Share

مكر شيطاني

last update Petsa ng paglalathala: 2026-06-01 06:12:15

لم يكن نصل خنجر الجنرال "صبري الشناوي" المسموم، المصلت فوق عنق "نورهان" البارد، إلا الحد الفاصل بين حقبتين من الدم في تاريخ الصعيد؛ حقبة العواجيز الذين تهاووا تحت أقدام العرين، وحقبة الذئاب الشابة التي بدلت جلدها لتنهش اللحم بـ قوة القانون وغدر السلاح الحديث. غاصت الأرقام والأسلاك في عتمة المغاوير، لتترك السرايا الكبيرة في الصعيد، وسجون العاصمة في القاهرة، وجدران الجبل الغربي الملعون، غارقة في بركان من التحولات التي حبست الأنفاس وصمتت معها دقات القلوب.

نورهان، فتاة الترف والقصور التي لم تختبر في حياتها سوى أروقة الجامعات وأموال المنظمة القانونية، شعرت بـ برودة النصل تلامس جلدها النحيل، لتسري في عروقها قشعريرة رعب سرعان ما تبددت عندما دار الدم الصعيدي الأصيل في أوصالها. نظرت في عيني صبري الشناوي بـ عيون واسعة تشبه عيني ليلى بـ شكل أسطوري مروع، وعناد عائلة أبو المجد الحقيقي تجسد في نبرتها القوية بـ رغم ارتعاش جسدها:

ـ "امضي بدمي؟! إنت واهم واصل يا صبري بيه لو فاكر إن بنات عثمان أبو المجد ع ينحنوا لـ خنجر مسموم في جحر تعالب! أموالي وحساباتي في مصر مش ع تأخذ منها مليم واحد، وقاسم الراوي لو كان في الحديد الليلة، فـ مرته ليلى ع تقود الجبل وع تخلي كفنك يدور في بطن الغرب بكرة الصبح!"

تصلبت ملامح الجنرال صبري، واشتعل الغل في عينه السوداء؛ ضغط بـ يده القاسية على فكها بـ عنف اعتصر عظام وجهها، وقرب الخنجر أكثر حتى سالت قطرة دم صغيرة تلونت بـ اللون القرمزي الحار فوق ثوبها المخملي الأسود الممزق، وهمس بـ فحيح قاطع كالنصل:

ـ "قاسم الراوي مش ع يعود واصل، وأختك ليلى ع تكون جثة جمبك لو مأمسكتيش القلم الليلة! أنا مأعنديش وقت حِساب، وال حديد ع يتكلم بكرة!"

وفي ذات الساعات المتأخرة من الليل الموحش، حيث كان الغدر يطوق الجبل الغربي، كان المشهد في "سجن طرة" بالقاهرة يغلي فوق صفيح ساخن من القهر والكبرياء الجريح.

داخل زنزانة انفرادية حجرية ضيقة، غارقة في عتمة دامسة لا يكسرها سوى ضوء خافت ينبعث من خلف القضبان الحديدية الثقيلة، كان يقف "قاسم الراوي".. سلطان الجبل.

بـ رغم الأصفاد الحديدية الغليظة التي طوقت معاصمه الضخمة، وبـ رغم نزيف جراحه التي انفتحت مجدداً طوال رحلة الاعتقال العنيفة، إلا أن وقفته كانت مستقيمة كـ السيف، وعيناه الصقريتان تشتعلان بـ بركان من الغضب وتملك شرس جنوني لا يرحم. لم يكن يفكر في قضبان السجن ولا في تهمة قتل الباشا رفعت السيوفي بـ مصر؛ بل كان عقله وروحه وجوارحه كلها مسجونة في غرفته الجوانية بـ الصعيد.. مع وردته وسلطانة قلبه "ليلى".

كان يفكر بـ غيرة طاحنة: كيف تركها بـ دون درع يحميها وسط ذئاب الشناوية؟ كيف يسكن الغريب داراً هو ملكها وعرشها بعهد العشق؟

انفتح الباب الحديدي للزنزانة بـ صرير مزعج، ودخل ضابط كبير بـ رفقة عسكري يحمل حقيبة جلدية. نظر الضابط إلى ضخامة قاسم وجبروته بـ وجل، وقال بـ نبرة حازمة:

ـ "قاسم بيه الراوي.. النيابة الكلية بالقاهرة أمرت بـ بدء التحقيق العاجل معاك بكرة الصبح، والتنازلات اللي قدمتها مرتك ليلى في الصعيد وصلت للحال بـ أوراق رسمية.. بس البلاغ القضائي اللي حبكه الجنرال صبري الشناوي بـ وثائق قديمة ع يقلي إنك مجرم حرب وتجارة سلاح دولية، وخروجك من اهنه عيكون مستحيل بـ أمر القانون!"

تحرك قاسم بـ خطوات رعدية ثقيلة تسببت في صرير الحديد حول قدميه، واقترب بـ وجهه الحاد من قضبان السجن حتى لفحت أنفاسه الحارة الحارقة وجه الضابط، وضيق عينيه الصقرية بـ وعيد زلزل كيان الزنزانة، وزأر بـ صوت رخيم عميق شق عنان السجن بأسره:

ـ "القانون والأصفاد دي مش ع تمنع سلطان الجبل من حماية عرينه واصل يا حضرة الضابط!! أنا سلمت نفسي بـ يدي عشان أحمي نجع الراوي من الإبادة، بس لو شممت ريحة غدر ع تسير وراء ظهري لـ مرتي ليلى، فـ أنا ع أكسر الحديد بـ يدي العارية وع أهدم السجن فوق رؤوسكم، وع أعود لـ عريني بـ القوة! قانون العشق والدم اهنه أقوى من أوراقكم بحالها، وبكرة ع تشهدوا جبروت ولد الراوي واصل الليلة!"

أغمض قاسم عينيه بـ عنف، وتمثل أمامه خيال ليلى بـ ثوبها الأبيض الحريري وعنادها الأسطوري، ودفن روحه في ذكرى آخر قبلة حارة عَمّدت تملكه لها وسط ألسنة اللهب، وأقسم بـ جمر قلبه أن الفراق ع يكون كفناً لـ كل من تآمر ضد مملكتهم المشتعلة.

وفي الصعيد، تحت جنح الظلام الكاحل، تحولت السرايا الكبيرة إلى قلعة تشتعل بـ زئير النمر الكاسر.

كانت "ليلى" تقف في منتصف البهو السفلي، ملتفة بـ عباءة قاسم الكشميرية الفاخرة التي كانت تفوح منها ريحة التبغ الصعيدي وعطره النفاذ الذي يمنحها الحياة والقدرة على المواجهة. شال السلطان الأسود الثقيل كان يلتف حول رأسها بـ كبرياء جبار، وبـ يدها الصغيرتين كانت تقبض على السلاح الآلي الثقيل الخاص بـ زوجها بـ ثبات أذهل كبار الحراس الثقات وعائلات نجع الراوي بـ أكمله. إلى جانبها كانت تقف "فرحة" بـ معصمها الملفوف بالجبس، وعيناها تفيضان بـ شجاعة ولدت من رحم الندم والتكفير عن خطايا الماضي.

أمامها، كان ينتشر أكثر من مائتي مقاتل مدججين بـ أحدث البنادق وقاذفات الدروع، وعيونهم الصخرية تشتعل بـ نخوة صعيدية أصيلة فجرها جبروت البديلة التي تحولت لـ سلطانة تقود الجبل بـ نفس عهد زوجها الأسير.

ـ "يا رجال الراوي واصل!!" هتفت ليلى بـ صوت قوي جهوري ملأ أركان السرايا وتردد صداه كـ الرعد في شقوق الجبل الشرقي بالخارج. "السلطان اتساق بالحديد لـ سجون العاصمة عشان يحمي أرضكم وعرضكم بـ صدره العاري، والنهار ده الخيانة جِه من بطن الجبل الغربي بـ يد الجنرال صبري الشناوي اللي خطف أختي وتوأمي نورهان عشان يسرق حسابات عيلتنا بـ القوة! العرين مابقاش بـ دون مارد.. ليلى حرم السلطان ع تكون السلاح والكفن لـ عائلة الشناوية الليلة! السيارات تتحرك للحال نحو 'الممر الملعون للغرب'، والنار بالنار، والدم بالدم، ومش ع نعود واصل إلا ونورهان معنا ورقاب الخونة تحت مداس رجلين رجال الراوي!!"

انطلق مئات المقاتلين بـ صرخات حرب زلزلت الصعيد بأسره، وعمروا أسلحتهم بـ غل وجنون، وتحرك الموكب المهيب كـ السيل الجارف؛ عشرات من سيارات الدفع الرباعي والمدرعات الصغيرة اندفعت بـ سرعة الصقر تخترق ظلام الليل وضبابه الرمادي الكثيف، متجهين بـ قيادة ليلى نحو معقل الجبل الغربي الملعون لـ خوض المعركة الأشد دموية وطحناً في تاريخ التار.

تسلل الموكب بـ ذكاء وعزيمة لا تلين عبر الممر الجبلي الضيق للغرب، مستغلين خريطة الترددات الإلكترونية التي حفظتها نورهان سابقاً وأطلعت عليها ليلى. الأجواء كانت غارقة في رطوبة خانقة، وريح الغرب تطلق صفيراً موحشاً يشبه عواء الذئاب الجائعة وسط الصخور النخرة.

وصلت ليلى بـ رجالها إلى الأسوار الحجرية العتيقة للمعقل العسكري السري لـ صبري الشناوي. وبـ حركة طاغية ومجنونة، صوب رجال قاسم قاذفات الدروع نحو البوابات الحديدية الحصينة للمبنى بـ أمر من ليلى؛ لـ تنطلق القذائف بـ ثوانٍ معدودة بـ دويٍّ هائل ومرعب تزلزلت له تلال الغرب بـ حالها!

انفجرت البوابات وتطايرت الصخور كالمطر الأسود، واندلعت النيران البرتقالية الحارقة في الباحة الخارجية، لـ تبدأ معركة الاقتحام الكبرى بـ صدمة وعنف أطاح بـ أنفاس رجال الشناوية الملثمين بـ الداخل!

ـ "اقتحموا الدار يا هوارة واصل!!" صرخت ليلى وعيناها تشتعلان بـ بريق النمر الجريح، وسلاحها الآلي يطلق الرصاص بـ دقة وثبات لا يلين حصد الأرواح بدم بارد.

اندفع رجال الراوي كـ السيل وسط سحب الدخان الخانق، والاشتباك المسلح تحول لـ مجزرة طاحنة؛ رصاص ليلى ورجالها كان يطحن الملثمين في ثوانٍ، والدماء القرمزي الحار صبغت الجدران الصخرية وسط أصداء صرخات الحرب والوعيد الصاخب لـ حمية العرين وسلطانته.

وفي ذات اللحظات المشتعلة بالنيران والدم داخل الغرفة الحجرية المحصنة في باطن المعقل، كان "الجنرال صبري الشناوي" يتابع انهيار رجاله بره بـ غيظ صاعق وذهول مطلق؛ لم يكن يتوقع واصل أن ليلى البديلة ع تقود ميتين مقاتل بـ هذا الجبروت والقسوة وتقتحم جحره في غياب زوجها!

التفت نحو نورهان المكبلة بـ السلاسل، وتحول وجهه الماكر لـ قناع من الغل والجنون الأعمى؛ قبض على شعرها الطويل وجذب رأسها للخلف، ورفع الخنجر المسموم عاليًا وزأر بـ صوت أجوف:

ـ "أختكِ الكلبة وصلت اهنه بـ السلاح!! بس والـله ما ع تطلعوا صاحيين من الجبل ده واصل!! النهار ده عأدبحك بدم بارد وعأسحب جثتك لـ ساحة السرايا عشان أكسر كبرياء قاسم ليوم الدين!!"

انفجر الباب الحجري السميك للغرفة بـ قذيفة يدوية أطلقتها ليلى بـ نفسها، لتتطاير الشظايا وسط الدخان الكثيف الخانق الذي ملأ الرئتين! ومن بين الوميض البرتقالي للنيران، اندفعت "ليلى" كـ النمرة الكاسرة الموتورة. كان شال قاسم يطير خلفها كالعاصفة، وعباءته تحيط بـ جسدها بـ هيبة ملوك الصعيد، وسلاحها الآلي يقطر من دماء الخونة الذين حصدتهم في الممرات الجوانية.

عندما رأتها نورهان من وسط غيبوبتها ورعبها، التمعت عيناها بـ دموع صافية وصراخ لوعة وعشق لـ أختها التوأم:

ـ "ليلى!!! خدي بالك واصل!! الخنجر مسموم وعنده رجال المنظمة وراء الجدار!!"

لم تلتفت ليلى، بل ثبتت عينيها الواسعتين اللتين تحولتا لـ جمرتين من الغضب والتحدي على صبري الشناوي، وقالت بصوت قوي جهوري زلزل أركان الغرفة الصخرية:

ـ "ألاعيبك وقوانينك الملعونة خلصت يا صبري الخاين واصل!! قاسم الراوي سلم نفسه عشان يحمي النجع، بس ساب وراء ظهره سلطانة خابرة كيف ع تقطع رؤوس التعالب بـ يدها! سيب أختي ونزل سلاحك، وإلا والـله الليلة ع تكون كفنك ومذبحك بـ دمي وبـ سلاح السلطان!!"

ضحك صبري ضحكة هستيرية خبيثة، وقرب النصل المسموم أكثر من حنجرة نورهان بـ دم بارد:

ـ "خطوة واحدة واصل يا بنت عثمان وعأفصل راس أختكِ عن جسدها للحال!! سلاحك ينزل على الأرض، وإلا الموت ع يكون أسرع من رصاصكِ!!"

تصلب جسد ليلى، وعلمت بـ ذكائها الصعيدي الأصيل وعنادها أن صبري لا يرحم واصل؛ خفضت سلاحها الآلي بـ بطء شديد ووئيد، لـ تظن الأفعى صبري أنها استسلمت لـ تهديده.

ولكن، في ذات الثواني الدقيقة والخاطفة للأنفاس، انشقت الأرض فجأة من خلف صبري الشناوي بـ شكل صاعق حبس الأنفاس! وبـ حركة الأشباح الخفية، برزت "فرحة" من بين شقوق الجدار الخلفي للسرداب الذي تسللت منه بـ معصمها الملفوف بالجبس بـ شجاعة انتحارية تغلغلت في عروقها!

وبكل ما أوتيت فرحة من غل قديم ورغبة عارمة في التكفير عن ذنبها وحماية شقيقاتها التوائم، رفعت بـ يدها الحرة "نصل الخنجر الصغير البديل" لـ قاسم الذي أخذته من المندرة، وبـ ضربة واحدة حارقة وغاضبة غرسته بـ عمق في ظهر الجنرال صبري الشناوي!

أطلق صبري زئيراً جريحاً، صرخة قهر زلزلت الكهف الصخري، وتراجع للخلف بـ ذعر وهو ينزف بـ غزارة وسقط الخنجر المسموم من يده الحديدية ليرتطم بـ الرخام بـ صوت معدني رنان.

انتفضت ليلى بـ لمح البصر وبـ حركة طاغية ومجنونة بـ عشق وتملك لا يرحم؛ التقطت سلاحها الآلي بـ ثبات أسطوري، وبدم بارد أطلقت دفعة رصاصات دقيقة وقاتلة ومروعة لتخترق صدر الجنرال صبري الشناوي بـ لمح البصر تماماً! اتسعت عينا صبري بـ ذهول مطلق وصدمة صاعقة وهو ينظر إلى التوائم الثلاثة (ليلى، فرحة، ونورهان) الذين وقفوا بـ يد واحدة تشابكت بـ عهد الدم والعشق والقسوة، وتهاوى جسده الفاره جثة هامدة تتلوى وسط تراب الغرفة المشتعلة، لتنتهي صفحة خيانته وجيوشه للابد تحت مداس رجلين السلطانة وشقيقاتها بـ نصر زلزل الصعيد بحاله.

ركضت ليلى وفرحة نحو نورهان، وبـ ضربات حاسمة كسروا الأقفال الحديدية لـ تتحرر بـ لوعة وعشق ودموع غسلت وجوه التوائم الثلاثة في عناق أسطوري حارق تلاقت فيه الأنفاس وسط أدخنة النصر بالداخل. سحبت ليلى عباءة قاسم الكشميرية ولفتها حول جسد نورهان لـ تحميها بـ أمان السلطان، وخرجن بـ هما وسط حراسة مئات الرجال الشجعان الذين قهروا بقايا الملثمين في ثوانٍ معدودة.

أركبت ليلى نورهان وفرحة في المدرعة الأمامية، وتحرك الموكب المهيب العاصف بـ سرعة الصقر عائداً نحو السرايا الكبيرة بـ نصر زلزل أركان النجوع بـ حالها؛ فـ التوائم اتحدوا، والخونة تفحموا بدم بارد، والعرين صمد بـ فضل جبروت وعناد الوردة الصعيدية ليلى التي أثبتت للكون كله أنها جديرة بـ عرش السلطان.

ومع خيوط الصباح الجديدة الصافية، عاد الموكب لـ باحة السرايا الكبيرة وسط زغاريد آلاف النساء وهتافات رجال نجع الراوي وعائلات أبو المجد الذين خرجوا بـ بهجة وفرحة أسطورية هزت أركان الجبل الشرقي؛ فـ السرايا صمدت بـ كبرياء ملوك الصعيد، ونورهان عادت لـ حضن شقيقاتها بـ أمان، والأم نبيلة كانت واقفة في الشرفة تطلق دموع الفرح والافتخار بـ زوجة ولدها ليلى الكاسرة.

نزلت ليلى من المدرعة بـ خطى ثابتة ومهيبة، والعباءة الكشميرية تحيط بـ ثوبها الأبيض المطرز بـ دماء المعارك، وشال السلطان يطير خلفها كالعاصفة، ووقفت في منتصف الباحة ونظرت نحو شقيقاتها وأمها بـ نظرة تملك وعشق جارف غسل أوجاع الماضي وقهر السنين بالكامل.

ولكن، بـ ينما كان النجع غارقاً في الاحتفالات الصاخبة وصوت المزامير يملأ الأجواء، تحركت فجأة ثلاث سيارات دفع رباعي سوداء ضخمة ومصفحة بـ شكل عسكري مرعب، واقتحمت البوابة الرئيسية للسرايا الكبيرة بـ فرملة عنيفة وعالية حبست الأنفاس وتوقفت معها القلوب بـ رعب وجنون!

انفتحت الأبواب الجانبية للسيارات بـ صمت مريب كـ طيف الموت؛ وترجل منها ثمانية من الرجال الضخام الجثة، يرتدون حُفلاً قتالية عسكرية سوداء لا تحمل أي شعار، وملامحهم باردة كالتلج وأعينهم تقطر بـ لؤم وغدر شيطاني لا يرحم! لم يكونوا من الصعيد، ولم يكونوا من رجال المنظمة القديمة واصل؛ بل كانوا كأطياف منسية انشقت من تحت الأرض بـ أمر صاعق!

وفي منتصفهم، ترجل راجل في الخمسينات من عمره، ذو شعر أبيض مهيب، وبنية عضلية فارهة تتحدى الجبال، وملامح حادة كالنصل وعيون زرقاء تشع بـ جبروت ومكر أعمى تجمعت معه الأنفاس في الصدور! كان يرتدي معطفاً جليدياً فاخرًا وساعته الذهبية تلمع بـ وميض مريب، وكان يحمل في يده يمنى "حقيبة معدنية فضية صغيرة" محفورة عليها شفرة رقمية معقدة.

تقدم هذا الرجل بـ خطوات رعدية ثقيلة زلزل أركان الباحة الرخامية، وصوت خطواته كان يبدو لـ قلب ليلى كـ خطوات عزرائيل الموتور؛ وقف أمام ليلى والتوائم الثلاثة مباشرة دون خوف بـ رغم مئات البنادق التي صوبها حراس الراوي نحو صدره بـ ذعر وجنون!

نظر الرجل بـ عينه الزرقاء الباردة لـ وجه ليلى ونورهان بـ ابتسامة خبيثة ومقززة، وبأصابع ميتة لا تصدر صوتاً، فتح الحقيبة المعدنية الفضية بـ ضربة واحدة؛ لـ يظهر بـ داخلها "عقدُ زواجٍ رسمي وقديم ومسجل بـ أعلى أختام الدولة بـ مصر من تلاتين سنة" بـ ذات الحبر والخط العتيق لعائلات أبو المجد والراوي الكبرى!

ولكن الصدمة الأسطورية والقهر الذي جمد الدماء في العروق.. كان الاسم المكتوب في عقد الزواج القديم؛ حيث كان العقد يثبت أن "الحاجة نبيلة" والدة السلطان قاسم، قبل زواجها من منصور الراوي بـ تلاتين سنة، كانت متزوجة بـ السر والشرع والقانون من هذا الرجل بالذات.. الرجل الذي يقف أمامهم في الباحة!

وهذا الرجل لم يكن سوى "المؤسس الخفي الحقيقي والممول الأول لـ تجارة السلاح الدولية بـ مصر بحالها.. الباشا الميت الحي 'جلال السيوفي'!!" الرجل الذي ظن الجميع أنه انتحر من عشرين سنة، لكنه عاد من قبره بـ الأوراق الرسمية لـ يطالب بـ ورثه وعرشه ودمه!

التفت جلال السيوفي نحو الحاجة نبيلة التي سقطت على ركبتيها في الشرفة تصرخ بـ رعب وذهول مطلق كأنه رأت شيطاناً، ثم ثبت عيونه الزرقاء الباردة على ليلى والتوائم الثلاثة بـ مكر شيطاني اهتزت له قمم الجبل الشرقي بالخارج، وصاح بـ صوت جهوري أجش شق عنان السماء وجمد القلوب في ثانية واحدة خاطفة للأنفاس:

ـ "ألاعيب العيال الصغار خلصت في الصعيد يا حرم السلطان واصل!! قاسم الراوي مش ولد منصور الراوي بـ الحق والشرع.. قاسم يكون 'ابني الحقيقي والشرعي' من دم جلال السيوفي بـ أختام الدولة وعقد الزواج القديم ده!! والنهار ده أنا جيت القاهرة والصعيد عشان آخذ ابني قاسم من الحديد، وعليكم تسليم السرايا والأملاك والتوائم الثلاثة لـ طاعتي للحال بـ حكم الدم والوراثة الكبرى.. وإلا والـله الليلة ع تكون القيامة وعأمحي اسم عيلة الراوي وأبو المجد من فوق الأرض في ثانية واحدة !!"

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • وردة في عرين السلطان   هدنة الدم

    في الجناح العلوي من السرايا، حيث تنعزل الأنفاس عن ضجيج العالم الخارجي ومؤامراته الخبيثة، كان الصمت يفرض هيبته، صمتٌ غليظ مشحون بالتوتر العاطفي والخوف الذي لم يهدأ بعد. انقشعت غُمّة المعركة من وراء الأسوار، لكن شظاياها ظلت عالقة في الوجدان. كان الضوء الخافت المنبعث من المصباح النحاسي المعلق في زاوية الغرفة يلقي بظلاله الطويلة والراقصة على الجدران العتيقة، ليرسم لوحة سريالية لجسدين أضناهما العشق والبارود.كان قاسم يجلس على طرف الفراش الوثير، بعد أن خلع عباءته الصعيدية التي تلطخت بغبار الجبل، وفتح أزرار قميصه الأبيض القطني ليظهر صدره العريض الذي لفحته نيران المعارك. لم يكن صدره مجرد جسد لرجل، بل كان خريطة حية من الندوب والجروح الطازجة؛ خدوش عميقة تركتها شظايا الصخور المتناثرة بفعل الانفجارات، ودماء قانية تخثرت على جلده الأسمر بفعل حرارة الجو، ترسم خطوطاً من الكبرياء والوجع. كان يتنفس بصعوبة، ليس عجزاً، بل من فرط المشاعر المتلاطمة في صدره كأمواج بحر هائج، وعيناه المثبتتان على الفراغ تلتمعان بجمر الغضب والغيرة الشرسة التي لم تنطفئ بعد.جثت ليلى على ركبتيها بين قدميه، كانت تبدو كح

  • وردة في عرين السلطان   في جبل الرواي

    طغت ظلمة مطبقة على جنبات المغارة الصخرية في قلب "جبل الراوي"، ذلك الكيان الحجري العتيق الذي شهد على ملاحم النجع لقرون. لم يكن يكسر هذا السواد الدامس سوى الوميض الأحمر والأزرق المتقطع للأجهزة الإلكترونية المتقدمة، وشاشات الرصد والتعقب الحراري التي نصبتها منظمة "جوليا" الدولية في زوايا المغارة كأخطبوط تكنولوجي غريب عن طهارة الأرض. كانت الأجواء داخل التجويف الصخري مشحونة برائحة البارود الساخن الخانقة، والتراب الكثيف الذي تذرّه الأقدام المذعورة في حركتها العشوائية. كان رجال جوليا المدججون بأحدث الأسلحة الأوتوماتيكية وأجهزة الرؤية الليلية المثبتة فوق خوذاتهم يضيقون الخناق ببطء وتكتيك عسكري صارم على قاسم، محاولين حصاره في زاوية ميتة لإنهاء أسطورة "سلطان الجبل" التي أَرّقت مضاجعهم، ودفن سره معه مرة وإلى الأبد.في تلك اللحظة الحرجة التي بلغت فيها القلوب الحناجر، كانت ليلى تقف خلف إحدى الركائز الصخرية العتيقة، ملتصقة بالجرانيت البارد كأنها جزء منه. شعرت بنبضات قلبها تتسارع بعنفوان يزلزل صدرها، ولم يكن هذا الوجيف رعباً على حياتها أو خوفاً من رصاصة طائشة، بل كان هلعاً خالصاً وجارفاً من أن

  • وردة في عرين السلطان   العودة للعرين

    انسلَّت خيوط الليل الأخيرة فوق مياه نهر النيل الساكنة، لتترك خلفها عاصفة الدماء والبارود وتغلف شرفة القصر السري في البندر بهدوء شتوي عذب شابه مسحة من الشجن. ساد الصمت والسكينة أرجاء الشرفة الشاسعة، ولم يكن يقطعه سوى الحفيف الخافت لأوراق الأشجار المنعكسة في عتمة المجرى المائي. كان وهج الشموع النحاسية الموضوعة في زوايا الشرفة يلقي ظلالاً دافئة، راقصة ومطمئنة فوق الرخام البارد، ممتزجاً برائحة بخور العود النقي والياسمين الجبلي الذي كان يفوح من ثياب "سلطانة العرين".كانت ليلى تقف مستندة بجسدها الرقيق إلى السور الحجري للشرفة، وتتنفس بعمق بعد شهور ووعثاء أيام طوال أضناها المرض؛ إذ شعرت ليلى بتحسن مؤقت يسري في أطرافها بعدما تراجعت حدة سموم وموجات المنظمة الدولية إثر غلق قاسم وسليم لشفرة الأجهزة الترددية في البندر. كانت ترتدي ثوباً قطنياً ناعماً يتطاير مع هبات النسمات النيلية الباردة، وشعرها الغجري طويل الخصلات ينسدل بحرية فوق كتفيها كشلال من الظلام. لم تمر لحظات حتى شعرت بأنفاس ساخنة مألوفة تحرق قفا نحرها، وذراعين كالفولاذ تلتفان حول خصرها النحيل بجنون وتملك شرس أطاح بكل مسافات الخوف.جذبها ق

  • وردة في عرين السلطان   غزو سفح الجبل

    تحدثت جوليا بـ صوتها الحاد البارد الذي يقطر بـ الغطرسة والوعيد، قائلة بـ لغتها العربية المكسورة:ـ "بـ سرعة يا رجال.. ميرال واللواء رفعت فرضوا العزل على النجع بـ الأوراق والقوانين، وقاسم الراوي دلوك بـ يتحارب مع كبرياء حريمه بـ السرايا وم ع يشمش خبر بـ اللي بـ يدور اهنه. المناشير الليزر لازم تقطع في قلب الصوان ده قبل طلوع الفجر، ونفك الردم عن بوابة الأبعاد بـ أي تمن. الأبحاث الدولية مستنية طاقة الجبل ده، والمنظمة ع تدفع الملايين للي يخلص الشغل ويشيل آل الراوي من طريقنا للأبد!"في تلك اللحظة الحرجة التي كانت الأجهزة تنهش فيها أحشاء الصخور بـ أزيزٍ حراري مكتوم، كان قاسم الراوي يقف في "الجناح الكبير" بـ السرايا، ممسكاً بـ يد زوجته وسلطانة قلبه "ليلى". كانت الغرفة تغرق في ظلال دافئة يعكسها وميض الشموع المتراقصة، تفوح بـ عبير العود وميثاق الحب الناضج الذي عُمّد بـ الدم والتحدي. كان قاسم يرتدي جلبابه الصعيدي الأسود، وقامته الشاهقة تلقي بـ ظلال الهيبة فوق الفراش الوثير.فجأة، وتحديداً مع أول ضربة لـ ليزر المنظمة في سفح الجبل، انتفض جسد قاسم بـ عنفٍ صاعق شل أطرافه لـ ثوانٍ. تلاح

  • وردة في عرين السلطان   قنص الذئاب في دهاليز العتمة

    أسدلَ الليلُ العتيمُ سِتارهُ الأسودَ الثقيلَ فوق شعاب النجع والدروب الملتوية المؤدية إلى ظلال الجبل الشرقي، ليخنق آخر أنفاس الضياء ويحيل الحركة إلى ما يشبه ممر الأشباح. كان الهواء يلسع الوجوه ببرودةٍ جافة قارسة، محملًا برائحة تراب المحاجر الرطب ونبت الحلفاء البري الذي يئن مع عصف الرياح. لم يكن الصمت في هذه البقعة النائية من النجع يحمل طمأنينة؛ بل كان صمتًا مطبقًا مشحونًا بفحيح المؤامرات الخفية ونذر الفاجعة الطاحنة، حيث بدأت خيوط المكر التي حكتها ميرال السيوفي والمنظمة الدولية تتلوى كالأفاعي في عتمة الليل، لتسهيل هروب أذنابهم بعد أن سحق قاسم هيبتهم في الديوان وابتلع أنياب قوتهم الأمنية ببروده الملوكي.في جوف هذا الظلام الخانق، وتحديداً عند "ممر الصخور الميتة"—وهو الممر الضيق الوعر الذي يشكل المخرج السري الوحيد من النجع صوب البندر—كان "سليم الراوي" يربض كالنمر المستعد للاقتناص. كان يتشح بجلبابه الصعيدي الداكن الذي يذوب في سواد الليل، وعباءته الثقيلة مستقرة فوق كتفيه العريضين لـ تستر عتاده وسلاحه الآلي الذي يلقي ببريقٍ معدني خافت مع كل هبة ريح. كانت عيناه الصقريتان الحادتان تجولان

  • وردة في عرين السلطان   نذر الزحف الغادر

    غابتْ شمسُ العصرِ خلفَ سنامِ الجبلِ الشرقيِّ الوعرِ، تاركةً وراءَها شفقاً مدمىً بـ الحمرةِ النحاسيةِ الساخنةِ، صبغَ جدرانَ سرايا آل الراوي بـ ظلالٍ من الوجلِ والترقبِ الخانقِ. كان النجعُ يعيشُ في تلك الساعاتِ على صفيحٍ ساخنٍ؛ فالهمساتُ تنخرُ في بيوتِ الطينِ عن صكوكِ ميرال السيوفي ووعودها المسمومةِ التي شقتْ صفوفَ الكبارِ. هواءُ المساءِ القادمِ من صوبِ النيلِ كان يحملُ برودةً مريبةً، غسلتْ عتباتِ السرايا الحجرية العتيقةِ بـ رائحةِ الغبارِ الرطبِ ونبتِ الحلفاءِ، ممتزجةً بـ فحيحِ مؤامرةٍ قذرةٍ كانت تُطبخُ على نارٍ هادئةٍ في دهاليزِ النفوذِ وراءَ البحارِ وفي غرفِ البندرِ المظلمةِ.في "غرفةِ المراقبةِ والاتصالِ السريةِ" القابعةِ في أحشاءِ السرايا السفليةِ، حيثُ تلتقي جدرانُ الحجرِ الصوانيِّ الأسودِ بـ التكنولوجيا الحديثةِ، كان "سليم الراوي" يقف كـ نمرٍ محبوسٍ في عرينهِ. كان يرتدي جلبابه الداكنَ المنبثقَ من سوادِ الليلِ، وعباءتهُ الشتوية الثقيلة تنسدلُ فوق كتفيهِ العريضينِ، متأهباً بـ سلاحهِ الشخصيِّ المحشوِ بـ الذخيرةِ الحيةِ. كانت الأجهزةُ اللاسلكيةُ المشفرةُ تومضُ بـ أضواءٍ حم

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status