جميع فصول : الفصل -الفصل 220

307 فصول

الفصل مئتان و احدى عشر

مرّت الأسابيع التالية، وبدأت الأيام تتشابه إلى حدٍّ جعل ماسة تتوقف عن عدّها.في الصباح، الجامعة.وفي الظهيرة، المكتبة أو إحدى قاعات الدراسة.أما المساء، فتعود إلى المنزل لتكمل ما تبقى من محاضراتها، ثم تنام لتبدأ الدائرة من جديد في اليوم التالي.أما قاسم، فكان يعيش دائرة مشابهة.يخرج مبكرًا، ويعود متأخرًا، وأحيانًا لا تراه إلا لدقائق في الصباح، أو عند العشاء، حين يجمعهما ذلك اللقاء القصير الذي بدأ يشبه عادةً أكثر مما يشبه وقتًا مشتركًا بين زوجين.ومع ذلك...لم تعد المسافة تؤلمها بالطريقة نفسها.ربما لأنها بدأت تعتادها.أو لأنه وعدها أن يمنحها الوقت الذي تحتاجه.لكن القلب...لا يفهم الوعود دائمًا بالطريقة التي يفهمها العقل.في ظهيرة أحد الأيام، كانت ماسة تخرج من المكتبة حين رن هاتفها.ارتسمت ابتسامة تلقائية على وجهها وأجابت:— مرحبًا.جاءها صوت ميرنا حافلًا بالحماس:— أخيرًا! ظننت أنكِ لن تجيبي.ضحكت ماسة.— كنت في المكتبة.— كالعادة.قلبت ماسة عينيها بضجر مصطنع.— وماذا تريدينني أن أفعل؟— تعيشين حياة كبار السن .ضحكت ماسة.— وأنتِ؟ساد الصمت لثانية.ثم قالت ميرنا بنبرة متعمدة:— أنا أ
اقرأ المزيد

الفصل المئتان و اثنى عشر

كانت ماسة تستعد لمحاضرة الدكتور رائد حين لمحت سلمى تركض نحوها، وعلى وجهها ابتسامة واسعة لم تستطع إخفاءها. رفعت ماسة رأسها إليها، ثم ابتسمت بهدوء وهي تنتظر وصولها. توقفت سلمى أمامها تلتقط أنفاسها، وقالت بحماس: — ماسة... ماسة! لن تصدقي! رفعت ماسة حاجبيها بلطف. — اجعليني أصدق... هيا، أخبريني. لكن سلمى صمتت فجأة، واكتفت بالنظر إليها بنظرة غامضة جعلت ماسة تميل برأسها قليلًا. — ماذا؟ اقتربت سلمى منها وهمست، وكأنها تحمل سرًا خطيرًا: — شهاب معي في قسمي الجديد. رمشت ماسة باستغراب، ثم عبست قليلًا. — وما المشكلة؟ هزت سلمى كتفيها بلا مبالاة مصطنعة. — لا توجد مشكلة. ازداد عبوس ماسة. — هل فاتني شيء؟ انفجرت سلمى بالضحك. — أنتِ غبية فعلًا... كم مرة لمحت لكِ أنني معجبة به؟ اتسعت عينا ماسة. — هل فعلتِ ذلك حقًا؟! أومأت سلمى بحماس، ثم وضعت يدها على صدرها وقالت بجدية مبالغ فيها: — أنا واقعة في الغرام! ضحكت ماسة، ولم تستطع منع ابتسامتها. — يا إلهي... منذ متى؟ وهكذا بدأت سلمى تسرد لها تفاصيل صغيرة لم تكن، في نظر أي شخص آخر، تستحق كل ذلك الحماس. طريقته في الحديث. اهتمامه بالآخرين.
اقرأ المزيد

الفصل المئتان و ثلاثة عشر

استيقظت ماسة في اليوم التالي وهي تحمل شوقًا صغيرًا لم تعتده من قبل. كانت تريد أن ترى قاسم. أن تجلس أمامه وتخبره بكل ما لم تجد وقتًا لتخبره به في الأيام الماضية؛ عن تفوقها، عن علاماتها المرتفعة، وعن ذلك الشعور الجميل الذي غمرها وهي ترى ثمار تعبها. حتى إنها تخيلت وجهه وهو يستمع إليها، ونظرته التي كانت قادرة على جعل أبسط إنجازاتها يبدو في عينيها شيئًا عظيمًا. لكن حين خرجت من غرفتها، لم تجده. كالعادة... كان قد غادر إلى عمله مبكرًا. اعتادت غيابه في الصباح، لكنها لم تعتد افتقاده. وكان اشتياقها إليه في ذلك اليوم أشبه بشيء صغير يزداد إلحاحًا كلما حاولت تجاهله. منذ الصباح، وجدت نفسها تفكر فيه بين المحاضرات، وأثناء احتسائها قهوتها، وحتى وهي تقلب صفحات كتابها دون أن تستوعب سطرًا واحدًا. اشتاقت إليه. إلى صوته، إلى حضوره الهادئ، إلى طريقته في النظر إليها وكأنه يلتقط أشياء لا تقولها. حتى صمته، الذي كانت تشعر معه بالأمان، افتقدته. زفرت بضيق وأغلقت كتابها. كانت قد ترقبت عودته ليلة أمس لتخبره بما حققته، لكنها نامت من شدة التعب قبل أن يعود. وفي الأسابيع الماضية، انشغلت بدر
اقرأ المزيد

الفصل مئتان و اربعة عشر

في المكتب كان يومه يسير كالمعتاد؛ اجتماعات متتالية، ملفات متراكمة، واتصالات لم تمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه. جلس قاسم خلف مكتبه، يقلب أوراق أحد العقود بعينين مركزتين، حين دخلت سكرتيرته تحمل مجموعة من الملفات. — هذه الأوراق تحتاج إلى توقيعك، أستاذ قاسم. رفع عينيه إليها. — ضعيها هنا. اقتربت من المكتب، ثم وقفت إلى جواره تقلب الملفات أمامه، تشير إلى المواضع التي تحتاج إلى توقيعه. كان قاسم يتعامل معها ببرود عملي، يوقع الورقة تلو الأخرى دون أن يرفع عينيه إلا للحاجة. — وهذه؟ — العقد الجديد مع الشركة التركية. وقّع. — وهذه؟ — تقرير الحسابات. وقّع أيضًا. لم يكن في الأمر ما يستحق الانتباه. لكن السكرتيرة كانت تملك تفسيرًا آخر لقربها منه. كانت تتعمد إطالة وقوفها، وتختار في كل مرة زاوية تجعلها أقرب إليه. وقاسم لم يلاحظ. أو ربما لم يهتم. في تلك اللحظة تحديدًا، كانت ماسة تقف أمام باب مكتبه. توقفت يدها على المقبض. لم تكن السكرتيرة في الاستقبال، فلم تجد من يخبر قاسم بوجودها. ولأنها لم ترغب في الانتظار طويلًا، دفعت الباب برفق. لكنها توقفت قبل أن تناديه. كان أول ما رأته قاسم. ثم ال
اقرأ المزيد

الفصل مئتان وخمسة عشر

كان قاسم قد قرر، منذ أن أخرج ماسة من الشركة ذلك الصباح، أن يترك اليوم يسير كما تشاء هي.لا خطط محددة، ولا أماكن ملزمة، ولا ساعة يعودان فيها.فقط هي... وما ترغب في فعله.سارا طويلًا في الشوارع القديمة، بين المقاهي الصغيرة والمحلات المتراصة. وكانت ماسة تلتفت إلى كل ما يلفت انتباهها؛ واجهة متجر تثير فضولها، بائع متجول ينادي على بضاعته، قطة تتوسد ظل مقعد، أو نافذة تتدلى منها أزهار ملونة.كان قاسم يراقبها أكثر مما يراقب الطريق.كلما توقفت، توقف معها.وكلما ابتسمت، وجد نفسه يبتسم دون أن يشعر.وفي الظهيرة، اختارا مطعمًا صغيرًا ذا شرفة مفتوحة على الشارع.جلست ماسة قبالته، وأخذت تقلب قائمة الطعام بحيرة، تقرأ سطرًا ثم تعود إلى السطر نفسه وكأن الإجابة ستظهر بين الكلمات إن منحته مزيدًا من الوقت.راقبها قاسم لحظات، ثم سأل:— ماذا تريدين؟— لا أعرف.رفع حاجبه.— تنظرين إلى القائمة منذ خمس دقائق، وما زلتِ لا تعرفين؟رفعت عينيها إليه بثبات.— لأنني أحاول أن أعرف.ابتسم، ثم انتزع القائمة من بين يديها وأغلقها ووضعها جانبًا.— حسنًا. سأطلب لك.اتسعت عيناها.— إذا كنت أنا نفسي لا أعرف ماذا أريد، فكيف ستع
اقرأ المزيد

الفصل مئتنان وستة عشر

اقترب المساء، واكتست السماء بلون ذهبي يميل إلى البرتقالي، بينما بدأت أضواء المحلات تنعكس على الأرصفة. كانا يسيران جنبًا إلى جنب حين وصل إلى مسامعهما صوت غيتار. التفتت ماسة. وفي اللحظة التالية، توقفت تمامًا. — باسل ! تبع قاسم نظرتها. عرفه فورًا. ذلك الشاب الذي التقاه مرة في الجامعة. كان باسل يقف عند طرف الرصيف، يعزف أمام عدد قليل من المارة. ظهرت على شفتي ماسة تلك الابتسامة التي كان قاسم يعرف جيدًا أنه لا يستطيع مقاومتها. مدت يدها إليه. — تعال. — إلى أين؟ — لتشجيعه. وقبل أن يمنحها فرصة أخرى، كانت قد أمسكت يده وسحبته معها. وقفا بين المتفرجين القلة المحيطين باسل . راقبته ماسة لحظات، ثم التفتت إلى المارة المسرعين إلى أعمالهم. كان عدد المشاهدين قليلًا. صفقت. مرة. ثم أخرى. ثم أطلقت صفيرًا عاليًا من بين شفتيها. التفت بعض المارة. واصلت التصفيق بحماس، ورفعت صوتها: — هيا يا باسل! رائع! رفع الشاب رأسه. وما إن رآها حتى أشرق وجهه بابتسامة. لوحت له بيدها. — أحسنت! هيا! ضحك باسل وهو يعزف. أما قاسم، فوقف بجانبها في ذهول. نظر إليها. ثم إلى
اقرأ المزيد

الفصل مئتان وسبعة عشر

كان الدكتور رائد يقود سيارته ببطء وسط الزحام المسائي، حين توقفت عيناه فجأة عند الرصيف المقابل.ماسة.ضغط على الفرامل دون وعي، وتابعها بنظرة طويلة.كانت تبتسم... ابتسامة دافئة وصافية، وهي تتحدث مع رجل يقف إلى جوار سيارة، قبل أن تصعد إلى المقعد الأمامي بجانبه.لا بد أنه زوجها.ظل رائد يراقبهما حتى ابتلعتهما حركة الشارع، وشعر بشيء من الارتياح.كانت بخير.بل... كانت سعيدة.وفجأة، وخزته أصابع ناعمة في جنبه.ـ رائد؟التفت إلى زوجته، التي كانت تنظر إليه بدهشة.ـ ما الذي كنت تحدق فيه هكذا؟ابتسم ابتسامة صغيرة، وأعاد عينيه إلى الطريق.ـ لا شيء... مجرد وجه قديم مرّ أمامي.لكنها لم تقتنع تمامًا.وقبل أن تسأله من جديد، تعالت أصوات التوأم من المقعد الخلفي.ـ فزت!ـ كاذب! أنت غششت!ـ أنا؟ أنت ضغطت قبلي!تنهد رائد وهو يرمقهما من المرآة. كان كل منهما ممسكًا بهاتفه، وقد تحولت معركتهما الإلكترونية الصغيرة، كعادتهما، إلى حرب حقيقية.جاء صوت ابنتهما من المقعد المجاور متذمرًا:ـ يا إلهي... أبي، هل ستستمر بالقيادة أم أقود أنا؟التفت إليها رائد عبر المرآة.ـ لا تحاولي... لن أسمح لك بالقيادة قبل حصولك على ال
اقرأ المزيد

الفصل مئتان وثمانية عشر

– ماذا تفعلين؟!تجمّدت في مكانها. ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم استدارت ببطء، وبابتسامة مرتجفة همست:– مساء الخير...نظر إلى الساعة، ثم عاد بعينيه إليها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة.– إنه الصباح تقريبًا.عضّت شفتها السفلى، بينما أخذ يقترب منها ببطء. لم يبدُ عليه أي ارتباك أو خجل، وهذا بالذات ما جعل موقفها أكثر صعوبة.لو ارتبك قليلًا... لاعتذرت وهربت.توقّف أمامها وسألها بهدوء:– هل تحتاجين شيئًا؟هزّت رأسها نافية، لكن اقترابه كان يحبس أنفاسها.تأمل وجهها للحظة، ثم سأل بفضول:– هل أنتِ مريضة؟أشاحت بنظرها بعيدًا عن جسده، وهزّت رأسها مرة أخرى.رفع يده وتحسّس جبهتها بعبوس خفيف.– وجهكِ أحمر... هل تعانين من الحمى؟لم تجب.كانت ضربات قلبها تصم أذنيها، ومشاعرها تتنازع داخلها بين الخوف والشوق.ابتسم قليلًا وهو يبعد يده، ثم قال بتهكّم لطيف:– هل فقدتِ صوتكِ مجددًا؟عضّت شفتها بحرج، وهمست وهي تتهرّب بعينيها منه:– سأنتظر حتى ترتدي ملابسك.اتسعت ابتسامته، مدركًا تمامًا سبب ارتباكها.– إذن ستنتظرين طويلًا... أنا متعب، وأخذت حمامًا كي أستطيع النوم، ولا أنوي ارتداء ملابسي الآن.ثم انحنى نحو أذنها،
اقرأ المزيد

الفصل مئتان وتسعة عشر

كان يدرك توترها، لكنه تعامل معها بطبيعية متعمدة؛ أراد أن يكسر خوفها دون أن يتجاوز المسافة التي وضعتها بينهما.جلس إلى جوارها، تاركًا بينهما مسافة صغيرة.شغّل فيلمًا عشوائيًا.لكن أياً منهما لم يكن ينظر إلى الشاشة حقًا.مرّت دقائق صامتة.كانت تحدّق في المشاهد دون أن ترى شيئًا، بينما كان يراقبها من طرف عينه.وأخيرًا قال بصوت منخفض:– لم تأتِ من أجل فيلم، أليس كذلك؟ارتجفت قليلًا.فكرت في نفسها أن الأمر كان سيكون أسهل لو ارتدى شيئًا... ربما كانت ستستطيع عندها أن تستمتع بالفيلم دون أن تشعر بأن كل حواسها معلّقة به.لم يحصل على جواب.ومع ذلك، كان يفهم تمامًا المعركة التي تدور داخلها.مدّ يده ببطء، ولمس أصابعها التي كانت تتشبث بحافة السرير.لم يقبض عليها.اكتفى بملامستها.ثم قال بهدوء:– أوفيت بوعدي. منحتكِ الوقت الذي طلبته، ولم أضغط عليكِ يومًا...توقّف لحظة، ثم نظر في عينيها.– لكنكِ أنتِ من أتيتِ إليّ.خفضت رأسها.وحين تكلمت، خرج صوتها ضعيفًا، كأنه انتزع من مكان عميق في داخلها:– أنا... خائفة.لان وجهه.– أعرف.رفع عينيه إليها بنظرة حانية.– وأنا هنا. لن أفعل شيئًا لا تريدينه.صمت قليلًا،
اقرأ المزيد

الفصل مئتان و عشرون

في صباح اليوم التالي، استيقظت ماسة ببطء، كأن روحها تعود إلى جسدها قطعةً قطعة. أول ما أحسّت به كان دفءًا ثقيلًا يحيط بها من كل جانب، ورائحةً مألوفةً امتزجت فيها رائحة الصابون بروائح الرجولة الهادئة. فتحت عينيها على غرفةٍ مغمورةٍ بضوء الفجر الخافت، وأدركت فجأةً أين هي... وعلى صدر من تنام.أمسِ... كل شيءٍ عاد إليها دفعةً واحدة. الليلة التي تجاوزت كل خوفها، وكلّ تلك الايام التي قضتها تعتقد أنها مكسورة، مدنّسة، و غير صالحة للحب . الان اكتشفت الحقيقة الصادمة والسعيدة معًا: أنها لا تزال عذراء... نقيةً لم يمسّها أحد. وأنّ كلّ ذلك العذاب الذي عاشت فيه، وكلّ تلك الأيام التي قضاها قاسم بعيدًا عنها. لم يكن لها أيّ داعٍ أبدًا .أحسّت بحرارة وجهها ترتفع فجأة. حاولت أن تتسلل من بين ذراعيه بهدوء، كأنّها تستطيع أن تمحو ما حدث لو ابتعدت عنه بضع سنتيمترات. لكن ذراعًا قويةً اشتدّت حول خصرها فجأة، و سحبتها بلطفٍ حازمٍ إلى الوراء حتى التصق ظهرها بصدره العاري.— لا تذهبي.صوته كان خشنًا من النوم، لكنه كان واعيًا تمامًا. همس الكلمات في أذنها وهو يدفن وجهه في شعرها، يداعب خصلاتها بحركات بطيئةٍ كأنه يحاو
اقرأ المزيد
السابق
1
...
2021222324
...
31
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status