LOGINحين يمنحك السجن فرصة للهرب... فإنه يكون قد اختار مسبقًا أين ستسقط.بعض الأقفاص لا تُغلق أبوابها لأنها واثقة أن الهارب لن يجد طريقًا إلى الخارج.وبعض السجون لا تحتاج إلى سجان يقف عند كل زاوية...فالجدران نفسها تعرف كيف تعيد فريستها إليها.---ما إن غادر البارون الجناح، حتى لم تُضع ماسة ثانية واحدة.وقفت خلف النافذة تراقب السيارة السوداء وهي تعبر الطريق الحجري الطويل قبل أن تختفي خلف الأشجار الكثيفة خارج القصر.انتظرت حتى توارت تمامًا عن الأنظار، ثم زفرت ببطء.الفرصة قد لا تتكرر.ورغم أن القصر يعج بالحراس والكاميرات والعيون التي لا تنام، إلا أن عقلها كان أكثر هدوءًا من قلبها الذي كان يخفق بعنف.إذا أرادت الهرب يومًا...فعليها أولًا أن تحفظ هذا المكان كما يحفظ السجين قضبان زنزانته.التفتت نحو ليان التي كانت تلعب في الحديقة الصغيرة الملحقة بالجناح.اقتربت منها وانحنت حتى أصبحت في مستواها، ثم همست بحركة شفتيها لتقرأها ليان:ــ ليان... ما رأيك أن تأخذيني في جولة داخل القصر؟ أنتِ تعرفينه أكثر مني.ابتسمت الصغيرة وأومأت بحماس.كانت قد تعلمت خلال الأيام الماضية أن ماسة هي الإنسان الوحيد الذي ي
ليست كل السجون جدرانًا من حجر...بعضها يُشيَّد من الحرير والرخام والحدائق المزهرة.وبعض الأقفاص تكون أبوابها مفتوحة على مصراعيها، ومع ذلك يعجز السجين عن الهرب.فحين يصبح مصيرك ملكًا لغيرك، لا يهم إن كان السوط في يده...أو كانت الوردة.كلاهما قادر على سلب حريتك بالطريقة ذاتها.⭐⭐⭐عادت ماسة بذاكرتها إلى أرض الواقع وهي تتأمل ليان، وشعرت بغصة من الفخر وهي تتأكد من صحة قرارها؛ فعلى الأقل استطاعت أن تنتشلها من ذلك الجحيم. لكن قلبها همس بمرارة:«ولكنكِ أدخلتها جحيمًا آخر».انقبض صدرها، وتمنت بكل ما تملك أن تكون مخطئة. وفي تلك اللحظة، فُتح باب الجناح؛ فدخل البارون بخطوات هادئة واثقة، تحيطه سلطة صارخة تُعلن أن المكان كله ينتمي إليه.رفعت ليان رأسها نحوه، وما إن وقع بصرها عليه حتى تراجعت خطوة إلى الخلف، وانعقد الخوف داخل عينيها الصغيرتين.قال بصوته العميق:صباح الخير."Good morning."انحنت ماسة نحو ليان وأشارت إليها بلطف:اذهبي إلى الحديقة، سألحق بكِ بعد قليل.لم تنتظر ليان أكثر من ذلك، بل قفزت من مكانها وانطلقت نحو الباب بفرح واضح. وظلت ماسة تراقبها حتى اختفت عن الأنظار، وعندها فقط التفتت إلى
أحيانًا يكون الجحيم مزخرفًا بالذهب والحرير... لكنه يظل جحيمًا.منذ أن خطت "ماسة" خطواتها الأولى داخل هذه الفيلا، وهي مبهورة بكل ما تراه. حتى هذه اللحظة، لم تستوعب أنها هنا لليوم الخامس على التوالي دون تعذيب، أو ترهيب، أو إذلال.كانت تعلم يقينًا بأن "البارون" ليس ذلك الرجل الطيب الذي يدعيه، وكانت تنتظر بفارغ الصبر أن يكشر عن أنيابه؛ لذا لم تثق به ثقة عمياء، ولم تأخذ راحتها ولو للحظة واحدة.كانت تأكل بتردد وحذر، بالكاد تتكلم مع أحد أو ترى أحدًا؛ فكل من كانت تراهم حولها ليسوا سوى خدمٍ من شتى الأجناس والأعراق، وهي بينهم كأميرة داخل قصر ممتلئ بالجواري.لم تكن تخرج من غرفتها، ولكنها كانت تحسب الأيام والليالي بانتظار اللحظة التي تتعافى فيها تمامًا وتسترد قوتها، وحينها ستعود لمقاومة جحيمها الجديد...ذلك الجحيم الذي لم يكن هدوؤه يبشر بخير إطلاقًا، بل كان أشبه بالسكون الذي يسبق الزوبعة.اندفعت "ليان" داخل غرفتها بابتسامة خلابة، ملابسها نظيفة فاخرة، وشعرها الأسود الحريري ينساب بنعومة على ظهرها.كانت ليان قد بدأت في التعافي والتأقلم مع المكان أكثر من ماسة، وكأن الروح قد رُدَّت إليها بعد رحلة طوي
بحلول نهاية الأسبوع الثاني، كان الرشيد قد أصبح أكثر انفتاحاً من أي وقت مضى. جلس ذات مساء في جناحه الفاخر بالفندق، مسترخياً فوق الأريكة الجلدية، وأمامه زجاجة ويسكي باهظة الثمن شارفت على الانتهاء. بدا تأثير الكحول واضحاً على ملامحه، فخفّت حذريته المعتادة وبدأ يتحدث بصراحة أكبر. قال وهو يدور الكأس بين أصابعه: — أنا أتعامل مع السيد مباشرة. هو الذي يستلم الفتيات بنفسه، وهو الذي يقرر مصير كل واحدة منهن. لديه شبكة واسعة جداً... بعض الفتيات يأتين من دول مجاورة، وبعضهن محليات يبحثن عن فرصة أو يهربن من ظروف قاسية. لكل واحدة استخدام مختلف... بعضهن للخدمة المنزلية، وبعضهن للمرافقة والترفيه... وبعضهن لأمور أكثر خصوصية. توقف قليلاً، ثم رفع عينيه نحو قاسم وحدق فيه بنظرة فاحصة. — تبدو رجلاً جاداً يا خالد. إن كان لديك طلب محدد، أستطيع ترتيب زيارة لك. لكن السيد لا يثق بالغرباء بسهولة. هو يثق بي ثقة عمياء لأنني أعرفه منذ سنوات طويلة. ارتسمت ابتسامة هادئة فوق شفتي قاسم بينما أخفى اضطرابه الداخلي ببراعة. قال بلامبالاة متعمدة: — إذا كان ما تقوله صحيحاً... فطلبي بسيط جداً. مال الرشيد نحوه
أما في الجهة الأخرى، فقد كانت خيوط اللعبة تتشابك بسرعة أكبر مما توقع الجميع. بينما كان الرشيد يظن أنه يقترب أخيراً من كشف حقيقة الرجل الغامض الذي ظهر في حياته باسم "خالد الزين"، كان شخص آخر يراقب المشهد بأكمله من خلف الستار. معتز. ذلك الشبح الإلكتروني الذي اعتاد التسلل إلى أكثر الأنظمة تحصيناً دون أن يترك أثراً. منذ اللحظة الأولى التي بدأ فيها الرشيد رحلة البحث عن هوية قاسم، كان معتز يتابع خطواته بصمت، يجمع المعلومات ويربط الخيوط المتناثرة. ولم يكتفِ بالمراقبة فقط، بل تمكن خلال الأيام الماضية من اختراق هاتف الرشيد والوصول إلى مكالماته ورسائله وتحركاته كافة. لذلك، عندما التقط قاسم هاتفه ودعا الرشيد إلى العشاء في الفندق، لم يكن ذلك الخبر قد وصل إلى الرشيد وحده. كان معتز قد سمع المكالمة كاملة. جلس أمام شاشاته المضيئة في غرفة العمليات السرية، وعيناه مثبتتان على البيانات المتدفقة أمامه، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة. لقد بدأت القطع تتحرك أخيراً نحو أماكنها الصحيحة. ارتدى قاسم بدلة أنيقة بلون رمادي داكن، واعتلت وجهه ابتسامة هادئة صُنعت بدقة لتخفي توتره الداخلي العاصف. في ا
صدحت الأصوات في الخارج فجأة.لم تكن أصوات حديثٍ عادي ، بل صرخات حادة ممزقة، ترتفع ثم تنقطع، قبل أن تعود أشد وأقرب، كأن الجدران الخرسانية تعجز عن حبس الرعب الذي يدور خلفها.انتفضت ماسة من مكانها.لكن جسدها المنهك لم يطاوعها .بقيت جالسة على الأرض الباردة لثوانٍ طويلة، تلتقط أنفاسها بصعوبة بينما كانت تلك الصرخات تتردد في أذنيها كالسياط.لم تعرف ماذا يحدث في الخارج.لكن شيئاً واحداً فقط قفز إلى ذهنها.ليان.تلك الطفلة الصغيرة.وجهها البريء.يدها الصغيرة التي تشبثت بها يوم وعدتها أنها لن تتركها.انقبض قلبها بعنف ماذا فعلوا بها؟هل كانت تناديها لتنقذها؟هل صدقت أنها ستعود من أجلها؟أغمضت عينيها بقوة.لا تريد التفكير.لكن الأفكار كانت تتسلل إلى رأسها كالسكاكين.منذ دخولها هذا المكان لم ترَ بشراًأو نوراً .لم تعرف إن كان الوقت صباحاً أم مساءً.كل ما عرفته هو الظلام.في البداية حاولت حساب الساعات.تقدير عدد المرات التي وُضع فيها الطعام عند الباب.لكنها فقدت الإحساس بكل شيء سريعاً.أصبحت الأيام والساعات متشابهة.كانت تشعر أحياناً أن الجدران تضيق عليها فتستيقظ مفزوعة لعدم تأكدها إن كانت
ما كان عليها اخبار والدتها بالحقيقة، فقد صدعت رأسها بكثرة شكوكها ... صاحت والدتها بحدة : - لن اجلس مكتوفة اليدين اراقب ولدي يتزوج من فتاة لا تستحق ظفره . زفرت ميرنا بتذمر : - أمي؟! وانا ايضا لن اجلس مكتوفة اليدين ... فقط لا اريد تحطيم قلبه ... لن اكون سببا في كسره وجرحه . هتفت والدتها مع
ذهبت ثريا لزيارة والدها فقد كانت تتحرق شوقا لرواية الاحداث الاخيرة على مسامعه .لقد هاتفته بالامس لتسرد له جميع الاحداث الا انه حالما علم بخروج ماسة من المنزل اغلق الهاتف في وجهها .والان منذ الصباح تحاول الاتصال به ولكن لا اجابة ... دخلت المنزل باستخدام نسخة من مفاتيحها التي تملكها، نادت بأعلى صوت
انهارت على الارض تبكي بحرقة .لم تعد تحتمل نظرة الالم والذهول على وجهه، لم تعد تحتمل حتى الكلمات التي القتها على مسامعه ... لن تنظر اليه لن تسمع كلماته ولا هجومه عليها لقد اكتفت واخبرته بكل ما لديها ...تجمد قاسم في مكانه، ما زالت معاني أشاراتها تأخذ طريقها الى مداركه ... يعيدها في ذهنه يسجلها ويحف
عادت ماسة لغرفتها حيث كانت ميرنا بانتظارها يغمرها الفضول والتساؤل حول ردة فعل قاسم المبالغ فيها .ماسة لم تفقه شيئا من ثرثرة ميرنا التي لم تنضب، اذ كانت ماسة في عالم آخر بعيدة كلية عن الواقع .- شقيقك هذا مخيف جدا وهو غاضب ... ان كان يغار بهذه الشدة على شقيقته ماذا سيفعل بزوجته .انتفضت كمن اصابتها