تسجيل الدخوللكنه وقف.
«يكفي الليلة.» نهضت هي الأخرى بغضب. «لا، لا يكفي! أنت الذي جئت إلي، وأنت الذي أخذتني من منزلي، والآن تخبرني أن أشخاصًا لا أعرفهم يريدونني بسبب شيء لا أعرفه ثم تقول يكفي؟» استدار إليها. كانت المسافة بينهما قصيرة، أقصر مما انتبهت إليه في البداية، فتوقفت كلماتها للحظة حين وجدت نفسها مضطرة إلى رفع رأسها لتنظر إليه، بينما ظل كايل ساكنًا أمامها. «هناك أشياء إذا عرفتها الآن لن تستطيعي نسيانها.» قالت بعناد: «ربما لا أريد نسيانها.» ثبت نظره عليها طويلًا، وكأنه يقرر إن كان سيقول شيئًا أم لا، ثم اقترب قليلًا وهمس: «حين تعرفين الحقيقة، قد تتمنين لو بقيت جاهلة بها.» لم تعرف لماذا جعلتها كلماته تشعر بالخوف أكثر من كل ما حدث في الغابة. ابتعد عنها وأشار إلى الدرج. «الغرفة الثانية على اليمين لك، والباب يغلق من الداخل إذا كان وجودي يخيفك.» نظرت إليه للحظات ثم قالت: «لا أخاف منك.» ظهرت على شفتيه ابتسامة صغيرة بالكاد ولدت قبل أن تختفي. «يجب أن تفعلي.» ثم تركها وصعد الدرج. بقيت إيلارا في مكانها تحدق في ظهره حتى اختفى، وبعدها أنزلت عينيها إلى معصمها ببطء. كانت العلامة لا تزال هناك. لكن شيئًا تغير. خط رفيع داخلها بدأ يتوهج بلون أحمر داكن، كجمرة صغيرة استيقظت تحت جلدها. شهقت وسحبت كمها فوقها بسرعة. وفي الطابق العلوي، توقف كايل فجأة في منتصف الممر. أغمض عينيه. لقد شعر بها. فتح عينيه ببطء، ثم نظر إلى الأسفل باتجاه المكان الذي تركها فيه، بينما تحولت ملامحه إلى شيء أكثر قسوة. وهمس لنفسه: «بدأ الرماد يستيقظ.» وفي الأسفل، لم تكن إيلارا تعرف أن الرجل الغريب الذي أنقذها لم يأخذها إلى ذلك المكان مصادفة، ولم تكن تعرف أن العلامة التي تخفيها تحت كمها لم تكن بداية الخطر فقط... بل كانت بداية معرفة من تكون حقًا. منذ تلك الليلة، لم تعد إيلارا قادرة على إقناع نفسها بأن ما يحدث حولها مجرد سلسلة من المصادفات السيئة، فقد كان ظهور ذلك الغريب في حياتها أشبه بحجر ألقي في مياه ظلت ساكنة لسنوات، وكلما حاولت تجاهل الدوائر التي صنعها وجوده، اتسعت أكثر حتى بدأت تلامس أشياء دفنتها في أعماق ذاكرتها ولم تكن تنوي الاقتراب منها يومًا، ولهذا بقيت جالسة قرب نافذة غرفتها حتى ساعة متأخرة، تضم ركبتيها إلى صدرها وتنظر إلى الشارع الغارق في الظلام، بينما كانت كلمات كايل تعود إليها مرارًا بطريقة أزعجتها أكثر مما أرادت الاعتراف به. لم يكن أكثر ما أخافها أنه ظهر في المكان والوقت الخطأ، ولا أنه كان يعرف كيف ينظر إليها وكأنه يقرأ الأشياء التي تخفيها خلف صمتها، بل تلك اللحظة القصيرة التي نطق فيها اسمها قبل أن تقدمه له، لحظة صغيرة كان يمكن لأي شخص آخر أن ينساها وسط الفوضى، إلا أنها علقت في عقل إيلارا مثل شوكة، وكلما حاولت العثور على تفسير منطقي لها وجدت نفسها أمام السؤال ذاته. كيف عرف اسمها؟ رفعت يدها إلى عنقها بلا وعي، وتوقفت أصابعها فوق السلسلة القديمة التي لم تفارقها منذ طفولتها، وهي الشيء الوحيد تقريبًا الذي بقي معها من حياة لا تتذكر منها سوى شظايا متناثرة، باب خشبي ينغلق، صوت امرأة تصرخ باسم لم تستطع يومًا سماعه كاملًا، ورائحة دخان خانقة كانت تزورها في أحلامها قبل أن تستيقظ وقلبها يكاد يخرج من صدرها، وكانت طوال السنوات الماضية تعتبر تلك الصور مجرد آثار لكابوس طفولي قديم، لكن ظهور كايل جعلها للمرة الأولى تشك في أن ذاكرتها لم تكن تكذب عليها كما أقنعها الجميع. نهضت من مكانها وفتحت الدرج السفلي لخزانتها، ثم أزاحت بعض الملابس حتى ظهرت علبة خشبية صغيرة لم تفتحها منذ أشهر، أخرجتها ووضعتها فوق السرير، وبقيت تنظر إليها لحظات قبل أن ترفع الغطاء ببطء، فظهرت أمامها أشياء قليلة احتفظت بها دون أن تعرف سبب تعلقها بها: صورة محترقة الأطراف لا يظهر منها سوى نصف وجه امرأة شابة، مفتاح صغير داكن اللون لا تعرف لأي باب يعود، وورقة قديمة طمست معظم كلماتها بفعل الزمن، لكن رمزًا واحدًا ظل واضحًا في أسفلها. تجمدت أنفاسها. لقد رأته. لم تعرف أين في البداية، فظلت تحدق في الخطوط المتشابكة المرسومة على الورقة حتى ضربتها الذكرى فجأة، ومدت يدها إلى هاتفها بسرعة وفتحت الصورة التي التقطتها سرًا قبل ساعات، الصورة التي ظهر فيها النقش المعدني على خاتم كايل عندما وضع يده فوق الطاولة. كان الرمز نفسه.لم تنتظر لترى ما هو، فقد صرخت بالسائق أن يدخل أول شارع على اليمين، فانحرف بعنف حتى كادت السيارة تصطدم بالرصيف، ثم انطلق داخل منطقة تجارية مزدحمة، وهناك بدأت السيارات والمارة يشكلون حاجزًا بينهم وبين مطارديهم، فاستغل السائق الفرصة واندفع عبر مخرج جانبي قبل أن يوقف السيارة فجأة قرب صف من المتاجر ويطلب منها النزول، موضحًا أنه لن يواصل هذه المطاردة مهما دفعت له.لم تجادله.فتحت الباب وخرجت مسرعة، ثم دخلت بين الناس قبل أن تتمكن من التفكير في وجهتها، وكانت تتحرك بلا خطة سوى الابتعاد عن الشارع الرئيسي، تمر بين المارة وتلتفت خلفها كل عدة خطوات، حتى اختلطت عليها الوجوه ولم تعد تعرف إن كان الخطر خلفها أم أمامها، لكنها حين وصلت إلى ممر جانبي أقل ازدحامًا سمعت صوت باب سيارة يغلق في مكان قريب.توقفت.كان عليها العودة إلى الشارع المزدحم.استدارت، لكن رجلًا ظهر عند مدخل الممر.لم تره من قبل.كان طويلًا، يرتدي ملابس داكنة، ولم يكن في ملامحه شيء يلفت الانتباه لولا أنه لم يتحرك مثل شخص ضل طريقه، بل وقف بهدوء ونظر إليها مباشرة، وكأنه كان يعرف بالضبط من ينتظر.تراجعت خطوة.فتقدم خطوة.لم تسأله من يكون.ر
لم تستطع أن تحدد اللحظة التي تحول فيها ذلك الشعور الثقيل الذي لازمها منذ الصباح إلى يقين حقيقي بأن شيئًا ما يراقبها، فقد حاولت طوال الطريق أن تقنع نفسها بأن ما حدث خلال الأيام الماضية جعل أعصابها أكثر حساسية من المعتاد، وأن نظراتها المتكررة خلفها ليست سوى نتيجة طبيعية للخوف الذي لم يمنحها فرصة واحدة كي تستعيد هدوءها، إلا أن السيارة السوداء التي ظهرت للمرة الثالثة في المرآة الجانبية جعلت كل تلك المحاولات تنهار دفعة واحدة، لأنها لم تكن تسير خلفها مصادفة، ولم تكن المسافة الثابتة التي تفصل بينهما طبيعية، والأسوأ من ذلك كله أن زجاجها الداكن منعها من رؤية وجه السائق أو معرفة عدد الأشخاص الموجودين بداخلها.شدت أصابعها حول حقيبتها الموضوعة فوق ساقيها، وحاولت ألا تلتفت مرة أخرى حتى لا تكشف أنها انتبهت إليهم، بينما كان قلبها يزداد اضطرابًا كلما انعطفت السيارة التي تقلها إلى شارع جديد لتجد تلك السيارة تنعطف خلفها بعد ثوان، وعندما وصل السائق إلى تقاطع مزدحم وتوقف بسبب الإشارة الحمراء، رفعت عينيها ببطء نحو المرآة الصغيرة أمامه، فرأت السيارة السوداء تتوقف خلفهم على مسافة سيارتين فقط، وحينها شعرت بب
أو قريبًا منه إلى درجة يستحيل معها اعتبار الأمر مصادفة.شعرت إيلارا ببرودة تزحف إلى أطرافها، فأغلقت الهاتف ثم فتحته مجددًا كأنها تتوقع أن يتغير ما رأته، إلا أن العلامتين بقيتا أمامها متشابهتين: الدائرة غير المكتملة، الخط العمودي الذي يخترق منتصفها، والانحناءات الصغيرة حول أطرافها كأنها ألسنة نار تتجه إلى الداخل بدل الخارج.همست لنفسها:«من أنت يا كايل؟»لم تحصل على إجابة، لكن صوتًا خافتًا جاء من خارج غرفتها في اللحظة نفسها.خطوة.ثم أخرى.توقفت إيلارا عن الحركة تمامًا.كان المنزل هادئًا، والساعة تجاوزت منتصف الليل، ولم يكن من المفترض أن يكون أحد مستيقظًا، لذلك أعادت الأشياء إلى الصندوق بسرعة وأغلقته، ثم دفعته أسفل الوسادة قبل أن تتجه نحو الباب، ولم تفتحه مباشرة، بل وضعت أذنها عليه وانتظرت.لا شيء.مدت يدها إلى المقبض، وقبل أن تديره سمعت صوت احتكاك خفيف من الجهة الأخرى، كأن شخصًا كان واقفًا أمام غرفتها ثم تحرك مبتعدًا حين شعر باقترابها.فتحت الباب فجأة.كان الممر فارغًا.لكن النافذة الموجودة في نهايته كانت مفتوحة.تحرك الستار الأبيض مع الهواء البارد، وبالقرب منه لمع شيء صغير على الأرض،
لكنه وقف.«يكفي الليلة.»نهضت هي الأخرى بغضب.«لا، لا يكفي! أنت الذي جئت إلي، وأنت الذي أخذتني من منزلي، والآن تخبرني أن أشخاصًا لا أعرفهم يريدونني بسبب شيء لا أعرفه ثم تقول يكفي؟»استدار إليها.كانت المسافة بينهما قصيرة، أقصر مما انتبهت إليه في البداية، فتوقفت كلماتها للحظة حين وجدت نفسها مضطرة إلى رفع رأسها لتنظر إليه، بينما ظل كايل ساكنًا أمامها.«هناك أشياء إذا عرفتها الآن لن تستطيعي نسيانها.»قالت بعناد:«ربما لا أريد نسيانها.»ثبت نظره عليها طويلًا، وكأنه يقرر إن كان سيقول شيئًا أم لا، ثم اقترب قليلًا وهمس:«حين تعرفين الحقيقة، قد تتمنين لو بقيت جاهلة بها.»لم تعرف لماذا جعلتها كلماته تشعر بالخوف أكثر من كل ما حدث في الغابة.ابتعد عنها وأشار إلى الدرج.«الغرفة الثانية على اليمين لك، والباب يغلق من الداخل إذا كان وجودي يخيفك.»نظرت إليه للحظات ثم قالت:«لا أخاف منك.»ظهرت على شفتيه ابتسامة صغيرة بالكاد ولدت قبل أن تختفي.«يجب أن تفعلي.»ثم تركها وصعد الدرج.بقيت إيلارا في مكانها تحدق في ظهره حتى اختفى، وبعدها أنزلت عينيها إلى معصمها ببطء.كانت العلامة لا تزال هناك.لكن شيئًا تغير
هذه المرة لم تجادله. دخلت السيارة وأغلقت الباب، وظلت تراقب من خلف الزجاج بينما اختفى كايل للحظات داخل الظلام، وكانت أنفاسها تتسارع مع كل ثانية تمر، إلى أن ظهر مجددًا وفتح باب السائق وجلس خلف المقود، ولم يوقفها الدم الجديد الذي لطخ يده. انطلقت السيارة بسرعة. ابتعدت الأشجار خلفهما، وبقيت إيلارا صامتة وهي تضغط أصابعها بعضها ببعض، إلا أن الأسئلة داخل رأسها كانت أكثر ضجيجًا من أن تتحملها، وبعد دقائق التفتت إليه قائلة: «ما الذي كان هناك؟» «شيء لا تريدين معرفته.» «توقف عن فعل ذلك.» نظر إليها سريعًا. «فعل ماذا؟» «التصرف وكأنك تعرف كل شيء بينما يفترض بي أن أتبعك دون سؤال، أنت تعرف اسمي، تعرف العلامة الموجودة على جسدي، وهناك شيء كان يلاحقنا منذ قليل، ومع ذلك تتوقع مني أن أجلس هنا بصمت؟» عاد ببصره إلى الطريق. «نعم.» حدقت فيه بغيظ. «أنت مستفز.» «قيل لي ذلك من قبل.» كان من المفترض أن تزيدها إجابته غضبًا، لكنها وجدت نفسها تصمت للحظة، ثم انتبهت إلى الدم الذي بدأ يتسرب من أسفل كم قميصه، فأشارت إليه قائلة: «أنت مصاب.» «خدش.» «الخدوش لا تنزف بهذه الطريقة.» «وهل أصبحت طبيبة الآن؟» «ل
لم تكن إيلارا من النوع الذي يثق بالغرباء، وبالتأكيد لم تكن من النوع الذي يترك المكان الذي اعتادت الاحتماء به في منتصف الليل برفقة رجل يحمل سكينًا ملطخة بالدماء ويعرف اسمها دون أن تكون قد أخبرته به، لكن المشكلة أن حياتها منذ تلك الليلة لم تعد تسير وفق الأشياء التي تؤمن بها أو القواعد التي وضعتها لنفسها، فكل ما حدث منذ اللحظة التي ظهرت فيها تلك العلامة الغريبة على جلدها، وحتى اللحظة التي وجدت فيها هذا الرجل واقفًا أمامها بنظرات باردة وكأنه يعرف عنها أكثر مما تعرفه هي عن نفسها، كان يدفعها إلى حقيقة واحدة لم تكن مستعدة للاعتراف بها: أن العالم الذي عاشت فيه طوال سنوات لم يكن العالم الحقيقي كله.تراجعت إيلارا خطوة وهي تراقبه بحذر، ولم تفارق عيناها السكين التي استقرت بين أصابعه بثبات غريب، بينما كان هو واقفًا أمامها دون أن يبدو عليه أي توتر، وكأن وجوده في هذا المكان المظلم وفي هذه الساعة المتأخرة أمر طبيعي تمامًا، ثم رفع عينيه إليها وقال بصوت منخفض:«إذا أردت البقاء حية، عليك أن تأتي معي.»حدقت فيه لثوان طويلة قبل أن تسأله بحدة حاولت من خلالها إخفاء ارتجاف صوتها:«ومن قال إني أثق بك؟»لم يجب






