Masukساد الصمت داخل غرفة دار الرعاية.لم يرفع كامل عينيه عن فؤاد.كانت ملامحه شاحبة، لكن نظراته هذه المرة لم تحمل ذلك الشرود الذي لازمها لسنوات.بل حملت خوفًا قديمًا...عاد ليستيقظ من جديد.ابتسم فؤاد وهو يغلق الباب خلفه بهدوء.ثم تقدم حتى جلس على المقعد المقابل له.قال بنبرة هادئة:ـ واضح إن الذاكرة رجعت أسرع مما توقعت.لم يرد كامل.اكتفى بالنظر إليه في صمت.أخرج فؤاد من جيبه ساعة جيب فضية قديمة.فتحها أمامه.ـ فاكرها؟ارتجفت يد كامل فجأة.همس بصوت متقطع:ـ دي... ساعة نبيل.ابتسم فؤاد.ـ بالضبط.ـ إنت... إنت أخدتها منه.مال فؤاد إلى الأمام.ـ لا...هو اللي سابهالي.اشتعل الغضب في عيني كامل.ـ كذاب!وقف فجأة رغم صعوبة حركته.ـ نبيل عمره ما كان يثق فيك.اختفت الابتسامة عن وجه فؤاد.ونهض هو الآخر.ـ للأسف... الحقيقة دي هتدفن معاك.ثم ضغط على زر صغير داخل هاتفه.بعد ثوانٍ...دخل اثنان من رجال الأمن.نظر إليهما فؤاد دون أن يلتفت إلى كامل.ـ الدكتور قال إن حالة الأستاذ كامل انتكست...ومحتاج ينقلوه الجناح الخاص.تبادل الرجلان النظرات.ثم اقتربا من كامل.صرخ في وجههما:ـ ابعدوا عني!أنا لازم أشوف
تبادل الجميع النظرات.كان الصوت واضحًا هذه المرة...خطوات بطيئة فوق الأرضية الخشبية للطابق العلوي.أشار يوسف بيده في هدوء.ـ محدش يتحرك.أخرج مصباحًا صغيرًا من جيبه، ثم صعد أول الدرجات بحذر.تبعه آدم.أما سامر، فوقف أمام رهف بصورة تلقائية، وكأنه يحاول حمايتها.همس لها:ـ خليكِ ورايا.أومأت بصمت.***وصل يوسف إلى نهاية السلم.فتح باب الغرفة الأولى.فارغة.الثانية...فارغة أيضًا.أما الباب الثالث...فكان نصف مفتوح.صدر منه صوت احتكاك خفيف.أشار يوسف إلى آدم.ثم دفع الباب دفعة واحدة.لكن...لم يكن هناك أحد.الغرفة خالية.اقترب آدم من النافذة.كانت مفتوحة.نظر إلى الخارج.ـ لسه حد نازل من السور!ركض يوسف بسرعة إلى الخارج.لكن عندما وصل...لم يجد إلا آثار أقدام حديثة على التراب.وصوت سيارة تبتعد في نهاية الشارع.عاد وهو يزفر بضيق.ـ هرب.دخل سامر الغرفة.نظر حوله.ثم توقفت عيناه عند الدولاب القديم.اقترب منه ببطء.فتح بابه.فسقطت منه علبة كرتونية صغيرة.انحنى والتقطها.كانت بداخلها عشرات الصور.بدأ يقلبها واحدة تلو الأخرى.صور لليلى...ولرهف وهي طفلة.وصور لسامر.ثم...توقفت يده فجأة.نظر
لم ينطق أحد بكلمة طوال طريق العودة.كانت السلسلة الفضية موضوعة فوق لوحة السيارة أمام سامر، بينما كانت عيناه لا تفارقانها.أما آدم...فلم يترك يده من يد رهف طوال الطريق.كانت أصابعها باردة، وكلما شعر بارتجافها، شد على يدها برفق وكأنه يطمئنها دون كلمات.نظرت إليه بطرف عينها.همست:ـ أنا خايفة.التفت إليها.ابتسم ابتسامة هادئة رغم القلق الذي يملأ قلبه.ـ وأنا كمان...لكن طول ما إحنا مع بعض، هنعدي أي حاجة.خفضت رأسها بخجل.ثم همست بصوت بالكاد يُسمع:ـ وجودك بيطمني.نظر إليها للحظات.ثم رفع يدها وقبلها برقة دون أن يشعر.احمر وجه رهف، وسحبت يدها بخجل وهي تبتسم.حتى سامر، الذي لمح المشهد من مرآة السيارة، شعر للمرة الأولى منذ زمن بأن هناك بصيص أمل وسط كل هذا الظلام.***بعد ساعة...وصل الجميع إلى منزل سامر.أغلق يوسف جميع الأبواب والنوافذ، ثم قال بحزم:ـ من النهارده... محدش يخرج لوحده.أومأ آدم موافقًا.ثم أخرج وحدة التخزين الصغيرة من جيبه.وضعها فوق الطاولة.نظر إليها الجميع في صمت.قال سامر:ـ جاهزين؟ضغط آدم على زر التشغيل.ظهرت شاشة سوداء.ثم بدأ مقطع فيديو قديم.كانت الصورة مهزوزة.وكأن
ظل الهاتف في يد آدم...لكن أصابعه فقدت الإحساس."أنا... أبوك."ترددت الجملة داخل رأسه عشرات المرات.نظر إلى الشاشة.انتهت المكالمة.أعاد الاتصال فورًا.الهاتف مغلق.ضرب بقبضته فوق الطاولة بعصبية.ـ لا... مستحيل!اقتربت رهف منه بسرعة.ـ آدم... اهدا.رفع رأسه إليها، وكانت عيناه تمتلئان بالارتباك.ـ ده صوته...مش عارف إزاي... بس حسيت إنه صوته.قال سامر بجدية:ـ دي ممكن تكون لعبة جديدة من فؤاد.هز آدم رأسه.ـ أو ممكن تكون الحقيقة اللي مستنيها من سنين.ساد الصمت.ثم أمسك بالمفتاح النحاسي مرة أخرى.ـ أنا رايح.اعترضت رهف فورًا.ـ لوحدك لأ.نظر إليها.ـ الورقة واضحة.ـ وأنا مش هسيبك.ابتسم ابتسامة صغيرة رغم توتره.ـ إنتِ عنيدة.أجابته وهي تنظر في عينيه:ـ اتعلمت العند منك.للحظة...اختفى الخوف بينهما.ورغم كل ما يحدث، تسللت ابتسامة خفيفة إلى وجه آدم.***الساعة الواحدة وخمسون دقيقة بعد منتصف الليل.توقفت سيارة آدم على بعد أمتار من المخزن رقم 17.كان المكان مهجورًا.صمت ثقيل...وريح باردة تحرك الأبواب المعدنية الصدئة.نظر إلى رهف بضيق.ـ قلتلك تستني في البيت.ابتسمت وهي تغلق باب السيارة.ـ وق
وقف سامر أمام الباب المغلق، بينما كانت كلمات فؤاد تتردد داخل رأسه بلا توقف."اسأل سامر عن الوعد اللي كسره ليلة الحريق."أغلق عينيه بقوة.بعد كل هذه السنوات...جاء الوقت الذي كان يخشاه دائمًا.خرج من غرفته ببطء.وجد آدم لا يزال واقفًا في الصالة، بينما كانت رهف تنظر بينهما بعدم فهم.قال سامر بصوت هادئ لكنه مثقل بالتعب:ـ آدم... محتاج أتكلم معاك لوحدنا.نظرت رهف إلى والدها باستغراب.ـ وأنا؟ابتسم لها سامر ابتسامة باهتة.ـ خمس دقايق بس... وبعدها هقولك كل حاجة.شعرت رهف بانقباض في قلبها.كان والدها يخفي دموعه بصعوبة.أومأت بصمت، ثم صعدت إلى غرفتها.انتظر سامر حتى اختفى صوت خطواتها، ثم التفت إلى آدم.ـ تعالى معايا....بعد دقائق...كان الاثنان يجلسان داخل مكتب سامر.أغلق الباب بنفسه.ثم أخرج مفتاحًا صغيرًا من درج مكتبه.اتجه إلى المكتبة الخشبية، وحرك أحد الكتب.صدر صوت خافت...لتتحرك قطعة من الخشب، كاشفة عن خزنة صغيرة مخفية داخل الحائط.نظر آدم إليه بدهشة.فتح سامر الخزنة.وأخرج منها صندوقًا معدنيًا قديمًا، علاه الغبار.وضعه فوق المكتب ببطء.ظل ينظر إليه عدة ثوانٍ...وكأنه يستجمع شجاعة فتحه
كان الليل قد ألقى ستاره على المدينة، والهدوء يلف المنزل بصورة لم يعتدها أحد.دخل سامر بخطوات بطيئة، ثم وضع مفاتيحه فوق الطاولة في صمت.منذ سنوات، لم يشعر بهذا القدر من الإرهاق.لم يكن إرهاق الجسد...بل إرهاق الذكريات.رفع بصره نحو صورة ليلى المعلقة على الحائط.توقف أمامها طويلًا.تمتم بصوت خافت:"قربنا يا ليلى... أوعدك إن حقك هيرجع."وقبل أن يبتعد، اهتز هاتفه.نظر إلى الشاشة.رقم غير مسجل.تردد للحظة، ثم فتح الرسالة.كانت صورة قديمة.ضيق عينيه وهو يحاول تمييز ملامحها.ثم تجمد مكانه.ليلى...كانت تقف في منتصف الصورة، أصغر سنًا بكثير، وعلى وجهها ابتسامة لم يرها منذ سنوات.لكنها لم تكن وحدها.إلى جوارها وقف رجل لم يتعرف إليه في البداية.وخلفهما ظهر مبنى قديم، وقد بدت على أحد جوانبه آثار حريق واضح.ازدادت دقات قلبه.قلب الصورة الرقمية إلى الخلف، فوجد صورة لورقة صغيرة مرفقة معها.كُتب عليها بخط يد غير مألوف:"الحقيقة ما بدأتش في الشركة... الحقيقة بدأت يوم الحريق."شحب وجه سامر.همس دون وعي:"حريق...؟"في تلك اللحظة، خرجت رهف من غرفتها بعدما سمعت صوته.توقفت عند باب الصالة."بابا... في حاجة
وقف يوسف أمام رهف للحظات طويلة.كان واضحًا إنه بيفكر.يتكلم؟ولا يفضل ساكت؟لكن لأول مرة منذ بداية كل ما يحدث، شعر أن الصمت أصبح أخطر من الحقيقة نفسها.نظر إلى مازن ثم إلى لؤي.وأخيرًا إلى رهف.وقال بهدوء:ـ تعالى معايا.عقدت رهف حاجبيها.ـ على فين؟ـ هقولك حاجة لازم تعرفيها.تجمدت ملامحها.لأول مر
المستشفى كان هادي من بره… لكن جوه، كل حاجة كانت بتغلي تحت السطح.رهف قاعدة قدام غرفة والدها، إيديها متشابكة، عينيها مش بتغفل لحظة عن الباب.كل دقيقة بتمر كانت تقيلة كأنها ساعة.يوسف كان واقف بعيد شوية، ماسك موبايله، بيكلم حد بصوت منخفض جدًا، لكن نبرة صوته كانت مختلفة… فيها توتر مش معتاد عليه.مازن
الليل كان تقيل بشكل غير طبيعي…البيت من بره شكله هادي، لكن الهدوء ده كان كأنه قشرة رقيقة جدًا فوق حاجة تحتها بتغلي.جوه البيت، مصطفى كان قاعد في الصالة، ماسك ورق قديم قدامه، عينيه بتقرا بسرعة وكأنه بيحاول يلحق حاجة قبل ما تضيع.رهف كانت في أوضتها، لكن قلبها مش هادي.من وقت ما رجعت من المستشفى وهي ح
صوت الزجاج المكسور ما كانش مجرد صوت عابر… كان زي إشارة إن الهدوء اللي كانوا عايشين فيه انتهى رسميًا. في ساحة الجامعة، الطلبة بدأوا يجروا في اتجاهات مختلفة، وصرخات خفيفة انتشرت بسرعة، لكن مفيش حد كان فاهم إيه اللي حصل بالظبط. رهف كانت واقفة مكانها، عينيها مثبتة على الاتجاه اللي جه منه الصوت. قل







