توقف الزمن في عقل قاسم عند كلمات عمه الأصغر القذرة. شعر ببركان ينفجر في عروقه، ولم يعِ بنفسه إلا وهو ينقض كالمجنون على ياقة عمه، كابساً على عنقه بيد، ورافعاً يده الأخرى بقبضة حديدية مهشمة، كاد يطيح بها برأسه لولا صرخة عمته الهستيرية التي هزت جدران صالة العزاء. اندفع عمه الأكبر بسرعة، وبصعوبة بالغة دفع قاسم بعيداً عن شقيقه المذعور الذي كان يتنفس بحشرجة والخوف يأكل عينيه. تراجع قاسم للوراء بجسد يرتجف، ورفع يديه باستسلام يائس وصدمة من نفسه... كاد يضرب عمه الذي هو في مقام والده، وفي يوم جنازة والديه! وبغلّ مفرط وألم فاق الاحتمال، أطلق قاسم صرخة ممزقة أفرغ فيها كل حزنه، وحقده، ويأسه، وضـرب قبضته العارية في الجدار الخرساني بكل قوته، لتنفجر الدماء من يده أمام ذهول أعمامه وصدمتهم من ردة فعله العنيفة. ركضت عمته نحوه تدفعه بعيداً لئلا يؤذي نفسه أكثر وهي ترى الدم يسيل على الأرض، وصرخت برعب: - "هل أصابك الجنون أنت الآخر كوالدتك ... أخبرتكم هذه الطفلة ملعونة كل من يقترب منها يصاب بلعنة حنان ذاتها ؟!" مسح قاسم الدم عن يده بنظرات تحمل خيبة أمل تزن الجبال. لكن عمه الأصغر، الذي استعاد أنفاسه، وقف
اقرأ المزيد