تسجيل الدخولكان الطابق العلوي مختلفًا عن كل ما اعتادت عليه لونا.
أهدأ، أكثر اتساعًا، وأكثر تنظيمًا من أي قسم آخر في الشركة. حتى الأصوات هنا كانت منخفضة، والخطوات تبدو محسوبة بعناية، وكأن المكان نفسه يفرض هيبته على من يعمل فيه. منذ انتقالها إليه، لم تستطع التخلص من ذلك الشعور الغريب بأنها أصبحت أقرب إلى عالم لا تنتمي إليه بالكامل بعد. في ذلك الصباح، دخلت مكتبها الجديد كعادتها. وضعت حقيبتها جانبًا وجلست تراجع بعض الملفات، محاولة التركيز على عملها بدلًا من الأسئلة التي لا تتوقف داخل رأسها. لكن شيئًا جديدًا لفت انتباهها سريعًا. مكتب مجاور تم تجهيزه حديثًا. لم يكن موجودًا عندما وصلت أول مرة إلى هذا الطابق. رفعت نظرها نحو اللوحة المثبتة على الباب، لتتجمد للحظة. كان اسمها مكتوبًا بوضوح: لونا كارتر والأغرب من ذلك… أن المكتب كان قريبًا جدًا من مكاتب الإدارة العليا. أقرب مما ينبغي. شعرت أن الأمر ليس صدفة، لكن عنادها الهادئ جعلها تكتفي بالمراقبة دون طرح الأسئلة. ففي بعض الأحيان، كان الصمت يمنحها إجابات أكثر من المواجهة. بعد وقت قصير، دخل رجل إلى الطابق. من النظرة الأولى، بدا مختلفًا عن بقية الموظفين. كانت خطواته واثقة، وابتسامته مريحة، ونظرته تحمل ذلك النوع من السهولة الذي يجعل الآخرين يشعرون بالارتياح سريعًا. توقف أمام مكتبها وقال بابتسامة خفيفة: “أنتِ لونا، صحيح؟” رفعت رأسها نحوه. “نعم.” مد يده إليها. “إدريان سكوت.” صافحته بهدوء. كانت مصافحته دافئة على عكس الأجواء الرسمية التي تملأ المكان. قال وهو ينظر حوله: “يبدو أنكِ جديدة في هذا المستوى.” أومأت بخفة. “يمكن القول ذلك.” اتسعت ابتسامته قليلًا. “ليس أسهل مكان للعمل… لكنك تبدين هادئة أكثر مما توقعت.” ظهرت ابتسامة صغيرة على شفتيها. “الهدوء أفضل من الفوضى.” ضحك بخفة. “إجابة ذكية.” ثم جلس أمامها للحظات وأضاف: “سأكون مسؤول التنسيق معك خلال الفترة القادمة.” “تشرفت.” قالتها باقتضاب، لكنها كانت أكثر ارتياحًا مما توقعت. أكمل إدريان حديثه بشكل طبيعي: “إذا احتجتِ أي شيء، لا تترددي في السؤال. الانتقال إلى هذا المستوى ليس سهلًا في البداية.” “شكرًا.” نظر إليها باهتمام وقال: “لكن يبدو أنكِ تتأقلمين بسرعة.” لم يكن في كلامه أي مبالغة، مجرد ملاحظة عادية. ابتسمت هذه المرة بشكل أوضح. “أحاول فقط ألا أظهر مقدار ارتباكي.” وقبل أن يرد… فُتح باب الممر الرئيسي. دخل جاك بلاكويل. وكالعادة، لم يحتج إلى فعل أي شيء ليفرض حضوره. بمجرد دخوله، تغير الجو من حولهما. خطوات ثابتة، ملامح هادئة، ونظرة لا تكشف شيئًا مما يدور في داخله. في البداية لم ينظر إلى إدريان. كانت عيناه متجهتين نحو لونا فقط. توقفت ابتسامتها دون أن تشعر. قال بصوته المنخفض المعتاد: “الاجتماع.” ثم أضاف بعد لحظة: “معي.” ساد الصمت لثانية قصيرة. ابتسم إدريان بخفة وقال مازحًا: “يبدو أن وقتي انتهى بسرعة.” لكن جاك لم يرد. بل لم ينظر إليه أصلًا. بقيت عيناه على لونا للحظة إضافية قصيرة. لحظة عابرة… لكنها كانت كافية لتترك أثرًا غريبًا في الجو. نهضت لونا من مكانها. وقبل أن تغادر، التفتت نحو إدريان. وجدته ما يزال جالسًا، يراقب المشهد بابتسامته الهادئة المعتادة. أما في الممر، فكان جاك يسير أمامها بصمته المعروف. لكن شيئًا ما بدا مختلفًا هذه المرة. لم يكن الصمت مريحًا كما اعتادت. كان أثقل… وأكثر تركيزًا. أسرعت قليلًا لتسير إلى جانبه وسألته: “هل يحدث هذا دائمًا؟” لم يلتفت إليها. “ماذا؟” “أن يتم استدعائي بهذه الطريقة فجأة.” صمت لثوانٍ قبل أن يجيب: “نعم.” كانت تعرف أن هناك ما هو أكثر من ذلك، لكن طريقته الحاسمة جعلتها تتراجع عن السؤال. دخل الاثنان المصعد. وبمجرد أن أغلقت الأبواب، شعرت لونا أن المساحة أصبحت أضيق مما هي عليه. المسافة بينهما لم تتغير… لكن الإحساس بها تغير. ساد الصمت للحظات قبل أن يتحدث جاك فجأة: “من هو إدريان سكوت؟” التفتت إليه باستغراب. لم تتوقع السؤال. “زميل عمل.” ثم أضافت بعد لحظة: “ومسؤول التنسيق الخاص بي.” عاد الصمت من جديد. لم يعلق. لم يبدِ أي رد فعل واضح. لكنها لاحظت أن أصابعه تحركت ببطء داخل جيب سترته قبل أن تتوقف. حركة صغيرة جدًا… إلا أنها لم تكن عشوائية. ولأول مرة منذ عرفته، شعرت أن برود جاك المعتاد لم يكن الشيء الوحيد الذي يسيطر عليه. كان هناك شيء آخر بدأ يظهر بهدوء. انتباه زائد. صامت. ومحسوب بدقة.دخل المحقق الرئيسي التابع للقيادة العامة إلى الصالة، ونظر إلى جاك بتقدير ثم قال بوضوح: "سيد جاك.. القضية انتهت رسمياً، والقوة الأمنية تولت التحفظ على كل الأدلة والشريط المشفّر الذي ينصف عائلة لونا. من اليوم، لا يوجد أي خطر يهددكم." هز جاك رأسه بخفة دون أن ينطق بكلمة. لم تكن تهمه الاعترافات ولا الأسماء التي تساقطت، كل ما كان يشغل تفكيره في هذه اللحظة هو لونا والطفل. التفت فوراً وترك الصالة المليئة بعناصر الشرطة، وصعد السلالم بخطوات متسارعة نحو الجناح. وصل إلى باب الغرفة الآمنة، وطرق الباب عدة طرقات خفيفة ومألوفة، ونادى بصوت هادئ يحمل كل الدفء: "لونا.. افتحي الباب، أنا جاك.. انتهى كل شيء." سكن الخوف في الداخل فوراً. فتحت السيدة مارغريت الباب بسرعة، واندفعت لونا ناطقة باسمه والدموع تتجمّع في عينيها. عندما رأته واقفاً أمامها سالماً دون أي أذى، لم تفكر في شيء، بل خطت نحو أحضانه وارتمت عند صدره بقوة. احتواها جاك بساعديه بحذر ورفق شديد، حريصاً على ألا يضغط على حملها، ودفن رأسه في شعرها يستنشق رائحتها التي تعيد إليه الهدوء. "كنت خائفة جداً عليك.." همست لونا ونبرتها مخنوقة بالبكاء. مس
تصلّب جسد جاك في مكانه، واختفت كل ملامح القوة ليحل محلها خوف شديد لم يشعر به من قبل. لم ينتظر سماع أي كلمة أخرى، بل التفت وركض نحو سيارته بأقصى سرعة. انطلق بالسيارة كالبرق وسط الظلام، يضغط على دواسة البنزين بكل قوته، وعيناه مثبتتان على الطريق وقلبه يدق بجنون خوفاً على لونا وطفلهما. وصل إلى القصر في وقت قياسي، وصعد السلالم بخطوات متسارعة، ثم دفع باب الغرفة بقوة. رأى لونا مستلقية على السرير، وجهها شاحب كالثلج، وعرق بارد يملأ جبينها، بينما الطبيبة والسيدة مارغريت تقفان بجانبها بخوف. جثا جاك على ركبتيه فوراً بجانب السرير، وأمسك بيد لونا المرتجفة بيدي الاثنين، وقال بنبرة خائفة ومضطربة: "لونا.. أنا هنا بجانبكِ، فتحي عينيكِ وركزي معي." فتحت لونا عينيها ببطء، وعندما رأته أمامه سالماً، أطلقت زفيراً طويلاً واستكان جسدها قليلاً برؤيته. التفتت الطبيبة نحو جاك وقالت بتهدئة: "سيد جاك، لحسن الحظ الجنين بخير.. هذا المغص الحاد كان بسبب الخوف والضغط العصب
تجمدت لونا في مكانها، وعيناها متسعتان من الصدمة، بينما كان صوت دقات قلبها المذعورة يُسمع في أرجاء الصالة. وقفت ببطء متجاهلة ثقل حملها والدوار الخفيف الذي يداهمها، ثم خطت نحو جاك ووجها شاحب كالثلج. "جاك.. لا! أرجوك لا تذهب!" هتفت بها لونا بنبرة مكسورة، ويدها المرتجفة امتدت لتتمسك بياقة قميصه بقوة، وكأنها تحاول تثبيته في المكان. "هو يريد استدراجك.. هذا فخ! لا تتركني وتذهب إليهم!" نظر إليها جاك، وتلاقت عيناه المظلمتان بملامحها المرتجفة. لم يبتعد، بل رفعت يده الضخمة ل تحيط بكتفها، واجتذبها برفق شديد نحو صدره حتى استند رأسها على قلبه. "لونا.. أنظري إليّ،" قال جاك بصوت خافت وعميق، يحمل من السكينة واليقين ما يكفي لتهدئة عاصفة. رفعت لونا رأسها والدموع تتلألأ في عينيها. أربكها دفء نظراته في هذه اللحظة بالذات. مسد جاك على وجنتها بإبهامه، واقترب منها أكثر حتى أصبحت أنفاسهما متداخلة: "الرجل الذي يهدد عائلتي من خلف الشاشات والهواتف هو الجبان، وليس أنا. إن لم أذهب لأقطع هذا اليـد اليوم، فسنقضي بقية حياتنا نلتفت خلفنا في الظلام.. وأنا لن أسمح لشيء بأن يحرمكِ أو يحرم طفلنا من السلام." تدخلت ال
لم يكن الخروج من الجناح الداخلي بالنسبة لجاك مجرد تفقد روتيني للحراسة؛ كان أشبه ببدء تحريك أحجار الشطرنج في معركة حاسمة.وصل جاك إلى غرفة العمليات والأمن في القبو السفي للقصر، حيث الشاشات العملاقة تعرض كل زاوية من القصر والمحيط، ورجال الحراسة يقفون باستعداد تام.كان رئيس حراسه "دان" يقف أمام خريطة رقمية للمدينة، والتفت فور دخول جاك وقال بنبرة مشدودة:"سيد جاك.. التتبع الاستخباراتي الذي أجريناه منذ ليلة البارحة آتى ثماره. المجموعة التي حاولت التهديد لا تتحرك بعشوائية، الأوامر تصدر مباشرة من شخص يدعى 'فيكتور'."توقفت خطوات جاك، وشخصت عينيه المظلمتان بنظرة باردة كالإبرة:"فيكتور.. الرجل الثاني في المنظمة القديمة لوالد لونا؟"أومأ مارك بجدية:"بالضبط. هو الوحيد المتبقي من الرأس القديم. فيكتور يعتقد أن القلادة أو الوثائق التي كانت بحوزة والد لونا تحتوي على مفاتيح الحسابات السرية وتصفيات قديمة قد ترسل رأسه إلى المشنقة. هو يرى في لونا التهديد الأخير.. والحلقة الأضعف التي يجب محوها لإغلاق الملف للأبد."ارتسمت على شفتي جاك ابتسامة خفيفة، حادة ومظلمة، تزينها هيبة القيصر الواثق من خطواته. أسند ي
مع إشراقة الصباح، كانت أشعة الشمس تتسلل ببطء عبر ستائر الجناح، لتلقي بظلالها الذهبية على لونا النائمة بعمق. فتحت عينيها ببطء لتجد المكان بجانبها خالياً، لكن الدفء المتبقي على الوسادة كشف أن جاك لم يغادر إلا منذ وقت قصير. في الصالة السفلى للقصر، كان جاك يقف عند الطاولة الفخمة، يراقب والدته السيدة مارغريت التي كانت تجلس بشرود تام، تمسك كوب القهوة بيديها المرتجفتين وعيناها غائبتان في الذكريات. "أمي.. أنتِ تعرفين أكثر مما تقولين، أليس كذلك؟" قال جاك بنبرة هادئة ورزينة، لكنها تحمل تساؤلاً صارماً لا يحتمل التهرب. تنهدت السيدة مارغريت بأسى، وضعت الكوب على الطاولة ونظرت إلى ابنها بعينين مليئتين بالحزن: "كنتُ أتمنى ألا تنبش هذه الأسرار أبداً يا جاك.. ماريا رحلت ودفنت سرها معها لتنعم لونا بحياة طبيعية." اقترب جاك وجلس مقابلها، منصتاً بتركيز شديد. تنهدت مارغريت وتابعت بصوت خافت: "والد لونا لم يكن رجلاً عادياً.. كان عضواً بارزاً في منظمة خطيرة جداً، لكنه عندما وقع في حب ماريا وحملت منه بـ لونا، قرر التراجع عن كل شيء. هرب وهو يحمل معشوقته وسرّاً ثقيلاً يخص المنظمة، سرّاً كان بمثابة ح
ساد الصمت الجناح بعد إغلاق الخط، وسكون الليل أصبح ثقيلاً بشكل خانق. لم يكن هناك صراخ ولا رصاص، بل توتر مكتوم يُشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة. كان جاك يقف عند النافذة الكبيرة، ملامحه كالحجر الصَلب، يمسك القلادة الفضية بين أصابعه. عقله يعمل كآلة حاسبة باردة، يحلل كل الاحتمالات دون أن يظهر عليه أي توتر. اقتربت منه لونا بخطوات هادئة، يداها ترتجفان وهي تلمس ذراعه، وقالت بصوت خافت ممتلئ بالخوف: "جاك.. أرجوك قل لي شيئاً. من هؤلاء؟ ولماذا يريدون أوراق أمي الآن؟" التفت إليها جاك ببطء، وشعر بقلبه ينعصر لرؤية الخوف في عينيها. مدّ يده وأمسك يدها بضغط دافئ وحنون: "لن يجرؤ أحد على مساسكِ يا لونا.. ما حدث في الماضي سيبقى في الماضي، وأنا هنا." في تلك اللحظة، دخلت السيدة مارغريت الغرفة بخطوات هادئة ولكن ملامحها كانت مشدودة بالكامل، وقالت بجدية: "جاك.. السيارات التي كانت تقف في أطراف الشارع تحركت. هم يعلمون حراسة القصر جيدة ويفضلون التهديد عن بُعد." لكن لونا لم تستطع تحمل هذا الضغط؛ فجأة، انسحبت الدماء تماماً من وجهها، وترنحت إلى الخلف وهي تمسك برأسها. التقطها جاك بيده بثبات قبل أن تسق
بعد خروجها من غرفة الاجتماعات، بقيت لونا واقفة في الممر لثوانٍ طويلة دون أن تتحرك.لم يكن المكان ضيقًا، لكنه بدا لها وكأنه يضغط عليها من كل الجهات.كلمات جاك لم تكن كثيرة، لكن أثرها كان مختلفًا عن أي حوار سابق.لم يكن يحاول إقناعها، ولم يكن يضغط عليها بشكل مباشر، ومع ذلك شعرت أن كل شيء قد تحرك دون
ارتفع المصعد ببطء، وكأن الوقت نفسه يتعمد الإطالة.وقفت لونا كارتر داخله، تراقب انعكاسها على الجدار المعدني الصامت.كان وجهها هادئًا، لكن داخلها لم يكن كذلك.“لماذا أنا؟”سؤال تكرر في ذهنها أكثر من مرة، دون أن يجد إجابة.عند وصولها إلى الطابق العلوي، فُتحت الأبواب ببطء.⸻المكان كان مختلفًا عن بقية
الضوء المتسلل من نافذة غرفة لونا لم يكن دافئًا كما يجب… بل باهتًا، شاحبًا، ينعكس على جدران صامتة أكثر مما ينبغي. وقفت لونا كارتر أمام المرآة طويلًا، تحدّق في ملامحها دون أن تراها حقًا. عينان متعبتان، ووجه فقد شيئًا لا يُعوّض. “كيف يصبح كل شيء فارغًا بهذه السرعة؟” همست لنفسها، وكأن السؤال لا يحت
في الأيام التالية، لم يتغير شيء بشكل مباشر، لكن لونا بدأت تشعر أن التفاصيل لم تعد عشوائية كما كانت تظن في البداية.كل شيء في الطابق العلوي كان يبدو منظّمًا بشكل مبالغ فيه، وكأن هناك يدًا خفية تراقب مجرى العمل دون أن تُعلن وجودها.لم تكن ترى جاك كثيرًا، لكنه كان حاضرًا بطريقة مختلفة… غير مرئية، لكنه







