登入وقع الخطى الثقيلة على الممر الضيق كان يشبه دقات بندول ساعة خربة تقيس زمن الفناء. تجمدت لارا في مكانها، وعيناها متسعتان بذهول شلّ أطرافها، بينما كانت كلمات عاصم عبر الهاتف تخترق خشب الباب السميك كمسامير تُدق في نعش حرّيتها الموؤودة. 'تقرير واحد من الطبيب النفسي يثبت عدم أهليتها العقلية...'؛ رنت الجملة في أذنيها بصدى مرير، ممتزجة بضحكة عاصم الباردة التي تلتها قبل أن يبتعد صوته تدريجياً، تاركاً خلفه صمتاً أثقل من جبال الأرض.\n\nالتفتت لارا إلى الدادة حليمة، وكانت كفّاها ترتجفان كعصفور بلله مطر تشرين. تلاقت عيناهما في عتمة الغرفة التي لم يعد يضيئها سوى خيط واهن من نور القمر. كانت حليمة شاحبة لكنها صلبة، كجدار الطين الذي يستند عليه البيت؛ لم تهتز ولم تطرف عينها، بل ضغطت على يد لارا بقوة تبث فيها دفقات من حكايات الصبر القديمة التي طالما روتها لها وهي طفلة.\n\nهمست حليمة بصوت دافئ يغالب الرجفة: 'اسمعيني يا حبة عيني، الخوف غول بيكبر لو طعمتيه من فزعك، وبيصغر وينكمش لو وقفتِ قباله. عاصم واهم، يظن أن جدران هذا البيت صامتة لأنها لا تتكلم، ولا يعرف أن لكل طوبة هنا ذاكرة ولساناً'.\n\nسألتها لارا ب
تكاد دقات قلب لارا تخلع صدرها النحيل من فرط الرعب والوجل. تجمدت في مكانها وسط عتمة الغرفة القديمة، وتلسعها برودة البلاط العاري تحت قدميها الحافيتين. الصوت لم يكن غريباً تماماً، لكنه في هذه الساعة المتأخرة من الليل يحمل مهابة الموت أو الخلاص. انقشع الظلام قليلاً حين تسلل ضوء القمر الشاحب من شق النافذة الخشبية العتيقة، ملقياً بظلاله الفضية على وجه مغضن، تألفه الروح قبل العين. انهمر الدمع من عيني لارا كشلال قيدته السنون، واندفعت بلا وعي ترتمي في حضن ذلك الطيف الدافئ. إنه لم يكن شبحاً، بل كانت الدادة حليمة، تلك المرأة التي تشبه شجرة جميز عتيقة نبتت على ضفاف النهر، صلبة رغم العواصف، تفوح منها رائحة الهيل والندى والقمح المخبوز في أفران الطين القديمة.\n\nطوقتها حليمة بذراعيها النحيفتين والقويتين في آن، ومسدت على شعرها المبعثر بوهن، وهي تهمس بصوت مبحوح يحمل حنان الأمهات: 'لا تخافي يا حبة عيني، أنا حليمة. كيف تركتِ هذا الغريب يكسر غصنكِ الغض هكذا؟' جلستا معاً على حافة السرير الخشبي القديم الذي شهد أحلام طفولتها البريئة. كانت الغرفة، رغم عتمتها وغبارها، تنبض بدفء غريب لم تجده لارا يوماً في شقة ع
أفاقت لارا من كابوس حلمٍ أرادت أن تهرب من هذا الجحيم من خلاله، لكن شبح عاصم عاد إلى حلمها مع زوجته.جلست في الظلام ترتعش مما رأته في حلمها؛ حتى الحلم كان يحرق فؤادها. أطلقت صرخات، لكن صوتها كان حبيس روحها، لا يسمعها سوى الله. لا تعلم ماذا سيفعل بها عاصم بعد حبسها في الغرفة.تنظر في الظلام، تبحث عن ذلك الحب الذي رأته في حلمها، ترتعش... وفجأة جاء صوت صرير الباب. هل هو شبح الليل؟ أم عاصم؟اقترب منها، أخذها إلى الفراش. لم تعلم لماذا عاصم يريدها، رغم أنه مختلف عن أهله؛ فهو يملك شهادة دكتوراه. لا تفهم لماذا يريد أموالها.بكت، ثم وقفت أمامه وقالت: "لا أريد... أرجوك اتركني. سأتنازل لك عن كل ثروتي، أرجوك. حقًا، سأكتب كل شيء لك، لكن لا أريد أن تفعل بي هذا... أرجوك."نظر لها عاصم بغضب وقال: "لا أريد أموالك، بل أريد طفلًا. ستعطينني هذا الطفل."ثم أمسك بشعرها من الخلف وشدّها نحو الغرفة. كانت ترتعش بينما نزع عنها ملابسها، تصرخ وتستنجِد بالله...لكن صُدم عاصم عندما رأى أنها في دورتها الشهرية، فلم يستطع أن يلمسها. ضرب الحائط بغضب، ثم نظر إليها وأمرها أن تذهب إلى غرفتها.بكت الفتاة وهي تجمع ملابسها
---كانت أنوار قاعة المؤتمر تتلألأ فوق كؤوس الكريستال، لكن الأجواء كانت أبعد ما يكون عن الاحتفال. الكلمات التي ألقاها عاصم الشرقاوي كانت كالقنابل الموقوتة التي انفجرت في وجه الجميع. لارا كانت تقف على المنصة، تشعر بأن الأرض تميد تحت قدميها، ونظرات الحاضرين بدأت تتحول من الإعجاب إلى الشك والهمس المسموم.عاصم لم يكتفِ بالحديث، بل بدأ يتقدم نحو المنصة بخطوات ذئب جائع، وهو يلوح بملف جلدي أسود:"يا سادة، نحن هنا أمام أكبر عملية نصب في تاريخ العقارات! هذه الفتاة ليست ابنة الهاشمي، هي زوجتي الهاربة التي سرقت مجوهرات عائلتي وجاءت لتمارس دور الأميرة هنا!"في تلك اللحظة، شعر أدهم بدمه يغلي. لم يكن غضبه بسبب الفضيحة، بل بسبب الرعب الذي رآه في عيني لارا. تحرك أدهم بسرعة البرق، وقبل أن يضع عاصم قدمه على أول درجة من درجات المنصة، كان أدهم يقف أمامه كالسد المنيع، وصدره العريض يحجب لارا تماماً عن الأنظار."مكانك يا عاصم!" قال أدهم بصوتٍ منخفض يحمل نبرة الموت. "إنت داخل قاعة الهاشمي، والقواعد هنا أنا اللي بحطها. الورق اللي في إيدك ده ملوش قيمة عندي، لأن اللي واقفة ورايا دي تخصني أنا.. فاهم يعني إيه تخصن
خيم الصمت على قصر الهاشمي، لكنه لم يكن صمت الراحة، بل كان ذلك الهدوء الذي يسبق العواصف العاتية. كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل، والسماء فوق المدينة بدت ملبدة بغيوم رمادية ثقيلة، كأنها تعكس الأسرار التي تغلي داخل جدران القصر.في غرفتها، كانت لارا—أو "آسيا" كما بات الجميع يناديها—تجلس أمام طاولة الرسم. كانت الأوراق مبعثرة حولها، وأقلام الرصاص مبرية بدقة، لكن يدها كانت ترتجف وهي تحاول وضع اللمسات الأخيرة على تصميم "بهو الاستقبال" للمشروع الجديد. لم تكن ترسم مجرد ديكور؛ كانت تفرغ كل خوفها وقلقها في تلك الخطوط. كلما رسمت زاوية، تذكرت زوايا غرفتها القديمة في قصر الشرقاوي، وكلما اختارت لوناً دافئاً، تذكرت برودة قلب عاصم ونظراته التي كانت تخترق روحها.تنهدت بعمق، ونهضت لتفتح نافذة الشرفة. الهواء البارد لفح وجهها، لكنه لم يطفئ النار المشتعلة في صدرها. نظرت إلى الشرفة المجاورة، شرفة أدهم. كانت الأضواء فيها خافتة، لكنها شعرت بوجوده. أدهم.. ذلك الرجل الذي يمثل لها اللغز الأكبر. هو الوحيد الذي يراها بوضوح، الوحيد الذي لا يصدق قناع "آسيا"، ومع ذلك، تجد نفسها مشدودة إليه بطريقة ترعبها.
عاد أدهم إلى المنزل في وقت متأخر، ملامحه متجهمة، والغضب يسبق خطواته. دخل القصر دون أن ينطق بكلمة، حتى وصل إلى الصالة حيث كان سيد عصمان جالسًا بهدوء.نظر إليه أدهم مباشرة وقال بنبرة حادة:"تجيب بنت غريبة وتقول دي أختي؟! وكمان تدخلها شغلي؟! أنا رافض إنها تكون معايا في المشروع."وقف سيد عصمان ببطء، ونظر إليه بغضب بارد وقال:"البنت دي بنتي… آسيا. وأختك. وهتشتغل في شركتي غصب عنك. ولو مش عاجبك… أقدر أجيب غيرك."اشتعل الغضب في عيون أدهم، لكنه لم يرد. استدار بعصبية وصعد إلى الأعلى بسرعة.وفي الممر، اصطدم بآسيا فجأة.نظرت إليه بتوتر، لكن قبل أن تتحرك، اقترب منها خطوة، وعيناه مليئتان بالغضب.قال بصوت منخفض لكنه حاد:"أنا مش عايزك في المشروع… فاهمة؟ روحي قولي لأبيك إنك مش هتشتغلي معايا."تراجعت آسيا خطوة للخلف، وقلبها يخفق بقوة، لكنها لم ترد.اقترب أكثر، حتى أصبحت محاصرة بينه وبين الحائط، ثم قال بتهديد واضح:"لو ما عملتيش كده… أنا اللي هخلي وجودك هنا مستحيل."خفضت رأسها، وصوتها خرج ضعيفًا:"حاضر…"لكن عندما رفعت عينيها للحظة، التقت نظراتها بنظرته… وكان فيها خوف واضح، لكنه ممزوج بشيء آخر… رفض صام