INICIAR SESIÓN
قالت جدتي مرة إن الأرض حين تحزن لا تبكي، بل تصمت. وكنت أظن أن هذا كلام العجائز، حتى رأيت صمتها بعيني.
اسمي غيث، وأنا في الثامنة والعشرين، أرث عن أبي حرفتين: ترويض الخيل وصقل الحديد. نشأت في وادي السرو، ذلك الوادي الضيق الذي تحيط به جبال بلون الرماد، وتنام بيوته الطينية على سفح واحد كأنها تتدفأ ببعضها. في هذا الوادي لا يُسأل المرء عن اسمه، بل عن فرسه وسيفه. ولا أحد فيه يتذكر ضوءًا غير ضوء النار والزيت، ولا صوتًا غير وقع الحوافر ورنين المطارق. ثلاثون عامًا منذ الانطفاء والعالم يمشي على أربع. تحوّلت السيارات في الطرقات القديمة إلى هياكل صدئة ينبت بينها العشب، وصارت أبراج المدن البعيدة، كما يقول التجار العابرون، قبورًا من زجاج تسكنها الغربان. لم تعد الآلات تعمل، ولا الأضواء تُشعل، ولا الأصوات تصل من وراء البحار. وحدها الخيول لم تخن أحدًا، فرجعنا إليها كما يرجع الابن الضال إلى بيت أبيه. في فجر ذلك الخريف كان الضباب كثيفًا حتى ابتلع الوادي كله، وكنت أسقي «ريح»، مهري الأدهم، عند البئر القديمة. كان الهواء باردًا رطبًا، والصمت من النوع الذي يسبق حدثًا ما، حين تتوقف الطيور عن الغناء بلا سبب. ارتجفت أذنا ريح فجأة، وتراجع خطوة، وأطلق صهيلًا قصيرًا مكتومًا. سمعت ما سمعه. وقع غريب على الحصى، ليس وقع حافر مألوف، بل خطو متعب متقطع، كأن صاحبه يحمل ما يفوق طاقته ويقاوم السقوط في كل خطوة. أمسكت بمقبض الخنجر عند خصري، وحدّقت في البياض أمامي حتى أوجعتني عيناي. خرجت من الضباب فرس بيضاء كأن الفجر نفسه صاغها. عنقها مقوّس بأناقة لا تليق بجسد منهك، وعيناها واسعتان داكنتان كبئرين عميقتين، وفي جبهتها غرّة صغيرة كأنها قمر وُلد قبل أوانه. لكن الدم كان يسيل من خاصرتها ويصبغ حوافرها بحمرة داكنة، والغبار يكسو قوائمها حتى الركبتين، فعرفت أنها قطعت درب أيام طويلة بلا راحة. على ظهرها سرج مهترئ، وإلى السرج كيس جلدي مشدود بسلسلة نحاسية. لم يبكِ أحد في الوادي منذ زمن، لكنني شعرت بشيء يشبه البكاء وأنا أمدّ يدي إليها. لم تهرب ولم تنفر، بل أسندت رأسها إلى كتفي وزفرت زفرة طويلة، كمن بلغ بيته أخيرًا بعد سفر لا ينتهي. حملتها بحذر إلى الإسطبل، ومشيت إلى جانبها وكفي على عنقها أشعر بنبضها المتسارع. غسلت جرحها بالخل والعسل كما علّمني أبي، وهي صامتة لا تتأوه، كأن الألم صديق قديم. وحين دقّقت فيه لاحظت أنه ليس جرح سيف ولا سهم، بل أثر شظية غريبة حارقة، لم أرَ مثلها من قبل. ثم مددت يدي لأفكّ الكيس عن سرجها وأخفف عنها حمله، فلمع في عتمة الإسطبل ضوء أزرق خافت. تجمدت يدي في الهواء. توقف قلبي لحظة ثم دقّ بعنف. لم يكن في الوادي سراج واحد يعمل بغير الزيت منذ ثلاثين عامًا، ولا أحد ممن أعرفهم رأى نورًا لا يحترق. فككت السلسلة بأصابع مرتجفة، وسحبت الكيس، وأفرغت ما فيه على التبن. كان حجرًا أسود بحجم قبضة طفل، أملس كأنه صُقل بيد لا تعرف التعب، تسري تحت سطحه عروق من ضوء أزرق تنبض كقلب حي، فتلقي على جدران الإسطبل ظلالًا راقصة لم تعرفها هذه الجدران من قبل. شعرت بدفء غريب يتسلل إلى كفي حين لمسته، كأنه يعرفني، كأنه كان ينتظرني منذ زمن. ومن تحته سقطت ورقة مطوية، اصفرّت أطرافها وتآكلت، كُتب عليها بخط مرتعش أعرفه جيدًا: "إلى ابن حدّاد السرو، إن وصلتْ إليك فهي ما بقي من أبيك." جلست على الأرض الترابية والحجر يضيء وجهي. أبي مات حين كنت في العاشرة، قتلته الحمّى كما قالوا لي، ودفنّاه تحت شجرة السرو الكبيرة. كنت أعرف كل شبر من حياته، أو هكذا ظننت. فمن أين جاءت رسالة بخطه؟ ومن حملها عبر أرض لا طريق فيها إلا طريق الموت؟ وفي الخارج كفّت كلاب الوادي كلها عن النباح دفعة واحدة. جاء صوت جدتي من الباب خلفي، حادًّا كحدّ السيف: — أطفئ هذا يا غيث. قبل أن يراه أحد. التفتّ. كانت تقف عند العتبة متكئة على عصاها، ووجهها شاحب كأنها رأت شبحًا قديمًا عاد ليطالب بدَين. — كيف أطفئه يا جدتي؟ إنه ليس نارًا. أغمضت عينيها لحظة طويلة، ثم قالت بصوت لم أعرفه: — لا يُطفأ. يُدفن. وهذا ما فعله أبوك حين فشل.لم يقل عاصم شيئًا حتى أسرجنا الخيل. كان يشد الحزام على بطن حصانه بأصابع هادئة، كمن يعرف أن الانفعال ترف لا يملكه من يطارد شيئًا أسرع منه.— هي لم تمشِ كحصان هارب، قال أخيرًا وهو يحني ظهره على أثر الحافر الأبيض. انظر: خطوتها متساوية، لا تعجل ولا تتباطأ، والأثر أعمق مما ينبغي لفرس جريحة خفيفة. كأنها تحمل شيئًا ثقيلًا جدًا. أثقل من حجر بحجم قبضة طفل.مسكتُ صدري تلقائيًا. كان المكان الذي اعتاد أن ينبض فيه النور الأزرق باردًا كقبر مفتوح، وكنت أشعر به كما يشعر المرء بسن نخلت من فمه، لا تؤلم، لكنك لا تستطيع أن تكف عن لمس مكانها.ركضنا يومًا كاملًا شمالًا، على أرض بيضاء مالحة تلمع تحت الشمس حتى التهمت عيناي. وكان أثر فجر يتبدّل كل ساعة: يعمق ثم يخفّ، ينحرف أحيانًا ثم يعود، كأن الفرس تمشي فوق ما لا تراه عيوننا.وفي فجر اليوم التالي، رأى عاصم الغبار.كان عمودًا رماديًا ضخمًا يتصاعد خلفنا على بعد ميلين، وتحته نقاط سوداء تكبر مع كل نفس. عددتها فوجدتها أكثر من عشرة، ثم أكثر من عشرين.— هلال أحضر ما بقي من رجاله، قال عاصم بهدوء مخيف. والله أعلم كم من القبائل انضم إليه.انطلقنا.كان ريح مهري أشجع ما
غادرنا الواحة قبل أن تشرق الشمس، وكان كل أهلها واقفين على الطريق صامتين، لا يلوّح أحد ولا يبكي. حملوا إليّ أجرانًا مملوءة ماءً عذبًا، وتمرًا، وقطع لحم مجفف، ولم يقل أحد شيئًا حتى جاءت العجوز نجمة متكئة على حفيدتها ريما.كانت الطفلة قد عادت إلى الحياة كأن لا دم قد غادر وجهها، وخداها متورّدتان، وعيناها تلمعان بشيء لا تفهمه بعد. مدّت إليّ سوارًا ضعيفًا ضفرته من سعف النخيل.— خذه يا عمّي. لكي تعود إلينا حين تنتهي.أخذته ولم أجد ما أقوله. وحين انحنى العجوز نحو أذني وهمست: «كل ماء جارٍ في هذه الأرض مدين لك»، شعرت بثقل غريب في صدري، لا أدري أهو فخر أم خوف.ركبتُ ريحًا، مهري الأدهم الذي عاد من مهربه في الوادي بعد أيام، كما حكى لي عاصم، وكان قد جمعه مع حصانه في الطريق. لكن ذلك الصباح لم يكن فيه مكان لشيء سوى الهرب.مشينا ثلاث ساعات دون كلام، عاصم يركب حصانه أمامي، وفجر تمشي بجانبي بلا سرج ولا لجام، كأنها تعرف الطريق أكثر ممن يدلّها. وكان هذا وقتًا كافيًا لأن ألاحظ شيئًا لم أنتبه إليه من قبل.كنت أحاول أن أتذكّر صوت أبي.أعرف أنه علّمني ترويض الخيل. أعرف أنه كان يغنّي أثناء الطرق على السندان. أ
استيقظتُ على رائحة الأعشاب المغلية.كان السقف فوقي من سعف النخيل، وضوء الفجر يتسلل منه خيوطًا رمادية. حاولت أن أنهض فمزّقني الألم من كتفي حتى ضلوعي، فعدت إلى الفراش أتنفس بين أسناني. كانت أكتافي ملفوفة بخرق نظيفة تفوح منها رائحة الزعتر والعسل، وعلى صدري، تحت القماش، حجر دافئ ينبض بهدوء كأنه يحرسني.— لا تتحرك، قال صوت من الزاوية. الجرح عميق، وقد نزفت كثيرًا.التفتُّ ببطء.كان جالسًا على الأرض عند الباب، ظهره إلى الحائط وساقاه ممدودتان، وقوسه الطويلة على ركبتيه. شاب في مثل عمري، أسمر البشرة، بعينين رماديتين كلون الغبار الذي عبرناه، وشعر أسود مقصوص بخشونة كمن يقصّه بسكين. لا درع عليه ولا شعار، إلا سترة جلدية قديمة متآكلة الأطراف، وفي معصمه الأيسر خيط أحمر مجدول، تتدلى منه عقدة صغيرة أعرفها جيدًا.العقدة نفسها التي في عُرف الفرس.— من أنت؟ سألته، وصوتي مبحوح.— عاصم، قال ببساطة من اعتاد أن يُسأل. ومن أنت فأنا أعرفه منذ ثمانية أيام.— منذ ثمانية أيام؟— منذ فتحتُ الصندوق تحت شجرة السرو.تجمّد الدم في عروقي. تذكرت الخدوش البيضاء على الغطاء النحاسي، والعلامة الطرية على جذع الشجرة، وحفرتي ال
لم يكن لدينا غير ساعة واحدة قبل الغروب.علمتني حدادية أبي أن المعركة لا تبدأ حين يستلّ الناس سيوفهم، بل حين يتقرر أين يقفون. جمعتُ أهل الواحة عند البئر، وكانوا ثلاثمئة نفس منهم مائة طفل، ولم يكن معهم غير أربعة سيوف صدئة ومناجل ومعاول. لكنهم كانوا يعرفون شيئًا لا يعرفه فرسان الرماد: كل قناة وكل جدول وكل نقطة رطبة في أرضهم.— خلف النخيل تنحدر أرض منخفضة، قالت العجوز، وقد عادت إلى قامتها كأن الماء نفخ في عظامها شباباً جديدًا. إن فتحنا القنوات القديمة تحوّلت إلى وحل لا تنجو منه حوافر.أمرتها أن تفعل، وركض الصبية إلى القنوات كما تركض الغزلان إلى الغدير، يرفعون الألواح الحجرية التي أغلقت منذ أجيال، ويفتحون المجاري، ويدفعون التراب بأيديهم الصغيرة. وكان الماء يتبعهم كالكلب الوفي، يملأ كل حفرة منخفضة من حول الخليج النخلي.وعند غروب الشمس، حين صار الأفق كجمرة تحت الرماد، ظهروا.سبعة فرسان على خيول سوداء، يهبطون الكثيب بخطوات منتظمة كأنهم قطعة واحدة من حديد. لم يصرخوا، ولم يجردوا سيوفهم. وقفوا على بعد مرمى سهم من النخيل، وتقدّم منهم واحد أطولهم، على حصان أضخم من البقية، ورفع يدًا مفتوحة.— أنتم
في اليوم السادس بعد ملتقى الطرق، رأيتُ أول لون أخضر منذ أن غادرت وادي السرو. ظننته سرابًا، فقد علّمتني الصحراء أن العين تكذب حين يجوع الجسد. لكن الفرس أسرعت من تلقاء نفسها، وارتفعت أذناها، وخفّ تعبها كأن ريحًا خفية رفعت عنها حملًا ثقيلًا.كانت واحة صغيرة محاطة بنخيل نصف ميت وأشجار جُمَّيز عتيقة، جذوعها ضخمة كأعمدة معابد منسية، وبين الأشجار بيوت من طين وسعف تتكئ على بعضها كشيوخ أنهكهم الانتظار. ولا دخان يتصاعد من أي بيت، ولا صوت يتردد في الأزقة، إلا سعال متقطع يخرج من خلف الجدران.عند مدخل الواحة وقفتْ عجوز نحيلة تحمل جرّة فارغة، وحين رأتنا لم تفرح ولم تهرب، بل نظرت إلى فرسي طويلًا ثم قالت بصوت أجفّ من الرمل:— من أين جئتما؟ ومن أجل ماذا؟— من الغرب، قلت. نبحث عن ماء وظلّ ليلة واحدة.— الماء مات يا بُني. ماتت البئر قبل شهرين. وما بقي من ماء الجرار لا يكفي الأطفال إلى آخر الأسبوع.قادتني بين البيوت، وكل بيت أطلّ منه وجه شاحب أو عينان غائرتان. رأيت أمًّا تبلّل شفتي رضيعها بخرقة جافة، ورجلًا يرقد على عتبة بيته كأنه نسي كيف يقف، وصبية يلعقون الحجارة. ثم وصلنا إلى وسط الواحة، حيث كانت البئر
لم أعرف كم ركضنا. أيام أم ساعات، لم يعد الزمن يعني شيئًا حين يكون العدو خلفك والحزن أمامك. كنت أنحني على عنق الفرس وأترك لها الطريق، والرماد يتطاير من تحت حوافرها كدخان ناعم لا ينقطع، يلتصق بثيابي وشعري وجفوني حتى صرت أشبه تمثالًا مغبرًا يمتطي ظلًا أبيض.كانت صحراء الرماد، كما سيعلمني أحد المسافرين بعد أيام، أرضًا لا تشبه أي أرض عرفتها. ليست رملًا ولا حجرًا، بل بقايا شيء احترق منذ زمن بعيد حتى لم يبقَ منه إلا هذا الغبار الرمادي الناعم الذي يمتد إلى الأفق في كل اتجاه. لا شجرة ولا بئر ولا طير ولا ظل، إلا هياكل معدنية ضخمة نصف مدفونة، تبرز من الرماد كأضلاع حيتان ميتة، وفي بعضها بقايا زجاج ما زال يلتقط ضوء الشمس فيرميه في عيني كالسهام.عند الغروب أوقفتُ الفرس أخيرًا. كان زبد أبيض يغطي صدرها، وصدرها يعلو ويهبط بعنف، وجرحها القديم قد تفتح من جديد. نزلت وجلست على الأرض الرمادية، ولم أجد في جسدي قوة حتى للبكاء.أخرجت السيف الجديد من غمده الأسود وأسندته على ركبتي. كان نصله يعكس السماء كأنه قطعة من ليل صاف. لمسته بإصبعي، فشعرت ببرودة غريبة لا تشبه برودة الحديد، بل أقرب إلى سكون بئر عميقة. وقلت







