تسجيل الدخولتسللت أشعة الصباح بهدوء عبر الستائر، لترسم خيوطًا ذهبية فوق السرير.رفرفت أهداب لونا ببطء قبل أن تفتح عينيها، واحتاجت ثوانٍ قليلة حتى تستوعب أين هي، ثم…عادت إليها أحداث الليلة الماضية كلها دفعة واحدة؛ اعتراف جاك، وصوته الهادئ في الظلام، وكلماته التي لم تتوقع يومًا أن تسمعها منه.“كان يجب أن أتصل…”شعرت بحرارة خفيفة تتسلل إلى وجنتيها، فاستدارت بحذر.كان جاك ما يزال نائمًا، ووجهه بدا مختلفًا، هادئًا، وكأن ذلك العبء الذي حمله طوال الأسبوع بدأ يخف أخيرًا.تأملته بصمت، ثم ابتسمت دون شعور.“حتى وأنت نائم…”“ما زلت تبدو جادًا.”كادت تضحك، لكنها انتبهت فجأة إلى المسافة بينهما، فقد كانت أقرب إليه مما اعتادت.اتسعت عيناها.“يا إلهي…”ابتعدت ببطء شديد حتى لا توقظه، وجلست أمام المرآة تمشط شعرها، وفي اللحظة نفسها…سمعت صوته الهادئ خلفها.“صباح الخير.”توقفت يدها، ثم التفتت إليه وابتسمت بخجل.“صباح النور.”ساد بينهما صمت قصير، لكنه لم يكن يشبه صمت الأيام الماضية، بل كان صمتًا مريحًا، صمت شخصين يعرفان أن شيئًا بينهما بدأ يلتئم.نهض جاك من السرير، وارتدى ساعته، ثم قال وهو يلتقط مفاتيح السيارة:“سنخر
بقي جاك واقفًا في المطبخ، لم يتحرك، وما زالت كلمات والدته تتردد في رأسه وكأنها قيلت قبل لحظات.“أنت كنت تعتقد أنك تطمئن عليها… بينما هي كانت تنتظر أن تطمئن هي عليك.”خفض بصره وأطلق زفرة طويلة، ولأول مرة منذ زمن لم يجد شيئًا يدافع به عن نفسه. لم يكن قد قصد أن يجرحها، ولم يخطر بباله أصلًا أن صمته قد يكون مؤلمًا إلى هذا الحد.أعاد زجاجة الماء إلى الثلاجة وأغلق الباب بهدوء، ثم رفع رأسه نحو الدرج حيث كانت غرفتهما في الأعلى… وخلف ذلك الباب كانت لونا.لا يعرف إن كانت ما تزال غاضبة، أم تبكي، أم ندمت على كل كلمة قالتها، لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا فقط… أنه لم يعد يحتمل أن يبقى هذا الصمت بينهما.⸻صعد الدرج ببطء، خطوة تلتها أخرى، حتى وصل إلى باب الغرفة. وضع يده على المقبض وتردد لثانية قبل أن يفتح الباب بهدوء.كان الضوء مطفأ، ولم يبقَ سوى ضوء القمر المتسلل من بين الستائر، يرسم خيطًا فضيًا فوق السرير.وقعت عيناه عليها فورًا؛ كانت مستلقية في طرف السرير، تعطيه ظهرها، وقد شدت الغطاء حتى كتفيها.توقفت قدماه وظل ينظر إليها بصمت، ثم ابتسم ابتسامة باهتة؛ حتى وهي غاضبة ما زالت تنام بالطريقة نفسها.أغلق ال
بقيت لونا واقفة مكانها، ظهرها ما زال إليه ويداها ترتجفان بخفة فوق حافة الخزانة.أما جاك… فلم يبعد عينيه عنها منذ عاد من السفر، وكان يشعر أن شيئًا يتغير بينهما، أما اليوم فلم يعد يشعر فقط، بل أصبح يراه أمامه بوضوح.شد فكه ببطء، وارتفع صدره مع شهيق عميق حاول به أن يهدئ نفسه، لكنه فشل.قال مرة أخرى، بصوت أكثر حزمًا:“لونا.”لم تستدر، وقالت بعد لحظة:“…ماذا؟”كانت تحاول أن يبدو صوتها ثابتًا، لكنها سمعت بنفسها ذلك الارتجاف الخفيف الذي خانها.قال وهو لا يزال مكانه:“انظري إلي.”أغمضت عينيها، وهمست في داخلها:“لا… إذا نظرت إليه… سأضعف.”هزت رأسها برفض وقالت:“لا أريد.”ساد الصمت، وفي اللحظة التي خرجت فيها الكلمة من فمها شعرت لونا وكأنها تسمع شخصًا آخر يتحدث، فاتسعت عيناها بذهول.“أنا… قلت له لا؟”قلبها كان يركض داخل صدرها بجنون، وجزء منها أراد أن يستدير فورًا، أن يعتذر، أن يعود كل شيء كما كان، لكن كلما حاول التراجع كانت صورة إيفا تعود إليها، ومعها تلك الجملة:“دعاني إلى العشاء.”فتعود الغصة، ويعود معها العناد.أما جاك فلم يتحرك لثوانٍ، ظل ينظر إلى ظهرها بصمت، ولم تكن الكلمة هي التي صدمته بقد
بمجرد أن خرجت لونا من مكتب جاك، أغلقت الباب خلفها بقليل من القوة، ثم واصلت سيرها في الممر بخطوات سريعة.كانت تضم الملف إلى صدرها بإحكام حتى بدأت حوافه تضغط على ذراعها، لكنها لم تكن تشعر بالألم، بل كان كل إحساسها منصبًا على الفوضى التي تعصف داخلها.“ما الذي فعلته؟”“كيف تحدثت معه بهذه الطريقة؟”لأول مرة لم تهرب لتستعيد هدوءها، ولم تختبئ، بل واجهته وردت عليه، بل واستفزته.اتسعت عيناها قليلًا وهي تسترجع ما حدث قبل دقائق.“أنا… هل قلت له فعلًا: اسأل الآنسة إيفا؟”وضعت يدها على جبينها وهي تمشي، وكادت تضحك من شدة توترها، لكن فجأة تذكرت شيئًا آخر.“دعاني إلى العشاء.”تلاشت كل محاولات التماسك، وعاد ذلك الألم يعتصر قلبها من جديد.في الجهة الأخرى، داخل المكتب الذي غادرته للتو، لم يجلس جاك، بل بقي واقفًا في مكانه محدقًا في الباب الذي خرجت منه.كانت عضلات فكه مشدودة بقوة حتى برز خطه بوضوح تحت بشرته، فرفع يده ببطء وفك ربطة عنقه قليلًا، ليس لأنه اختنق، بل لأنه شعر أن الغرفة أصبحت أضيق من أن تحتمل ضيقه.عاد إلى مكتبه، فتح العقد وحاول القراءة، لكن بعد دقيقة أغلقه مرة أخرى بنفاد صبر واضح.مرر كفه على
انتهى الاجتماع، وأُغلقت الملفات تباعًا، ووقف الحاضرون يتبادلون المصافحات. أما لونا فجمعت أوراقها بسرعة غير معتادة، كانت تريد المغادرة بعيدًا عن هذه القاعة.“الآنسة لونا.”التفتت.كانت سكرتيرة جاك، ابتسمت بلطف وقالت: “السيد بلاكويل يطلب حضورك إلى مكتبه بعد عشر دقائق لمراجعة النسخة النهائية.”أجابت باقتضاب: “حسنًا.” واستدارت فورًا.في الجهة الأخرى، كان ماكس يضع ملفه داخل حقيبته، يراقب جاك بطرف عينه، وابتسم ابتسامته المعتادة.“بلاكويل.”رفع جاك رأسه.“ماذا؟”ضحك ماكس.“أشعر بالشفقة على موظفيك.”عقد جاك حاجبيه.“ولماذا؟”هز كتفيه.“لأنك لا تعرف متى تتوقف.”ثم أشار برأسه نحو الباب الذي خرجت منه لونا.“حتى المسكينة تلك… تبدو وكأنك أرهقتها.”أجابه جاك ببرود: “اهتم بشركتك.”ضحك ماكس.“هذا الرد أيضًا لم يتغير.”ثم غادر.بقي جاك ينظر إلى الباب للحظة، شيء في تصرفات لونا لم يطمئنه.بعد عشر دقائق، طرقت لونا باب المكتب.“ادخلي.”دخلت، وكان جاك يقف أمام مكتبه يقلب صفحات العقد، رفع عينيه إليها وقال: “أغلقي الباب.”أغلقته بهدوء، ثم وقفت مكانها دون أن تقترب.نظر إليها ثانية.“تعالي.”تحركت بخطوات بطيئة
مرّت ثلاثة أيام، عادت خلالها الحياة تدريجيًا إلى روتينها المعتاد وكأن شيئًا لم يحدث.استعادت شركة بلاكويل صخبها المعتاد، وعاد جاك إلى بروده المهني المعروف الذي لا يتزعزع.أما لونا… فكانت تحاول، بكل ما تملك من هدوء مصطنع، أن تقنع نفسها بأن ما حدث لم يغيّر شيئًا.في كل صباح، كانت تجد فطورًا صغيرًا موضوعًا بعناية على مكتبها، بلا بطاقة ولا اسم، لكنها تعرف صاحبه جيدًا.ترفع عينيها نحو جاك، فتجده منغمسًا في عمله كعادته، وأحيانًا يرفع نظره سريعًا نحوها قبل أن يعود لأوراقه، فتبتسم في سرها ابتسامة خفيفة ثم تبدأ يومها.في ذلك الصباح، كان اجتماع الشراكة الأكبر منذ توقيع العقد، اجتماعًا لا يحتمل الأخطاء.غيبت فيكتوريا نفسها بسبب اجتماع آخر، بينما دخل ماكس القاعة كعادته بابتسامته المستفزة التي لا تفارقه.نظر إلى جاك وقال:“أتمنى ألا تنهي الاجتماع قبل أن أجد شيئًا أستفزك به.”لم يرفع جاك رأسه، واكتفى بالرد بهدوء:“لن تنتظر طويلًا.”تحركت زاوية فمه بخفة، ومرّت عيناه سريعًا على لونا قبل أن يعود إلى الملف.ضحك ماكس وقال:“هذا هو بلاكويل الذي أعرفه.”دخلت إيفا وجلست إلى يمين جاك، ولم تهتم لونا كثيرًا،
في صباح ذلك اليوماستيقظت لونا في غرفة غير غرفتها.للحظات قصيرة بقيت تحدّق في السقف بصمت، كأن عقلها يحاول أن يعيد ترتيب المكان قبل أن يسمح لها بالوعي الكامل.ثم تذكّرت.منزل عائلة بلاكويل.والليلة السابقة حين أصرّ جاك أن تبقى هنا.جلست ببطء على طرف السرير، تشعر بثقل خفيف في صدرها، ليس تعبًا جسديًا،
في صباح اليوم التاليلم تكن لونا مرتاحة تمامًا، رغم أن جسدها كان أفضل بكثير من الأيام السابقة. لكن شيئًا خفيفًا من القلق بقي عالقًا في الخلفية، كأنه ينتظر لحظة مناسبة ليظهر من جديد.حاولت تجاهله وهي تغادر شقتها.“أنا بخير… هذا يكفي.”لكنها لم تكن تصدق نفسها بالكامل.⸻في الشركةكان اليوم يسير بشكل
مرّ أسبوع كامل على وتيرة مختلفة تمامًا عمّا اعتادته لونا.لم يكن التغيير صاخبًا أو مفاجئًا، بل كان هادئًا إلى درجة مزعجة قليلًا في بدايته، ثم بدأ يصبح جزءًا من يومها دون أن تنتبه.الأدوية لم تعد مسؤوليتها وحدها. كل يوم كانت تصلها بانتظام، أحيانًا في الشركة، وأحيانًا عبر رسالة قصيرة تخبرها فقط أن تأ
في صباح اليوم التالياستيقظت لونا على تحسن طفيف في جسدها، لكن الصداع لم يختفِ بالكامل. كان أخف من الأمس، إلا أن التعب ما زال حاضرًا في خلفية حركتها، كظلّ لا يبتعد بسهولة.نهضت ببطء وهي ترتدي ملابسها للعمل، محاولة إقناع نفسها أن ما حدث في منزل عائلة بلاكويل لم يكن أكثر من إرهاق عابر.“سيمر…”تمتمت و







