LOGINالفصل 36
حل المساء، وعاد الهدوء إلى المكتب. كانت ليان تجلس على حافة الطاولة، تقلب الصور، بينما وقف آدم بجوارها يتأمل الوثائق المنتشرة أمامه. قالت فجأة: — آدم، هل ستتحدث إلى عمك؟ توقفت يده فوق إحدى الأوراق. — لا. رفعت عينيها إليه. — حتى بعد ظهور اسم مكتبه في السجلات؟ أعاد الورقة إلى مكانها. — خصوصًا بعد ظهور اسمه. عقدت حاجبيها. — لم أفهم. اقترب آدم من النافذة، ووضع يديه في جيبي بنطاله. — فارس لا يعلم أننا نعيد فتح ملف الحريق. ولا أريده أن يعلم الآن. — لماذا؟ استدار نحوها. — لأن عمي أمضى عشرين عامًا يحذرني من الاقتراب من عائلة مراد. كان يكرر دائمًا أن عائلتكِ أخفت أسرارًا تسببت في مقتل والديّ. صمت لحظة، ثم تابع: — لو عرف أنني أبحث في الحريق معكِ، فلن يسأل عما وجدناه أولًا. سيسأل لماذا أثق بكِ. شعرت ليان بوخزة خفيفة في صدرها، لكنها حافظت على هدوئها. — وهل يهمك رأيه إلى هذه الدرجة؟ نظر إليها طويلًا. — يهمني أن أعرف الحقيقة قبل أن أسمح لأحد بالتأثير فيها. ثم اقترب منها. — لا أريد أن أشكك فيه دون دليل، ولا أن أمنحه فرصة لإخفاء شيء إن كان يعرف أكثر مما أخبرني. أومأت ليان ببطء. — إذن سنبقي الأمر بيننا. — وبين دانيال والجهات التي نحتاج إليها. ابتسمت بخفة. — أسرار كثيرة لرجل لا يحب الأسرار. وقف أمامها مباشرة. — وأنتِ أصبحتِ تعرفين أسراري أكثر مما ينبغي. رفعت حاجبها. — هل هذا تهديد، سيد الراوي؟ انحنى قليلًا، حتى أصبحت المسافة بين وجهيهما ضئيلة. — تحذير، آنسة مراد. ابتسمت. — لم أكن يومًا جيدة في اتباع التحذيرات. انخفضت عيناه للحظة نحو شفتيها، ثم عادتا إلى عينيها. — لاحظت ذلك. وقبل أن يقترب أكثر، رن هاتفه. أغمض عينيه بضيق، ثم أخرج الهاتف. كان دانيال. — سيدي، وجدت معلومة عن الصناديق الثلاثة. اعتدل آدم فورًا. — تكلم. — كانت أوزانها مسجلة في بوليصة النقل. صندوقان يزن كل منهما أقل من عشرين كيلوغرامًا، أما الثالث فكان أثقل بكثير. — كم؟ — اثنان وثمانون كيلوغرامًا. تبادلت ليان وآدم نظرة. تابع دانيال: — والأغرب أن الصندوق الثالث لم يُنقل إلى الوجهة نفسها التي نُقل إليها الآخران. — إلى أين ذهب؟ — إلى مخزن خاص خارج إيفورا، كان مستأجرًا باسم جوليان كراوس… مدير مكتب عمك السابق. ساد صمت قصير. قال آدم: — أرسل العنوان إلى المفتش موريس. أريد التحقق من سجلات المخزن أولًا، دون أن يعلم فارس أننا نبحث عنه. — مفهوم، سيدي. أغلق الهاتف. نظرت ليان إلى اللوح الزجاجي. ثلاثة صناديق. ممران قديمان. ورجل واحد ظهر اسمه بين مكتب فارس الراوي ومخزن مجهول. رفعت عينيها نحو آدم. — يبدو أننا وجدنا خيطًا جديدًا. نظر إلى اسم جوليان كراوس المكتوب أمامه. — وربما وجدنا أول شخص يستطيع أن يخبرنا ما الذي خرج من إيفورا السابع بعد الحريق. في صباح اليوم التالي، استيقظت إيفورا تحت سماء رمادية. كان آدم في مقر شركته، يجلس على رأس طاولة الاجتماعات، بينما يعرض المدير المالي نتائج الربع الأخير. لم يكن في القاعة رجل يجرؤ على مقاطعته. وحين اكتشف اختلافًا بين رقمين في التقرير، رفع عينيه ببطء. — من راجع هذه البيانات؟ تبادل الموظفون النظرات. أجاب أحدهم بتردد: — القسم المالي، سيدي. أغلق آدم الملف. — لم أسأل عن اسم القسم. ساد الصمت. — أريد تقريرًا مصححًا على مكتبي قبل الثالثة. الاجتماع انتهى. نهض الجميع تقريبًا في اللحظة نفسها. بقي رافاييل جالسًا في مقعده، يراقب صديقه بابتسامة ساخرة. — أتدري أنك تجعل هؤلاء الرجال يخافون من التنفس؟ ارتدى آدم سترته. — لو أدوا عملهم جيدًا، لما احتاجوا إلى الخوف. ضحك رافاييل. — أنت بحاجة إلى إجازة. — وأنت بحاجة إلى عمل. — لدي عمل مهم للغاية هذه الفترة. نظر إليه آدم بفتور. — إغواء امرأة جديدة؟ وضع رافاييل يده على صدره متظاهرًا بالإهانة. — يا لقسوتك! سأرافق سيلين إلى مزاد خيري. رفع آدم حاجبه. — سيلين دوبوا؟ — هل تعرف سيلين أخرى تستطيع إهانتي خمس مرات خلال عشاء واحد وتجعلني أرغب في رؤيتها مجددًا؟ ظهرت ابتسامة عابرة على وجه آدم. — يبدو أنك وجدت من يناسبك. — وأنت؟ تلاشت ابتسامة آدم. — ماذا عني؟ مال رافاييل إلى الأمام. — منذ متى أصبح آدم الراوي يترك اجتماعاته ليزور موقع ترميم فندق؟ نظر إليه آدم ببرود. — منذ أصبح الفندق جزءًا من استثماراتي. ضحك رافاييل. — بالطبع. الاستثمارات. لم يمنحه آدم فرصة للمتابعة. — اخرج من مكتبي، رافاييل. في مونتيفيردي، كانت ليان منشغلة بمراجعة أعمال الترميم. ارتدت خوذة السلامة، ووقفت مع نورا أمام القاعة الرئيسية. — الزخارف أصبحت أفضل بكثير، قالت نورا. ابتسمت ليان. — ما زال أمامنا الكثير، لكننا نسير في الاتجاه الصحيح. رن هاتفها. كانت سيلين. — ليان! هل أنتِ حية؟ ضحكت. — بالكاد. لماذا؟ — لأنك اختفيتِ بين المخططات والسيد الراوي. — سيلين! — حسنًا، حسنًا. لن أسأل عن السيد الراوي. أريدكِ فقط أن تأتي معي غدًا لاختيار فستان لحفل خيري. — لدي عمل. — لديكِ حياة أيضًا، عزيزتي. ابتسمت ليان. — سأفكر في الأمر. أنهت المكالمة، ثم عادت إلى نورا. لكنها لم تلاحظ الرجل الواقف على الرصيف المقابل للفندق. كان يرتدي معطفًا داكنًا، ويحمل هاتفًا أمام وجهه. التقط صورة لها وهي تقف قرب المدخل الزجاجي. ثم أرسلها إلى رقم محفوظ دون اسم. بعد ثوانٍ، وصله رد قصير: «ليس الآن. انتظر حتى تبتعد عن حراسته.» عند الخامسة مساءً، وصل دانيال إلى مكتب آدم. — سيدي، تحدث المفتش موريس مع مالك المخزن القديم. رفع آدم رأسه. — والنتيجة؟ — انتهى عقد الإيجار قبل سبع سنوات. يقول المالك إن المكان أُخلي بالكامل، لكنه احتفظ ببعض سجلات التسليم. — هل وجد اسم جوليان؟ — نعم. كان يزور المخزن بنفسه خلال السنوات الأولى. توقف دانيال قليلًا. — وهناك شيء آخر. وضع صورة قديمة على المكتب. كانت تظهر سيارة نقل متوقفة أمام المخزن، وبجوارها رجلان. أشار دانيال إلى أحدهما. — هذا جوليان كراوس. تأمل آدم الصورة. — ومن الآخر؟ — لم نحدد هويته بعد. قرب آدم الصورة.الفصل 43 كان الفجر قد بدأ يتسلل عبر نوافذ المستشفى حين فتح آدم عينيه. لم يكن قد نام فعلًا. كان جالسًا بجوار سرير ليان، ممسكًا بيدها منذ ساعات. تحركت أصابعها بين أصابعه. رفع رأسه فورًا. — ليان؟ فتحت عينيها ببطء، وتأملت وجهه المتعب. — ما زلت هنا؟ ظهرت ابتسامة خفيفة على شفتيه. — يبدو أنكِ توقعتِ أن أهرب. حاولت الابتسام، لكنها تأوهت عندما تحركت. اعتدل آدم فورًا. — لا تتحركي. — آدم، أنا بخير… نظر إليها نظرة صارمة. — أنتِ في العناية المركزة، يا ليان. لا تختبري صبري. همست: — حتى هنا تريد إصدار الأوامر؟ اقترب منها، وأبعد خصلة شعر عن جبينها. — خصوصًا هنا. ثم انخفض صوته. — لقد أخفتِني. تأملت عينيه. لم تعتد سماع مثل هذه الكلمات منه. — أنا آسفة… تغيرت ملامحه. — لا تعتذري عن شيء لم يكن ذنبكِ. انحنى وقبل جبينها برفق. — المهم أنكِ عدتِ إليّ. بعد يومين، تحسنت حالة ليان بما يكفي لنقلها إلى غرفة خاصة. أصر آدم على أن تكون الغرفة هادئة وبعيدة عن الصحافة، وأن تُنظم الزيارات وفق رغبتها وتعليمات الأطباء. كانت روز تزورها صباحًا، بينما تأتي سيلين كل مساء محملة بالزهور والحكايات
الفصل 42 ظل آدم يحدق في الرجل الجالس أمامه. — الأبواب الثلاثة؟ ابتلع الخاطف ريقه. — هذا كل ما سمعته، أقسم لك. اقترب آدم منه، ووضع يديه على طرف الطاولة. — من الذي قال ذلك؟ — الرجل الذي كان يعطينا التعليمات. — اسمه؟ — لا أعرف. لمعت عينا آدم بغضب مكبوت. — هل تتوقع مني أن أصدق أنكم اختطفتم امرأة وعذبتموها دون أن تعرفوا من يدفع لكم؟ ارتجف الرجل. — كنا نتلقى المال والأوامر. لم نرَ وجهه. استقام آدم ببطء. — إذن ستساعدني في الوصول إليه. أشار إلى دانيال. — احتفظوا بالهواتف وكل ما يتعلق بالرسائل. أريد أن يعرف المحققون مصدرها. ثم التفت إلى الخاطف للمرة الأخيرة. — إذا حدث لها شيء، فلن أنسى وجه أي واحد منكم. غادر الغرفة دون انتظار إجابة. كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرًا عندما وصل آدم إلى المستشفى. لم يبدل قميصه الملطخ بالدماء. ولم يهتم بنظرات الموظفين الذين تعرفوا إليه. كان دانيال يسير خلفه عندما توقفت ممرضة أمامهما. — السيد الراوي؟ — كيف حالها؟ — لا تزال تحت المراقبة الدقيقة. الطبيب يريد التحدث إليك. دخل آدم إلى غرفة صغيرة حيث كان الطبيب ينتظره. — أجرينا الفحوصات، وت
الفصل 41 في الغرفة المعتمة، سمعت ليان صوت محرك سيارة يتوقف بالخارج. ثم أصوات رجال يتجادلون. — الراوي لم يرد على الرسالة! — سيجيب عندما يرى الصورة التالية. ارتجفت ليان. اقتربت من الباب قدر ما سمحت به قيودها. سمعت رجلًا يقول: — لدينا أوامر بنقلها قبل الفجر. تراجعت ببطء. نقلها؟ إلى أين؟ حاولت تحريك معصميها مجددًا، لكن الألم جعلها تتوقف. ثم سمعت صوتًا آخر، أكثر حدة: — انتظر. هناك سيارات تقترب من الطريق. ساد صمت مفاجئ. تبعته خطوات مسرعة. وانطفأ الضوء أسفل الباب. رفعت ليان رأسها. كان قلبها يخفق بعنف. لم تعرف إن كان القادمون رجال الشرطة… أم أن خاطفيها يستعدون لنقلها إلى مكان أسوأ. وفي الخارج، على الطريق المؤدي إلى المستودعات القديمة، توقفت سيارة سوداء تتبعها أربع سيارات أخرى. نزل منها آدم الراوي. كان يرتدي معطفًا أسود طويلًا، وملامحه جامدة بصورة مخيفة. اقترب رئيس حراسته. — سيدي، تأكدنا من وجود ثلاثة رجال في الداخل. وهناك سيارة جاهزة خلف المبنى. نظر آدم إلى المستودع. — والفتاة؟ — في إحدى الغرف الشرقية، وفق ما استطعنا تحديده. خلع آدم ساعته ووضعها في جيبه. — أريده
الفصل 40 كان صوت آدم منخفضًا، ثابتًا، لا يشبه صوت رجل فقد السيطرة. بل صوت رجل اتخذ قرارًا. — دانيال. — نعم، سيدي؟ — أخبر المفتش بكل شيء. وأريد كل تسجيل يمكن أن يحدد اتجاه خروجهم. ثم أضاف وهو يتجه نحو الباب: — لن أسمح لهم باستخدامها لإجباري على شيء. وسأعيدها إلى هنا. لم يكن يعلم أين أخذوها. ولا ماذا يريدون منه بعد. لكنه كان يعرف أمرًا واحدًا. أن الرجال الذين اختطفوا ليان مراد لم يدركوا بعد أي عاصفة أيقظوها. لم يسبق لدانيال أن رأى آدم الراوي بهذه الحالة. كان يجلس في المقعد الخلفي للسيارة، يحدق في صورة ليان على هاتفه، بينما انعكست أضواء إيفورا على وجهه الجامد. لم ينطق بكلمة منذ مغادرته الشركة. لكن يده كانت تقبض على الهاتف بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعه. — سيدي، الشرطة وصلت إلى الفندق، قال دانيال بحذر. — ونورا؟ — بخير. أصيبت بخدوش بسيطة، وهي تدلي بإفادتها الآن. أغمض آدم عينيه لحظة. كان يتذكر آخر رسالة من ليان. «ولهذا أثق بكِ.» كتبها لها صباحًا. والآن كانت مقيدة في مكان مجهول. فتح عينيه. — أريد أن أعرف كيف خرجوا بها من الفندق رغم وجود الحراس
الفصل 39 مرّ يومان على الرسالة الأخيرة. يومان لم يحدث فيهما شيء غير مألوف. لم تصل صور مجهولة، ولم تظهر سيارات سوداء قرب الفندق، حتى إن رجال الحراسة أكدوا أن الطرق المحيطة بالقصر بدت هادئة. لكن آدم الراوي لم يكن رجلًا يطمئن إلى الهدوء بسهولة. كان يعرف أن بعض العواصف لا تعلن قدومها. في الثامنة صباحًا، دخلت ليان غرفة الطعام، فوجدت آدم جالسًا أمام حاسوبه، وإلى جانبه فنجان قهوة لم يمسّه. اقتربت منه. — صباح الخير. رفع عينيه. — صباح الخير. نظرت إلى الفنجان، ثم إلى وجهه. — هل نمت أصلًا؟ — قليلًا. جلست مقابله. — آدم، أنت لا تستطيع إدارة إمبراطورية كاملة والتحقيق في جريمة عمرها عشرون عامًا ومراقبة حياتي في الوقت نفسه. أغلق حاسوبه. — أستطيع إدارة أول أمرين بسهولة. رفعت حاجبها. — والثالث؟ ظهرت ابتسامة خفيفة على شفتيه. — الثالث عنيد بصورة غير معقولة. ضحكت ليان. — مسكين أنت. مد يده نحو فنجانها، وأبعده قليلًا قبل أن تشرب. — تناولي إفطارك أولًا. نظرت إليه باستنكار. — أنت تستمتع بإزعاجي، أليس كذلك؟ — أكثر مما تتصورين. في فندق مونتيفيردي، بدأت أعمال الترميم تظهر نتائجها أخي
الفصل 38 ثلاث كلمات فقط: «مريم لم تمت» ظلت الكلمات الثلاث معلقة أمام عيني ليان، بينما استمر صوت آدم في الهاتف. — ليان! أجيبيني. ابتلعت ريقها، ثم قالت بصوت مضطرب: — هناك سيارة سوداء أمام الفندق… والشخص الذي بداخلها يحمل صورة لي وأنا طفلة. ساد صمت قصير. — هل أنتِ وحدكِ؟ — نورا وهنري بالقرب مني، والحارس عند المدخل. — أعطي الهاتف للحارس. الآن. رفعت ليان عينيها نحو السيارة. كان زجاجها يرتفع ببطء. ثم تحركت مبتعدة عن الرصيف. — لقد غادروا. — لا تتحركي من مكانكِ. — آدم، أعتقد أنهم يحاولون إقناعي بأن أمي… توقفت. لم تستطع إكمال الجملة. جاء صوته أكثر هدوءًا: — ليان، اسمعيني جيدًا. نحن لا نعرف متى التُقطت تلك الصورة، ولا من كتب التاريخ خلفها. أغمضت عينيها. — أعرف. لكنها لم تكن تعرف كيف تمنع قلبها من التعلق باحتمال مستحيل. كانت في الرابعة عندما ماتت والدتها. لم تتذكر وجهها بوضوح، لكنها تذكرت رائحة عطرها، وصوتها وهي تغني لها قبل النوم. وتذكرت جدتها نادية، التي لم تكذب عليها يومًا بشأن موت مريم. كانت تقول لها دائمًا إن أمها رحلت في الحريق، وإن الحب الذي تركته خلفها لن يرحل.