جميع فصول : الفصل -الفصل 110

255 فصول

100

في السابعة صباحًا، كان موقع «مدينة السحاب» قد بدأ يستعيد حركته.رافعات تتحرك في الخلفية، مهندسون يتنقلون بين المباني، وشاشات كبيرة تعرض مراحل التنفيذ ونسب الإنجاز.وصل رائد قبل الجميع تقريبًا.كان يحمل مخططاته ويتابع ملاحظات فريق التنفيذ، بينما وقفت ليان إلى جواره تراجع معه التعديلات الأخيرة.قالت وهي تشير إلى إحدى النقاط:"لو غيرنا مسار الخدمات هنا، هنقدر نقلل وقت التنفيذ حوالي أسبوع."أخذ رائد المخطط منها."الفكرة كويسة، بس محتاجة مراجعة إنشائية قبل الاعتماد.""راجعتها بالفعل."نظر إليها باهتمام."تمام. ابعتيها للفريق."ابتسمت."لسه زي ما أنت."رفع عينيه إليها."يعني؟""بتحب كل حاجة تكون محسوبة.""الشغل مفيهوش مساحة للمجازفة."ترددت للحظة، ثم قالت:"زمان كنت بتقول نفس الكلام."عرف إلى أين تريد أن تصل.لكنه لم يعلق.رن هاتفه.نظر إلى الشاشة.أسيل.تغيرت ملامحه تلقائيًا.ابتعد خطوتين وأجاب."صباح الخير."جاء صوتها هادئًا:"صباح النور.""صحيتِ بدري؟""عندي عملية بعد شوية.""فطرتي؟"ضحكت."إنت بقالك سنين متجوزني ولسه بتسأل السؤال ده كل يوم.""وهفضل أسأله.""فطرت.""كويس."كانت ليان تسمع
last updateآخر تحديث : 2026-09-16
اقرأ المزيد

101

في اليوم التالي، لم تكن أسيل تشعر بالغيرة من ليان.على الأقل هذا ما أقنعت به نفسها.كانت تعرف أن رائد أخبرها بالحقيقة، وأن ما كان بينه وبين ليان انتهى منذ سنوات طويلة. كما أنها لم تعد ترى في وجودها تهديدًا حقيقيًا لزواجهما.لكن شيئًا آخر بدأ يزعجها.ليان أصبحت جزءًا ثابتًا من يوم رائد.اجتماعات صباحية.موقع لساعات طويلة.مكالمات متعلقة بالمشروع.وأحيانًا رسائل في أوقات متأخرة بسبب تعديلات هندسية.لم يكن في الأمر شيء خاطئ.وهذا تحديدًا ما جعل الأمر أصعب.في المستشفى، كانت أسيل تراجع جدول العمليات عندما دخل الدكتور يوسف."دكتورة أسيل، عندنا اجتماع الفريق بعد عشر دقائق.""تمام."رفع يوسف ملفًا آخر."وبالمناسبة، وصل ترشيحك للمؤتمر الطبي."رفعت عينيها بسرعة."أي مؤتمر؟""المؤتمر الدولي للجراحة المتقدمة. تم ترشيحك لإلقاء عرض عن الحالة اللي اشتغلنا عليها الشهر اللي فات."ابتسمت بدهشة."أنا؟""أيوه."دخل نديم في اللحظة نفسها."تستاهلي."نظرت إليه أسيل."لسه سامع الخبر؟""يوسف قال لي."ابتسم."وأنا أول واحد هحجز كرسي في الصف الأول."ضحكت."مش محتاجة تشجيعك.""أنا عارف."كانت لحظة بسيطة، لكن أح
last updateآخر تحديث : 2026-09-16
اقرأ المزيد

102

لم يأتِ القرار هذه المرة من ليان وحدها.منذ الصباح، كانت فرق التنفيذ تعمل بكامل طاقتها في المرحلة الأخيرة من «مدينة السحاب». تم الانتهاء من الواجهات الرئيسية، واكتملت اختبارات الأنظمة، وبدأت اللجنة الهندسية مراجعتها النهائية.كان رائد يقف في منتصف الموقع، يتابع آخر تقرير.قال أحد المهندسين:"كل الاختبارات ناجحة."سأل رائد:"والأنظمة؟""تم اختبارها بالكامل.""والسلامة؟""مطابقة للمواصفات."أخذ رائد التقرير، وراجعه بنفسه قبل أن يوقع.ثم رفع عينيه إلى المبنى الممتد أمامه.سنوات من العمل، الاجتماعات، السفر، الخلافات والضغط... أصبحت الآن واقعًا قائمًا.اقتربت ليان."مبروك."نظر إليها."لينا كلنا."ابتسمت."أعتقد إن دوري انتهى هنا.""دورك في المرحلة دي، أيوه."قالتها بهدوء:"كنت أتمنى في البداية إن رجوعي لحياتك يكون له معنى مختلف."لم يتغير وجهه."ليان..."رفعت يدها."مش هكمل. فهمت."ثم نظرت إلى المشروع."على الأقل خرجت من الماضي بحاجة حقيقية."مد رائد يده لمصافحتها."وأنا أتمنى لكِ النجاح."صافحته.هذه المرة لم يكن هناك شيء مخفي بينهما.كانت صفحة قديمة قد أغلقت أخيرًا.بعد ساعات، وصلت النت
last updateآخر تحديث : 2026-09-16
اقرأ المزيد

103

ظلت أسيل واقفة أمام الاختبار لوقت طويل.لم تكن قادرة على استيعاب النتيجة.وضعت يدها على فمها، ثم جلست على طرف السرير.كانت سعيدة.سعيدة إلى درجة أن عينيها امتلأتا بالدموع.لكن وسط تلك الفرحة، جاءت ذكرى قديمة دون استئذان.بعد ولادة سيف بسنوات، كان هناك حمل آخر.حمل انتظراه بفرحة لا تقل عن فرحتهما الآن.ثم انتهى كل شيء قبل أن يكتمل.لم يكن الحديث عنه سهلًا حتى بعد مرور السنوات.ورغم أن الحياة عادت إلى طبيعتها، بقي ذلك الوجع في زاوية صغيرة من قلبهما.رفعت أسيل عينيها نحو الباب.كان رائد سيعود خلال ساعة تقريبًا.أرادت أن تخبره فورًا.ثم ترددت.ماذا لو فرح؟ماذا لو بدأت الأحلام؟ثم حدث شيء لا يريدان تكراره؟وضعت الاختبار داخل درجها وأغلقته.لكنها لم تستطع الانتظار طويلًا.عندما عاد رائد، وجدها جالسة بهدوء غير معتاد.اقترب منها."أسيل؟"رفعت عينيها إليه."تعالى."جلس أمامها."مالك؟"ظلت تنظر إليه لثوانٍ، ثم أمسكت يده ووضعتها فوق يدها.قالت بصوت منخفض:"رائد...""نعم؟"ابتسمت رغم دموعها."أظن إن في حد صغير قرر يدخل حياتنا."تجمد مكانه.نظر إليها.ثم إلى يدها."أسيل..."أومأت.لم يقل شيئًا.ف
last updateآخر تحديث : 2026-09-16
اقرأ المزيد

104

لم تستطع أسيل النوم تلك الليلة.كان رائد بجوارها، يراقبها بصمت.منذ أن عرف بالحمل، أصبح يلاحظ كل تغير صغير في ملامحها، وكل مرة تضع فيها يدها على بطنها دون وعي.قال بهدوء:"لسه خايفة؟"هزت رأسها."مش من الحمل."فهم فورًا.لم يسألها عن ماذا تتحدث.كان يعرف.الذكرى التي لم تختفِ.في ذلك اليوم القديم، كان كل شيء قد انهار دفعة واحدة.اختُطف سيف.وكانت إمبراطوريتهما تتعرض لهجوم من أكثر من اتجاه؛ منافسون حاولوا إسقاط مشروعات رائد الهندسية والاستثمارية، والضغط على المؤسسات الطبية التي توسعت فيها أسيل، ظنًا منهم أن ضرب أحدهما سيجعل الآخر يسقط.وفي وسط تلك الفوضى، كانت أسيل تحمل طفلًا لم يكتب له أن يكمل طريقه.لم يكن فقدان الحمل هو الألم الوحيد.كان التوقيت نفسه قد ترك جرحًا لا يهدأ.قالت أسيل بصوت منخفض:"كل ما بفكر في الحمل ده... اليوم ده بيرجع قدامي."اقترب رائد منها."مش لازم تنسيه."نظرت إليه."بس أنا مش عايزة أعيش نفس الخوف.""مش هتعيشيه لوحدك."سكتت قليلًا.ثم قالت:"فاكر لما رجعنا بسيف؟"أغمض رائد عينيه للحظة."فاكر.""كنت وقتها بحاول أبان قوية.""كنتِ أقوى من أي حد.""وأنا كنت فقدت طفل
last updateآخر تحديث : 2026-09-16
اقرأ المزيد

105

لم تستطع أسيل النوم تلك الليلة. كانت مستلقية بجوار رائد، لكن عينيها ظلتا معلقتين بالسقف. لاحظ رائد صمتها، فاقترب منها وسأل بهدوء: "رجعتي تفتكري اليوم ده؟" لم تجبه فورًا. ثم قالت بصوت خافت: "أيوه." عرف أي يوم تقصد. اليوم الذي اختُطف فيه سيف. اليوم الذي حاول فيه منافسوهم ضرب كل شيء بنوه؛ إمبراطورية رائد الهندسية والاستثمارية، ومشروعات أسيل الطبية والجراحية، ظنًا منهم أن إسقاط أحدهما سيكسر الآخر. لكنهم لم يكتفوا بضرب أعمالهما. وصل الأمر إلى سيف. وفي الساعات التي اختفى فيها طفلهما، عاشت أسيل أسوأ رعب عرفه قلب أم. كانت وقتها حاملًا. ولم تكن تعرف أن جسدها، الذي كان يحاول حماية حياة صغيرة بداخله، لن يتحمل الصدمة التي تعرضت لها. تذكرت رائد ذلك اليوم كما لو أنه حدث بالأمس. الارتباك. الخوف. الركض بين المستشفى والمكان الذي كانوا يبحثون فيه عن سيف. صرخاتها وهي تسأل عنه. ثم الألم الذي بدأ فجأة. قالت أسيل والدموع تتجمع في عينيها: "أنا مش بخاف من الحمل نفسه يا رائد." أمسك يدها. "عارف." "أنا بخاف من اليوم اللي فقدت فيه طفلنا." أغمض رائد عينيه للحظة.
last updateآخر تحديث : 2026-09-17
اقرأ المزيد

105

تبادل أفراد العائلتين الأحاديث والضحكات، بينما كانت أسيل بجوار رائد.كان واضحًا عليها التوتر.أمسك رائد يدها تحت الطاولة.ضغط عليها بخفة."جاهزة؟"همست: "أيوه."وقف رائد.فهدأت الأصوات.قال: "إحنا جمعناكم النهارده علشان عندنا خبر."نظر سيف إليه بحماس."أنا عارف!"ضحك الجميع.قالت أسيل: "إنت عارف إيه؟""أكيد حاجة كبيرة."نظر رائد إلى أسيل.ابتسمت.ثم قالت: "إحنا... مستنيين طفل."ساد الصمت لثوانٍ.كأن الجميع احتاج لحظة حتى يستوعب الكلمات.ثم تعالت أصوات الفرح.نهضت إحدى السيدات واحتضنت أسيل، بينما اقترب منها باقي أفراد العائلة بالتهاني.أما سيف فظل واقفًا مكانه.نظر إلى أمه.ثم إلى أبيه."يعني..."ابتلع ريقه."يعني أنا هبقى أخ؟"ضحكت أسيل ودموعها في عينيها."أيوه."اندفع نحوها واحتضنها."بجد؟""بجد."ثم احتضن رائد أيضًا."أنا كنت عارف إن في حاجة!"ضحك رائد."إنت أذكى واحد هنا."قال سيف بحماس: "أنا اللي هختار الاسم."ردت أسيل: "لسه بدري.""طب أختار اسمين.""نشوف."جلس سيف على الأرض وبدأ يعدد أسماء لا علاقة لها بأي شيء.ضحك الجميع.أما رائد فظل ينظر إلى أسيل من بعيد.كانت عيناها ممتلئتين
last updateآخر تحديث : 2026-09-17
اقرأ المزيد

107

استمر وجود العائلتين في القصر لعدة أيام أخرى.كان البيت قد تحول إلى مكان مختلف تمامًا.صوت الضحكات يأتي من غرفة المعيشة، سيف يتنقل بين الجميع، وكل شخص لديه نصيحة جديدة لأسيل.حتى رائد بدأ يضيق ذرعًا من كثرة التعليمات.قالت إحدى السيدات:"أسيل، متتعبيش نفسك."رد رائد فورًا:"أنا قلت لها نفس الكلام."نظرت إليه أسيل."إنتوا متفقين عليا؟"ضحك الجميع.قال سيف:"أنا كمان.""حتى إنت؟""طبعًا."هزت رأسها."خلاص، أنا الوحيدة اللي ضدكم."ضحك رائد.لكن بعد أيام، بدأت الحياة تعود إلى إيقاعها الطبيعي.عائلة الراوي عادت إلى منزلها، وكذلك عائلة السيوفي، بعد أن قضوا فترة جميلة معهما.وقبل المغادرة، احتضنت إحدى قريبات أسيل وقالت:"هنستنى الأخبار الحلوة."ابتسمت أسيل."إن شاء الله."أما سيف، فظل عند الباب يودع الجميع، ثم عاد إلى والديه وقال:"دلوقتي القصر بقى هادي."قال رائد:"مبسوط؟""لأ.""ليه؟""أنا بحب لما البيت يبقى مليان."نظرت أسيل إلى رائد.قالت:"يمكن لما البيبي ييجي، البيت يفضل مليان."ابتسم سيف."يبقى لازم ييجي بسرعة."مرت الأسابيع.بدأ رائد يعود تدريجيًا إلى عمله.لم يعد يقضي أيامه كاملة في
last updateآخر تحديث : 2026-09-17
اقرأ المزيد

108

لم يستغرق سيف وقتًا طويلًا حتى يأخذ مهمته الجديدة بجدية مبالغ فيها.في صباح اليوم التالي، دخل غرفة والديه وهو يحمل دفترًا صغيرًا.فتح رائد عينيه بصعوبة."إيه ده؟"جلس سيف على طرف السرير."قائمة."رفعت أسيل رأسها من الوسادة."قائمة إيه؟""حاجات البيبي."نظر رائد إلى الساعة."الساعة سبعة الصبح.""علشان نبدأ بدري."ضحكت أسيل."قول له يا رائد."أخذ رائد الدفتر."نشوف."قرأ أول سطر."سرير."ثم الثاني:"ألعاب."ثم الثالث:"عربية."رفع عينيه."عربية؟"قال سيف بثقة:"أكيد. البيبي هيخرج معانا."قالت أسيل:"لسه بدري جدًا.""بس لازم نكون جاهزين."ضحك رائد."إنت واخد الموضوع بجد.""طبعًا. أنا الأخ الكبير."ثم أضاف:"وممنوع حد يزعله."نظرت أسيل إلى رائد.كانت ترى في عيني ابنها شيئًا لم تره من قبل.حماس حقيقي.وكان ذلك يخفف عنها الكثير من الخوف.في الأيام التالية، بدأت أسيل تدخل مرحلة مختلفة من الحمل.الغثيان أصبح أقل، لكنها كانت تتعب بسرعة.وفي المستشفى، كانت تحاول ألا تسمح لأحد أن يعاملها وكأنها عاجزة.قال لها يوسف:"إنتِ تقدري تكملي المتابعة، بس من غير عمليات طويلة.""عارفة.""والورديات الليلية؟
last updateآخر تحديث : 2026-09-17
اقرأ المزيد

109

وفي آخر الليل، كان سيف جالسًا على الأرض أمام رائد، وبينهما أوراق كثيرة وألوان متناثرة.رفع سيف إحدى الرسومات بحماس وقال:— بص يا بابا... أنا قررت مكان سرير البيبي هنا، والسرير التاني هنا، عشان لما يكبر شوية نلعب سوا.ابتسم رائد وهو يتأمل الرسم:— واضح إنك مخطط لكل حاجة.ضحك سيف:— طبعًا، أنا الأخ الكبير.كانت أسيل تراقبهما من بعيد، وابتسامتها لا تفارق وجهها. للحظة، شعرت أن البيت كله يستعد لاستقبال شخص جديد، وأن الأيام القادمة تحمل لهم حياة مختلفة تمامًا.اقترب رائد منها، ووضع يده حول كتفها قائلًا:— تعبانة؟هزت رأسها بالنفي:— لأ... بس حاسة إن حياتنا اتغيرت بسرعة.نظر إليها طويلًا، ثم قال:— يمكن... بس التغيير ده المرة دي أنا مستعد له.وقبل أن تجيبه، رن هاتف أسيل.نظرت إلى الشاشة، فتوقفت ابتسامتها للحظة.كان الاتصال من المستشفى.فتحت الخط:— أيوه؟جاءها صوت دكتور يوسف متوترًا على الطرف الآخر:— أسيل، محتاجك ضروري بكرة الصبح. وصلتنا حالة، وأنا عارف إنك خففتِ العمليات، لكن الحالة دي تحديدًا محتاجة رأيك.نظرت أسيل إلى رائد، ثم إلى بطنها، قبل أن تسأله:— حالة إيه؟صمت يوسف لثوانٍ، ثم قال:
last updateآخر تحديث : 2026-09-17
اقرأ المزيد
السابق
1
...
910111213
...
26
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status