Home / الرومانسية / وردة في عرين السلطان / "وسمُ الراوي.. ونبش القبور"

Share

"وسمُ الراوي.. ونبش القبور"

last update publish date: 2026-05-21 07:24:24

أنفاسه الحارقة كانت تقيدها أكثر من قبضته الحديدية التي تعتصر معصمها. لم يكن قاسم الراوي مجرد زوج غاضب، كان إعصاراً من الكبرياء الجريح يوشك أن يقتلع الأخضر واليابس. نظراته التي كانت تتفرس في ملامحها بدأت تتغير، لم تعد ملامح "فرحة" هي ما يراه، بل بدأ يرى هذا التحدي الصامد في عيني "ليلى"، التحدي الذي لم يجرؤ مخلوق في الصعيد على مجابهته به.

أطلق معصمها فجأة بدفعة خفيفة جعلتها ترتد خطوة للخلف، لكنها حافظت على توازنها ولم تنزل عينيها عنه. تحرك نحو طاولة خشبية عتيقة في زاوية الغرفة، وسحب من فوقها صندوقاً خشبياً صغيراً، مطعماً بالصدف والنحاس، كان قد جلبه معه. ألقى بالصندوق على الفراش القرمزي، ليصدر صوتاً مكتوماً زاد من توتر الأجواء.

ـ "عارفة إيه ده يا بنت أبو المجد؟" قالها قاسم وهو يلتفت إليها، وعيونه تضيق كصقر يوشك على الانقضاض. "ده الصندوق اللي رجالتنا لقوه في المغارة الجوانية ورا النجع.. المكان اللي كانت فرحة عتقابل فيه أدهم الهواري من ورايا! الصندوق ده فيه ريحة الغدر اللي عتفوح من عيلتكم!"

تقدمت ليلى بخطوات بطيئة نحو الفراش، وعيناها معلقتان بالصندوق. شعرت ببرودة تسري في أوصالها، لكنها جاهدت لتظل نبرتها ثابته:

ـ "وأنا مالي ومال صندوق عمايلهم يا قاسم؟ قولت لك مية مرة، أنا ماليش ذنب في اللي حصل.. أنا 'دية' جيت لحقن الدم وبس!"

بلمحة بصر، كان قاسم قد اقتحم المسافة بينهما مجدداً، قبض على يدها اليمنى، وتحديداً فوق ذلك "الوشم" الصغير لوردة دقيقة كانت قد رسمتها في صغرها مع أختها. ضغط على الوشم بقسوة أطلقت صرخة ألم مكتومة من بين شفتيها، وهمس بفحيح مرعب وعيونه تشتعل بغيرة جنونية لم يعهدها في نفسه من قبل:

ـ "الوشم ده عيتمسح الليلة يا ليلى.. مفيش حد عيكون ليه أثر فيكي واصل غيري! علامة 'الراوي' هي اللي عتكون على قلبك ويدك من الليلة. وإذا كان أدهم وفرحة فاكرين إنهم حرقوا هيبتي، فأنا عأحرق قلبهم بيكي إنتي.. إنتي بقيتي ملكي، مِلك السلطان!"

التقت عيناهما في مواجهة صامتة حارقة، كانت ضمة يده قاسية، لكن كان هناك شيء آخر يسري في الأجواء.. غيرة تملك أعنف من أن تكون مجرد رغبة في الانتقام لأجل أختها. وفجأة، وبحركة عنيفة، سحبها إلى حضنه بقوة خلتها مش عارفة تتنفس. كانت ضمة طاغية، ممزوجة بوجع سنين وكبرياء مهدد، وعشق مستتر ورا جبال من القسوة الصعيدية.

حاولت ليلى دفع صدره العريض بكل ما أوتيت من قوة، لكنها كانت كمن يحاول تحريك صخرة من صخور الجبل. هتفت بنبرة غلب عليها القهر والوجع:

ـ "سيبني يا قاسم! الموت أهون عليا من إنك تلمسني بالغصب! إنت مش عتنتقم من أختي فيا، إنت عتظلمني وأنا ماليش حد اهنه.. أنا ماليش حد غيرك دلوقت حتى لو كنت إنت سجاني!"

عند سماع جملتها الأخيرة: "أنا ماليش حد غيرك دلوقت"، اهتز جسد قاسم بالكامل، وتباطأت أنفاسه الثائرة. تلاقت الأعين لثوانٍ بدت كأنها دهر؛ رأى في عينيها انكسار الوردة التي تطلب الحماية من السجان نفسه، ورأت في عينيه ضعف "السلطان" الذي أرهقه الغدر.

أرخى قبضته عنها ببطء، وتراجع خطوة إلى الوراء وهو يتنفس بصعوبة، كأنه يطرد غواية تملكت منه. التفت نحو الصندوق وكسر قفله النحاسي القديم بنصل سكين صغير سحبه من طيات جلبابه. انفتح الصندوق، ليفوح منه ريح بخور قديم، وظهر ما بداخله: "منديل" محلاوي أبيض مطرز بخيوط حمراء تحمل حرفي (أ) و (ف).. أدهم وفرحة. وتحته "قفل" حديدي قديم مكسور.

تسمّرت ليلى في مكانها عندما رأت القفل، وشحب وجهها تماماً. لاحظ قاسم ردة فعلها، فسحب القفل المكسور ورفعه أمام وجهها قائلاً بنبرة تقطر شكاً وقسوة:

ـ "خابرة القفل ده بتاع إيه يا ليلى؟ ده قفل المندرة الجوانية في بيتكم! المندرة اللي فرحة كانت عتقعد فيها ليل نهار.. يعني أدهم كان عيدخل بيتك وانتي خابرة وساكتة؟!"

ـ "لااا يا قاسم!" صرخت ليلى بحرقة والدموع تفر أخيراً من عينيها لتغسل وجنتيها. "والله العظيم كدب! بوي كان عيقفل المندرة دي ويقول إن فيها ورق العيلة وتجارتها! أنا مكنتش أعرف إنها كانت عش لخيانتا! إنت ليه عتحملني ذنبهم؟ أنا اللي انبعت وأنا اللي اتهانت كرامتي وجيت اهنه دية!"

كان قاسم يراقب دموعها بنظرة غامضة، يمتزج فيها الشك بالرغبة في تصديقها، وقبل أن ينطق بكلمة، دوت صرخة قوية من خارج السرايا، متبوعة بصوت حارس يركض في الرواق الخارجي بنبرة يملؤها الرعب:

ـ "يا سلطان!! يا سلطان الجبل الحقنا!! القبر المفتوح في المدافن الشرقية.. رجالة النجع لقوا جثة!"

التفت قاسم كالملسوع نحو الباب، وفتح الأمان الخاص بسلاحه الناري المخفي في حزامه. نظر إلى ليلى نظرة أخيرة حذرتها من التحرك، ثم اندفع إلى الخارج كالإعصار. ولم تمضِ سوى ساعة واحدة، حتى عاد إلى الغرفة، لكن وجهه هذه المرة كان شاحباً كأنه رأى شيطاناً من جوف الأرض.

وقفت ليلى برعب وسألته بصوت مرتعش:

ـ "في إيه يا قاسم؟ جثة مين اللي لقوها؟"

بص لها قاسم وعيونه تدور بذهول وصدمة زلزلت كيانه، وقال بصوت متحشرج:

ـ "الجثة اللي في القبر المفتوح لابسة لبس أختك فرحة يا ليلى.. بس ملامحها مش فرحة واصل! دي جثة خادمة غريبة! يعني أختك لسه حية وهربانة.. والورقة اللي لقيناها جوة كفن الجثة الملعونة دي، مش بخط أدهم.. دي بخط 'منصور الراوي'.. أبوي أنا يا ليلى!!"

سقطت الكلمات كالصاعقة فوق رأس ليلى، لتتسع عيناها بذهول مطلق، بينما تداخلت أصوات الرياح بالخارج مع بداية فتنة جديدة ستأكل الأخضر واليابس في نجع الراوي!

شبحُ الصمت الذي خيّم على الغرفة بعد اعتراف قاسم كان أثقل من جبال الصعيد المحيطة بالسرايا. ليلى شعرت وكأن الأرض تميد تحت قدميها، تراجعت خطوة إلى الوراء حتى ساندت يدها المرتعشة على حافة الفراش القرمزي. عيناها المتسعتان بذهول لم تنزاحا عن وجه قاسم الذي تحول إلى قناع من الحجر الصلد، وعروق جبهته كادت تنفجر من هول ما رأى في المدافن الشرقية.

ـ "أبوك؟!" خرجت الكلمة من جوف ليلى كهمسة مخنوقة، كأنها تخاف أن تنطق بالاسم فيتحول إلى حقيقة تحرق المكان. "الحاج منصور؟ كيف يا قاسم؟ كيف يدير أبوق لعبة واصل بالبشاعة دي؟ وليه يلبس خادمة لبس أختي ويدفنها وهي حية عشان النجع كله يفتكر إنها ماتت؟!"

خطا قاسم نحوها خطوات وئيدة، لكنها كانت أشبه بخطوات النمر الجريح. سحب من جيب جلبابه الداخلي ورقة مطوية، كانت مبللة بقليل من تراب القبر الملعون، وبسطها أمام عينيها بقسوة. لم تكن ورقة عادية، بل كانت صفحة من دفتر حسابات قديم يخص عائلة الراوي، وفي أسفلها توقيع الحاج منصور الراوي الشهير بخط يده الغليظ، وتحته كُتبت عبارة واحدة تقشعر لها الأبدان: «الوديعة في الجبل الشرقي.. والدم لازم يسيل لحد ما الأرض تدبل».

ـ "شوفي بعينك!" هتف قاسم بصوت جهوري مكتوم، صوته الذي كان يزلزل أركان السرايا خرج الليلة محملاً بشرخ عميق من خيانة أقرب الناس إليه. "ده خط أبوي.. الختم ده مابيفارقش يده واصل! طول السنين اللي فاتت وأنا عأقيد ناري، وعأقول أدهم الهواري غدر بيا وخطف خطيبتي، وأبويا كان واقف جنبي عيطبطب على كتفي ويقولي 'حقك عيرجع يا سلطان والجبل مابينحنيش'.. وهو! هو اللي كان عيحيك (ينسج) الكفن ده كله بيده!"

قبض قاسم على ذراع ليلى مجدداً، لكن هذه المرة لم تكن قبضته قسوة تملك، بل كانت قبضة غريق يبحث عن حقيقة وسط أمواج من الوهم. نظر في عينيها بعمق، وعيونه الحمراء تلتمع ببريق مرعب:

ـ "انطقي يا ليلى!! أنتي كنتي خابرة بالحكاية دي إياك؟ عيلتكم كانت شريكة مع أبوي في اللعبة دي؟ وافقتي تيجي اهنه دية مكسورة الجناح عشان تبقي عيون لعمك وعيلتك جوة داري؟!"

ـ "والله العظيم ما كنت أعرف واصل!" صرخت ليلى والدموع تنهمر كالشلال على وجنتيها، ولم تعد تبالي بكبرياء أو ترفع. "إحنا كنا بضاعة يا قاسم! بضاعة في سوق التار بتاعكم! عمي عثمان كان عيبكي دم على رجالنا اللي ماتوا، وأبويا مات من جهرته وقهرته على فرحة! لو كان أبوي خابر إن الحاج منصور شريك في خطف بنيته، كان حرق السرايا دي بلي فيها من زمان! إحنا انغدر بينا كيفك وأعير.. أنا جيتك اهنه دية ماليش ذنب، ودلوقت عتقولي إن الجثة اللي بكينا عليها طلعت خادمة غلبانة ماتت بدم بارد عشان لعبتكم القذرة عتكمل؟!"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • وردة في عرين السلطان   تجديد العهد

    عجّت ساحات السرايا الشاسعة وجنبات نجع الراوي ببهجة عارمة دوت أصداؤها في كبد الليل، وانقشعت تلك الغُمّة الثقيلة التي جثمت على صدور العباد لشهور. انطلقت الزغاريد الصعيدية الحارة، المتلاحقة والقوية من حناجر النساء فوق الأسطح وفي الردهات، لتشق سكون الجبل العتيق كأناشيد النصر المؤزر. تزينت أسوار السرايا بالمشاعل المشتعلة وفوانيس الضياء التي بددت كل بقعة عتمة كانت تختبئ فيها مؤامرات الأفاعي، وتبدلت ملامح الوجوم التي ارتسمت على وجوه الخدم والحشم إلى ابتسامات رضا وارتياح بعد زوال خطر ميرال وخيانة فوزية التي طهرت الأرض من دنسهما.وفي ساحة الذبح الكبرى الملحقة بالدوار الخلفي، تراكض رجال النجع المخلصون مشمرين عن سواعدهم السمراء المفتولة تحت ضوء النيران المشتعلة في الأجران. كان قاسم الراوي يقف بطوله الفارع وكبريائه الطاغي وسط الحشد، مرتجلاً بين رجاله بعباءته المقصبة بالذهب التي تفوح بعطر الهيبة والانتصار، والمسدس الثقيل يلمع بوقار في جعبته. أشار بيده القوية وعصاه الأبنوسية نحو الماشية والذبائح، وخرج صوته جهورياً، رخيماً يحمل كرم السلاطين وشهامة أهل الأرض:"اذبحوا يا رجال!.. أريحوهم واطع

  • وردة في عرين السلطان   عودة أسياد الأرض

    اجتمع كبار وعواقل نجع الراوي في ليل صامت شديد البرودة، داخل المقعد الكبير الملحق بالسرايا، حيث كانت جدرانه الحجرية العتيقة تفوح برائحة الهيبة والتاريخ. تصاعدت أعمدة الدخان الكثيف من نراجيل الشيوخ والمجالس وعقدت الوجوه الصارمة الحواجب تحت عماماتها البيضاء، خيم وجوم ثقيل على الحضور، فلا أحد كان يفهم سر هذا الاستدعاء العاجل بعد منتصف الليل، سوى أن هناك أمراً جللاً يهدد كيان النجع.جلس قاسم الراوي في صدر المجلس كطود شامخ، ترتسم على ملامحه الأبنوسية القاسية علامات النصر والدهاء، بينما كان سليم يقف خلفه كظله الحارس، يده قريبة من مقبض سلاحه. وعلى الجانب الآخر من المجلس، كانت ميرال تجلس مدعومة ببعض الأوراق المزورة، تحاول جاهدة الحفاظ على قناع البرود والغَطرسة البندرية، رغم أن رجفة خفية في أطراف أصابعها كانت تفضح ذعرها المكتوم من نظرات قاسم التي لم تفارقها.في اللحظة التي استقر فيها الصمت، وقف قاسم بطوله الفارع، وبحركة مسرحية حاسمة ألقى بالملف الجلدي الأسود وسط الطاولة المستديرة التي يتجمع حولها كبار النجع. ارتطم الملف بالخشب ليحدث دوياً جفل له الحضور. التفت قاسم إلى شيوخ القبائل وعو

  • وردة في عرين السلطان   اختراق حصون السيوفي

    قال قاسم وعيناه تثبتان اللواء في مكانه:"عارفك زين يا رفعت بيه.. عارف إنك اللواء اللي قبضت ملايين من منظمة جوليا عشان تبيع ناسك وبلدك، وعارف إنك الغطاء الكبير اللي واقف ورا ميرال والكلاب الأغراب عشان تلووا دراع قاسم الراوي بـ قضية الحجر والجنون. الملف اللي قدامك ده هو 'الصندوق الأسود' بتاعك.. فيه كل حساباتك السرية في سويسرا، وتواريخ المقابلات اللي تمت بينك وبين جوليا في المراكب العايمة، وأوامر رفع الحراسة عن النجع عشان رجالة المنظمة يدخلوا يسرقوا الدهب."شحب وجه اللواء رفعت تماماً، وارتعشت يده التي تمسك السيجار وسقطت فوق المكتب. فتح الملف بسرعة بـأصابع ترتجف، وبدأ يقلب الأوراق التي تحتوي على صور مستندات رسمية وتحويلات بنكية لا تقبل الشك، وهي أدلة كافية لتعليقه على حبل المشنقة بتهمة الخيانة العظمى وتلقي الرشاوي. نظر إلى قاسم بذعر وهوان وقال:"أنت.. أنت جبت الحاجات دي منين؟ قاسم.. اسمعني، إحنا ممكن نتفاهم.. كل حاجة وليها حل."انحنى قاسم نحو وجهه بقسوة، وضغط بسبابه على الطاولة وقال بصوت كالسيف القاطع:"الحديث عاد مفيش فيه تفاهم يا رفعت! إحنا هنا بـ نؤمر وإنت بـ تنفذ

  • وردة في عرين السلطان   ليلة الحساب

    تلبدت أجواء بهو السرايا الرئيسي بغيمة كثيفة من التوتر والترقب، وتحولت الرخامات البيضاء التي شهدت قبل لحظات إنقاذ الحاجة نبيلة إلى ساحة معركة مفتوحة. لم يعد هناك مجال للمواربة أو الأقنعة؛ فقد هبطت ميرال درجات السلم بخطوات متسارعة، حانقة، يشتعل وجهها بحمرة الغيظ والغل بعدما رأت مخططها الدنيء يتهاوى ويتحطم كشظايا الكأس الملقاة على الأرض. كانت تتقدم وعيناها تقدحان ببرود وحشي انكسر أمام صمود سلطانة الجبل.وقفت ميرال في مواجهة ليلى وسط البهو، وكانت تتنفس بحدة، ترفع رأسها بكبرياء "البندر" الزائف وتنظر إلى ليلى بعيون مليئة بالاحتقار والوعيد، وصاحت بنبرة حادة هزت جدران السرايا:"أنتِ فاكرة نفسك إيه يا ليلى؟! حتة حرمة جاهلة جاية من ورا البهائم بـ تتحداني أنا؟ بـ تكسري الكأس في وشي وعاملة فيها الحارس الأمين؟! السرايا دي كلها بـ اللي فيها هتهد فوق روسكم، وقاسم بتاعك خلاص ورق جنونه ومحوه من الدنيا في يدي، مش هتلحقي تتباكي على موته وموت العجوزة دي!"لم تهتز ليلى أنملة واحدة أمام هذا السيل من السباب والتهديدات؛ بل كانت تقف كالطود الشامخ، عيناها تلتمعان بطاقة الجبل وعنفوان الصعيد، تفيضا

  • وردة في عرين السلطان   فك أسرار الخزنة

    كان ليل القاهرة (البندر) يزحف ببطء كئيب فوق أسطح البنايات الشاهقة، حاملاً معه صخب شوارعها وضجيج سياراتها الذي لا يهدأ، لكن خلف الجدران الصماء لبرج "السيوفي" الفاخر بقلب العاصمة، كان الصمت المطبق هو سيد الموقف. تداخلت أضواء النيون المنعكسة من الشوارع عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة لترسم خطوطاً باهتة داخل المكتب الفخم والمغطى بالسجاد العجمي الثمين.وسط هذه العتمة، تحرك قاسم الراوي وسليم كالأشباح التي لا تكاد تطأ أقدامها الأرض. كان قاسم قد نزع معطفه الطويل، وظهرت بنيته الجسدية القوية بقميصه الأسود المشدود، وعيناه تلمعان ببريق ذئبي حاد يتربص بالصيد. بجواره، كان سليم يمسك بحقيبة الأدوات الإلكترونية، يوزع نظراته الذكية بين شاشات المراقبة المعطلة مؤقتاً وبين الممر المؤدي إلى الخزانة السرية.تنفس قاسم بعمق، وأخرج هاتفه المحمول المشفر الذي أضاء وجهه الأسمر الصارم. ضغط على زر الاتصال لتأتيه النبرة المتهدجة والباكية من الضفة الأخرى؛ كانت فوزية تتحدث من ركن مظلم داخل سرايا الصعيد، وصوتها يرتعش بندم حقيقي زلزل كيانها بعد تهديدات ميرال الأخيرة لها بالقتل، وقررت أن تكفر عن ذنبها وتنقذ دمها و

  • وردة في عرين السلطان   مواجهة في ردهة العز

    لم تكن شمس الصعيد قد أشرقت بعد، كان الفجر يزحف ببطء كحبر رمادي ينسكب فوق قمم "جبل الراوي" الشامخة، مغلفاً النجع بأكمله بوشاح من الضباب الكثيف والبرودة القارسة. في هذا الوقت الميت من الليل، حيث تخمد الأنفاس وتهدأ الحركة، كانت الحركة داخل المربوع الخلفي للسرايا تدور في سرية مطلقة لا يعلم مستقرها إلا الله.كان قاسم الراوي يقف أمام مرآة خشبية عتيقة، يرتدي ثياباً لم يعتد نجع الراوي رؤيته بها؛ لقد تخلى مؤقتاً عن عباءته الصعيدية الفضفاضة وعصاه الأبنوسية، ليرتدي حُلة سوداء عصرية تلتف حول جسده الرياضي العريض بصرامة، يخفي فوقها معطفاً طويلاً داكناً. كان هذا التحول في المظهر بمثابة إعلان مبطن عن تغيير استراتيجية المعركة؛ فالحرب في الجبل تحتاج للبارود والجسارة، أما الحرب في "البندر" (القاهرة) فتحتاج إلى الدهاء والسرعة والتحرك كالأشباح بين ردهات الأبراج العالية وخزائن المال المغلقة.بجواره، كان يقف سليم، ذراعه الأيمن ورجل المهام المستحيلة، يتفحص مخازن الذخيرة والمسدسات الكاتمة للصوت بتركيز شديد قبل إخفائها تحت معطفه. التفت قاسم نحو سليم، وكانت عيناه تقطران ببريق حاد كالشفرة، وقال بصوت من

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status