로그인خرجت علياء من المقبرة وهي تكاد تركض.كان وجهها شاحبًا، وأنفاسها متقطعة، ويداها ترتجفان فوق عجلة القيادة. لم تستطع أن تستوعب ما سمعته قبل دقائق من حارس المقبرة. كل كلمة قالها كانت تدور في رأسها كأنها صدى لا يريد أن يختفي."هناك خادمة عجوز كانت تعمل في قصر الشامي القديم."توقفت علياء عند الإشارة الحمراء، ثم أغلقت عينيها للحظة.امرأة في العاشرة من عمرها كانت هناك يوم وقوع الكارثة... امرأة عاشت أكثر من نصف قرن وهي تحمل أسرار ذلك القصر.ربما كانت تعرف الحقيقة.ربما كانت تعرف من وضع المتفجرات.وربما... كانت تعرف علياء نفسها.فتحت عينيها فجأة، وانطلقت بالسيارة نحو العنوان الذي أعطاه لها حارس المقبرة.كان المنزل يقع في منطقة هادئة على أطراف المدينة، بعيدًا عن الضجيج والمباني الفاخرة. بناية قديمة نسبيًا، تحيط بها أشجار كثيفة، وكأن صاحبتها اختارت أن تختبئ عن العالم.أوقفت علياء سيارتها أمام المبنى، وبقيت للحظات تحدق في الباب.ثم نزلت.دخلت إلى البناية، واتجهت نحو المصعد. كانت أصابعها تضغط على زر الطابق المطلوب، لكن قلبها كان يخفق بعنف.صعد المصعد ببطء.طابق...ثم آخر...حتى توقف.خرجت علياء وسا
عادت علياء إلى القصر بخطوات متسارعة، وكأن شيئًا في داخلها يدفعها دفعًا نحو إجابة لم تكن مستعدة لسماعها.منذ خروجها من المقبرة، لم تستطع التخلص من صورة القبرين من رأسها، ولا من ذلك الشعور الغريب الذي لازمها كلما ذُكرت أسماء علياء ونجلاء السعدي.دخلت مكتبة القصر وأغلقت الباب خلفها، ثم أمسكت هاتفها واتصلت بفهد.لم تمر سوى لحظات حتى جاء صوته من الطرف الآخر:— علياء؟ ماذا حدث؟صمتت للحظة، ثم قالت بصوت متوتر:— فهد... أريد منك أن تساعدني.— في ماذا؟ابتلعت ريقها وقالت:— أريد أن أفتح قبر علياء ونجلاء السعدي.ساد الصمت.ثم جاء صوت فهد مصدومًا:— ماذا؟! لماذا تريدين نبش الماضي؟ لقد دُفنتا منذ سنوات طويلة، وما حدث انتهى.أغمضت علياء عينيها.— بالنسبة إليك انتهى... أما بالنسبة إليّ فلا شيء انتهى.— ماذا تقصدين؟فتحت عينيها وقالت بحزم:— أريد أن أبرئ نفسي قدر الإمكان.تغير صوت فهد.— هل تظنين أن القبر سيعطيك جوابًا؟— لا أعرف... لكنني أشعر أن هناك شيئًا مخفيًا. شيء يتعلق بعلياء ونجلاء وبقصر الشامي... وأنا لن أرتاح حتى أعرف الحقيقة.ظل فهد صامتًا لثوانٍ، ثم قال:— حسنًا. سأفعل ما طلبتِ.---بعد س
دخلت علياء المقبرة بخطوات بطيئة، وكانت تشعر بثقل غريب يضغط على صدرها كلما اقتربت من الصفوف القديمة للقبور.لم تكن تعرف لماذا جاءت إلى هنا بالضبط.شيء ما في داخلها كان يدفعها إلى هذا المكان، وكأن روحها نفسها ترفض أن تهدأ قبل أن تعرف الحقيقة.كانت المقبرة هادئة بصورة مخيفة. أشجار السرو تتحرك مع الريح، وأصوات أوراقها الجافة تتداخل مع صمت المكان.لمحت أخيرًا الرجل المسؤول عن حراسة المقبرة، رجلًا مسنًا يعرف تاريخ القبور وأصحابها منذ سنوات طويلة.اقتربت منه وقالت:— سيدي... أريد أن أسألك عن قبر عائلة الشامي.رفع الرجل عينيه إليها، ثم أشار بيده نحو أحد الأجزاء البعيدة من المقبرة.— قبر عائلة الشامي؟ هناك.ترددت علياء لحظة قبل أن تسأله:— وهناك قبر آخر... باسم علياء السعدي ونجلاء السعدي؟تغيرت ملامح الرجل قليلًا.— نعم، هناك أيضًا.شعرت علياء بقشعريرة تسري في جسدها.— هل تستطيع أن تخبرني قصتهما؟جلس الرجل على مقعد حجري قريب، ثم قال:— قصتهما قديمة جدًا. علياء ونجلاء كانتا ابنتي أكبر تاجر مجوهرات في البلاد. وبعد حادثة القصر، دُفنتا هنا.حدقت علياء في الأرض.ثم سألت بصوت خافت:— وحدهما؟هز الرج
بعد أن عمّ الهدوء أرجاء القصر أخيرًا، بدا المكان وكأنه استعاد أنفاسه بعد عاصفة طويلة. عاد كل واحد إلى عمله، وانشغل أفراد العائلة بحياتهم اليومية، بينما غادر الطبيب المعجزة البلاد بعدما ترك خلفه أسئلة أكثر مما ترك من إجابات. لم يكن أحد يعرف متى سيعود، ولا ما إذا كان قد قال لهم كل ما يعرفه. أما علياء، فبقيت وحدها في إحدى الشرفات، تحدّق في الحديقة دون أن ترى أشجارها ولا أزهارها. كانت تفكر في شيء واحد فقط. فهد. لقد تغيّر. لم يعد ذلك الرجل الذي كانت تعرفه في الماضي فحسب، بل بدا وكأنه استعاد شيئًا عميقًا كان مدفونًا داخله منذ سنوات. هدوؤه، نظراته، طريقته في الحديث، وحتى بعض حركاته الصغيرة... كلها كانت تؤكد لها شيئًا لم تعد قادرة على إنكاره. فهد هو نفسه... قبل وبعد. وكأن الزمن لم يغيّر روحه، بل أخفى جزءًا منها ثم أعاده إلى مكانه. أما نجلاء... فقد كانت أكثر إثارة للدهشة. منذ أن بدأت ذاكرتها تستعيد توازنها، عادت إلى طبيعتها الهادئة المحببة لدى الجميع. لم تعد تلك المرأة المضطربة التي تحاول فهم ما يحدث حولها، بل عادت نجلاء التي يعرفها الجميع؛ بابتسامتها الرقيقة، وكلماتها اله
كان الرجل الواقف خلف الباب هو الطبيب المعجزة.لم يكن وجوده هناك محض مصادفة، ولم يكن يصغي إلى حديثهم بدافع الفضول. فقد كان يعرف أكثر مما ينبغي؛ يعرف أسرار قصر الشامي المدفونة منذ عقود، ويعرف ما جرى في تلك الليلة التي حاول الجميع طمرها تحت رماد الزمن.ومع ذلك، لم يتدخل.آثر أن يترك فهد وعلياء ونجلاء يقتربون من الحقيقة بأنفسهم، خطوة تلو أخرى، حتى يبلغوا نقطة لا يستطيعون عندها التراجع.كان يدرك أن الذاكرة لا تُنتزع بالقوة، وأن بعض الأسرار لا تستيقظ إلا حين تلامس اليد شيئًا ما زال يحتفظ ببرودة الماضي.في الداخل، ظلت علياء تحدق في الأغراض القديمة، فيما ازداد وجهها شحوبًا مع كل لحظة.العطر...ساعة اليد...الصورة...حتى الملابس المعلقة في الخزانة!كان كل شيء مطابقًا لما تتذكره عن السيد فهد قبل خمسين عامًا.مدّت يدها نحو إحدى السترات، ثم سحبتها بسرعة، كأنها لمست جلدًا حيًا يحترق.تمتمت:— هذا مستحيل...رفعت عينيها إلى فهد، وفي نظرتها خوف لم يفهمه أحد.— العطر نفسه... الساعة نفسها... خط اليد نفسه... حتى طريقة اختيار الملابس!ثم تراجعت خطوة، فاصطدمت بالخزانة.— هل يمكن أن تكون كل هذه مجرد مصادفا
كانت علياء تقف أمام فهد وكأن كلماتِه قد تحولت إلى صاعقة أصابتها في مكانها.لم تستطع أن تستوعب ما قاله.غدارة... ماكرة... قاتلة!هل كان يتحدث عنها حقًا؟هل كانت في تلك الحياة امرأة أخرى تمامًا؟ امرأة ارتكبت أفعالًا لا تتذكرها، ثم عادت روحها إلى هذه الحياة تحمل الأسرار نفسها دون أن تعرف؟نظرت إلى فهد النائم بوجه شاحب، بينما كان المهدئ الذي وصفه له الطبيب قد بدأ يفعل مفعوله. كان يتنفس بانتظام، غارقًا في نوم عميق، وكأن عقله أخيرًا استسلم بعد أيام من العذاب.أما نجلاء، فقد غادرت إلى قصرها للاطمئنان على ابنها وابنتها ليلى وحفيدتها الصغيرة.وللمرة الأولى منذ ساعات، أصبح القصر هادئًا.لكن الطبيب المعجزة لم يكن موجودًا أيضًا.لقد خرج للبحث عن نبتة عشبية نادرة كان يعتقد أنها قد تساعد في التخلص من آثار الدواء الذي يتعب جسد فهد.استغلت علياء غيابه.لم تكن تعرف لماذا دفعها فضولها إلى ذلك المكان، لكنها وجدت نفسها تسير في ممر جانبي من القصر، حتى توقفت أمام باب قديم.باب لم تره مفتوحًا من قبل.رفعت يدها نحو المقبض، ثم ترددت.كانت هناك لوحة صغيرة مثبتة على الباب:"ممنوع الدخول."ابتلعت ريقها.لكن شيئً







