...بل كان صمتًا مليئًا بالتوتر والخوف والأسئلة.رهف كانت تنظر إلى الوجوه حولها.يوسف.لؤي.مازن.ثم خالد البحيري.الجميع يعرفه.الجميع صُدم من ظهوره.إلا هي.هي الوحيدة التي لا تفهم شيئًا.---شدد يوسف قبضته.وتقدم خ
مرت دقائق طويلة بعد خروج يوسف من غرفة العناية.لكن بالنسبة له...كانت كأنها ساعات.ما زالت كلمات مصطفى تدوي داخل رأسه:"خالد مش بيدور على الملف... خالد بيدور على رهف."لم يكن يفهم كل شيء.لكنه كان متأكدًا من شيء واحد...أن مصطفى كان خائفًا.وخوف مصطفى لم يكن شيئًا عاديًا أبدًا.كانت رهف تراقبه من ب







