LOGINكان قاسم يراقب العميد. للمرة الأولى، لم يعد الرجل يبدو واثقًا كما دخل. تابع المحامي: — لدينا أيضًا إفادتان من طالبتين أخريين. كلتاهما تحدثتا عن استخدام الدرجات والسلطة الأكاديمية للضغط عليهما. قال العميد بغضب: — كذب! أجاب المحامي. — لكن إذا كانت هذه مجرد ادعاءات كاذبة، فلا يوجد ما يدعو موكلنا للخوف من فحصها. تدخل المحقق: — هل تقدمت أي من الطالبات بشكوى رسمية؟ — إحدى الإفادات القديمة موجودة في سجلات الجامعة، ولدينا ما يثبت وجود مراسلات متبادلة. أما الأخريات فمستعدتان لتقديم إفادتيهما رسميًا. نظر المحقق إلى العميد. — هل سبق أن تلقيت شكوى تتعلق بسلوكك مع الطالبات؟ صمت خليل. كان الصمت هذه المرة أطول. قال محاميه: — موكلي لا يرغب في الإجابة عن هذا السؤال قبل الاطلاع على كامل المستندات. أومأ المحقق ببطء. ثم أعاد نظره إلى ملف ماسة. — دعونا نعود إلى زوجة السيد قاسم. فتح محامي قاسم صفحة أخرى. — موكلتي لم تنكر ضرب العميد. — أعرف. — لكنها قالت منذ البداية إنها ذهبت إلى منزله لمواجهته بشأن تهديداته، ثم وقع ما دفعها إلى استخدام القوة. قال العميد فورًا: — هذا كذب لم أقم بتهد
ترك قاسم ماسة دون كلمة. ظل وجهها خلف القضبان يرافقه حتى نهاية الممر. هناك كان المحامي ينتظره. قال قاسم فور أن وصل إليه: — أريدها خارج هذا المكان الليلة. أومأ المحامي. — هذا ما أعمل عليه. زفر قاسم بعمق رفع المحامي عينيه إليه. — إذن؟ قال قاسم بهدوء: — سنثبت أن ما حدث لم يكن اعتداءً من طرف واحد... وبعدها نفتح الملف الذي لم يكن يريد لاحد ان يفتحه . تبادل الرجلان نظرة قصيرة. ثم دخلا غرفة التحقيق. كان العميد خليل يجلس إلى جوار محاميه. ذراعه معلقة أمام صدره، ورقبته ملفوفة بضماد طبي، لكنه رفع رأسه بثقة ما إن رأى قاسم. — زوجتك اعترفت. توقف قاسم أمام الطاولة. — اعرف بدت المفاجأة على وجه العميد. — إذن لا أفهم سبب وجودنا هنا. تدخل المحقق: — دعنا نلتزم بالوقائع. أومأ قاسم. — هذا ما أريده تمامًا. فتح محاميه الملف ووضع أمام المحقق أول مجموعة من المستندات. — لدينا تسجيلات من كاميرات الشارع ومداخل المبنى. نظر المحقق إلى الشاشة. ظهر تسجيل وصول ماسة إلى منزل العميد. دخلت وحدها. ثم ظهر العميد وهو يفتح لها الباب. توقف المقطع. قال المحامي: — هذا يثبت شيئًا واحدًا على الأقل
استيقظت ماسة على فراغ بارد إلى جوارها.مدّت يدها دون وعي إلى المكان الذي اعتادت أن تجده فيه.لم تلمس سوى الملاءة.فتحت عينيها ببطء.كانت الغرفة هادئة على نحو غريب، والضوء الرمادي المتسلل من بين الستائر يخبرها أن الصباح لم يكتمل بعد.رفعت رأسها قليلًا.— قاسم؟لا إجابة.جلست في السرير، وأخذت تنظر إلى الباب للحظات.تذكرت أنه أخبرها في الليلة السابقة بأنه سيخرج لبعض الوقت لإنهاء أمر عاجل .غادر دون أن يزعجها .أنزلت قدميها إلى الأرض.وفي اللحظة التي وقفت فيها، شعرت بوخزة خفيفة في ذراعها.نظرت إلى الخدوش الممتدة على جلدها.مررت أصابعها فوقها بحذر.وعادت إليها صور الليلة الماضية...فحص الطبيب لها، وتلك النظرة التي ظل قاسم يراقبها بها بينما كان يسجل إصاباتها واحدة تلو الأخرى. تنهدت.كان كل ما تريده الآن أن تراه .أن تسمع صوته.مدّت يدها إلى الهاتف.وفي اللحظة نفسها...جاء طرق قوي على الباب.تجمدت.طرقة ثانية.ثم صوت رجولي واضح:— شرطة.تسارعت أنفاسها.نظرت نحو الباب، ثم إلى هاتفهااقتربت بحذر.— لحظة.جاء الصوت من خلف الباب:— السيدة ماسة؟ افتحي الباب من فضلك.ترددت.ثم فتحت.ما إن انفتح ا
بعد نحو نصف ساعة، عاد قاسم إلى الغرفة. وجدها مستلقية كما تركها، أكثر هدوءًا هذه المرة، وإن ظل الشحوب عالقًا في وجهها. جلس إلى جانبها دون كلمة، ومد يده فأمسك يدها بين أصابعه. كانت يده دافئة وثابتة، كأن مجرد إمساكه بها وعدٌ صامت بأنه لن يتركها وحدها. تأمل وجهها لحظات، ثم سألها بهدوء: — كيف أنتِ الآن؟ خفضت عينيها إلى يدهما المتشابكتين. — بخير... حقًا. لم يكن هناك داعٍ للطبيب. أومأ دون جدال، ثم رفع يده الأخرى وأزاح خصلة شاردة عن جبينها. — جيد... ارتاحي قليلًا. همَّ بالنهوض، لكن أصابعها أطبقت فجأة حول ذراعه. توقف والتفت إليها. — إلى أين؟ تردد لحظة. — لدي بعض الأعمال. سأنجزها و... قاطعته بسرعة، وكأن السؤال أفلت منها قبل أن تتمكن من منعه: — هل ستتركني؟ سكنت ملامحه. ثم قال بتهكم خفيف يخفي وراءه شيئًا أثقل: — لماذا؟ هل تريدين مناقشة طلاقنا؟ عضت شفتها وسحبت يدها بحرج. — لكنني لم أطلب الطلاق... ظل ينظر إليها لحظات، ثم تنهد وعاد إلى مكانه. رفع ذقنها برفق حتى التقت عيناها بعينيه. — وكأنني سأوافق لو طلبتِ. ارتجفت شفتاها. اقترب منها وقال بصوت منخفض، حازم: — ماسة... أخبرتك
«انتهى الأمر أيتها اللقيطة... Game over.»شعرت بشيء ينقبض داخل صدرها.لم تفهم.ألم ينتهِ الأمر منذ وقت طويل؟شعرت بتأنيب ضمير قاسٍ يثقل قلبها.قاسم يراعي مشاعرها.يعرف أنها متعبة، لذلك يلتزم الصمت.لكن عليها أن تخبره بكل شيء.أن توضح له ما حدث بالضبط.هذا حقه عليها...حقه الذي أهملته وتجاهلته كثيرًا بسبب غبائها.لم تمضِ سوى دقائق قليلة على خروج قاسم من الغرفة، حتى سمعت ماسة وقع خطواته يقترب من جديد.رفعت رأسها بتردد.انفتح الباب، وظهر قاسم عند العتبة، وفي يده صينية صغيرة.توقفت أنفاسها للحظة.كان يحمل طبقًا صغيرًا من الطعام، وكوبًا من الحليب الساخن يتصاعد منه بخار خفيف.تأملته ماسة بصمت.عاد إليها.رغم كل شيء... عاد.اقترب قاسم ووضع الصينية على الطاولة بجوار السرير، ثم التفت إليها ... وانحدرت نظراته الى الهاتف في يدها ... بارتباك طفيف اقفلت هاتفها ووضعته تحت الوسادة متجنبة نظراته المستفسرة سألها بهدوء : — متى كانت آخر مرة تناولتِ فيها طعامك؟رفعت رأسها نحوه وعلقت عينيها في اللطف والاهتمام البادي في نظراته اليها، كان في عينيها نجوم صغيرة تلمع عشقاً و ولهاً .انتبهت متأخرة إلى أنه يح
هبط قاسم الدرجات مسرعًا، والهاتف ما يزال في يده، لكن شيئًا واحدًا ظل يتردد في رأسه منذ سمع صوتها.ذلك الانكسار.والسؤال الذي لم يفارقه«هل ما زلت غاضبًا مني؟»أطبق أصابعه على المقود حين جلس خلفه، ثم أغمض عينيه لثانية.لم يعد غاضبًا.كان يريدها فقط... سليمة، أمامه.وبأي ثمن.لم يحتج إلى وقت طويل حتى وجدها.كانت جالسة على مقعد حجري بمحاذاة البحر، تضم ذراعيها إلى جسدها، وكأنها تحاول الاحتماء من العالم كله.توقفت السيارة أمامها.ترجل قاسم بسرعة، لكنه ما إن وقعت عيناه عليها حتى تباطأت خطواته.لم تكن تلك ماسة التي يعرفها.وجهها شاحب، عيناها حمراوان، وشعرها مبعثر حول وجهها. كانت تحدق في البحر بشرود، وكأنها لا ترى شيئًا مما حولها.اقترب منها دون كلمة.رفعت رأسها، وما إن رأته حتى ارتجفت شفتاها.— قاسم...لم يجب.خلع معطفه ووضعه حول كتفيها، ثم انحنى أمامها.— هل تستطيعين الوقوف؟هزت رأسها بصمت.مد يده إليها.ترددت لحظة، ثم وضعت يدها في يده.كانت باردة.إلى حد جعل قلبه ينقبض في صدره.ساعدها على الوقوف، وأحاط كتفيها بذراعه، ثم قادها إلى السيارة.لم يسألها أين كانت.لم يسألها ماذا حدث.ولم يفتح با
توقف الزمن في عقل قاسم عند كلمات عمه الأصغر القذرة. شعر ببركان ينفجر في عروقه، ولم يعِ بنفسه إلا وهو ينقض كالمجنون على ياقة عمه، كابساً على عنقه بيد، ورافعاً يده الأخرى بقبضة حديدية مهشمة، كاد يطيح بها برأسه لولا صرخة عمته الهستيرية التي هزت جدران صالة العزاء. اندفع عمه الأكبر بسرعة، وبصعوبة بالغة
أمعنت ماسة النظر أمامها بتوتر، لتتفاجأ بقصي يظهر من بين الظلال وهو يلهث بقوة، كأنه ركض خلفها لمسافة طويلة. اقترب منها بخطوات سريعة، وما إن وصل إليها حتى أمسك بذراعها قائلاً بغضب واضح: — هل جننتِ؟! لم يكن عليكِ المغادرة وحدكِ بهذا الوقت. اتسعت عينا ماسة بذهول. كيف يجرؤ على التحدث معها بهذه الطريق
منذ سفر حنان وسالم لحضور خطوبة قاسم، تحوّل المنزل إلى ساحة حرب صامتة. كانت هناء تراقب ماسة وكأنها دخيلة على العائلة، لا ابنة تربّت بينهم منذ طفولتها. ومع ذلك… لم ترد ماسة يومًا. كل كلمة جارحة كانت تستقبلها بابتسامتها الهادئة نفسها، وكأنها ترفض النزول إلى مستوى خالتها مهما استفزتها. وفي مساء
كان وجود زوج ك سالم مصدر فخر لها بقوته وهيبته و حكمته وعدله، لم يخيب ظنها يوما لطالما ساندها ووقف الى جانبها في اسوأ الاوقات . تنهدت حنان وهي تشكر حظها للمرة الألف لحصولها على زوج مثله . عادت بنظراتها الى ماسة النائمة في حضنها و كأنها غنيمتها من احدى غزواتها التي قامت بها . كانت ماسة تتميز بجمال