LOGINلم يتحرك صالح. وقف في وسط الغرفة الضيقة كتمثال من حديد، وعينه الوحيدة معلّقة بالباب، وأصابعه تقبض على المطرقة حتى ابيضّت مفاصلها. كان وقع الحوافر في الزقاق يقترب بخطوات متساوية، ثقيلة، لا عجلة فيها، كخطوات من يعرف أن فريسته محاصرة ولا مفرّ لها.
— اجمع حجرك، همس. بسرعة. دسست الحجر في الكيس بيد ترتجف، وربطته إلى صدري. كان ينبض بإيقاع مضطرب لم أعهده، أسرع من قبل، كأنه يشعر بالخطر مثلي. وفي الخارج توقفت الحوافر أمام الحدادية تمامًا، وسمعت صرير سرج، ثم صوت رجل ينزل عن جواده. — صالح الحدّاد، نادى صوت بارد هادئ من وراء الباب، لا أحد في هذا السوق يرفض بابه لفرسان الرماد. افتح، ولن نؤذي أحدًا. — لا أحد يفتح بابه لمن يكذب، ردّ صالح بصوت عالٍ، ثم التفت إليّ وخفض صوته حتى كاد يضيع: أنت لا تعرف هذا الصوت يا غيث، لكنه يعرفك منذ ولدت. اسمعني الآن، ولا تقاطعني. جبل الصمت في أقصى الشرق، وراء الصحراء الرمادية، على بعد عشرين يومًا من هنا. هناك وُلد الحجر، وهناك يجب أن يعود. خذ هذا. مدّ إليّ سيفًا مغلّفًا بخرقة سوداء، أخرجه من تحت السندان كأنه كان ينتظره. سحبت الخرقة فلمع نصل أسود صقيل لم أرَ مثله في حياتي، لا صدأ عليه ولا خدش، وحدّه رقيق كشعرة، ومقبضه ملفوف بجلد قديم مألوف الملمس. — هذا سيف أبيك الحقيقي، قال صالح. الذي في بيتك صنعته لك ليبقى عندك. أما هذا فمن حديد الجبل نفسه. لا ينكسر، ولا يعرف الخوف. دقّ أحدهم الباب بقبضته، دقة واحدة ثقيلة اهتز لها الجدار كله. — وأنت؟ سألته. — أنا؟ ابتسم ابتسامة رجل ودّع أحبابه كلهم من زمن. أنا حارس هذا الباب منذ ثلاثين سنة. وكل حارس يتمنى أن يعرف متى سيحين وقته. لم أجد ما أقوله. ثم سمعت خلفي صوتًا خفيفًا، ارتطام حافر على الخشب. التفتّ فرأيت الفرس البيضاء واقفة عند الجدار الخلفي للغرفة، حيث أزاح صالح الخرقة السوداء عن الخريطة، وقد دفعت برأسها لوحًا من الخشب خلف الخريطة نفسها، فانفتح في الجدار باب صغير كان مخفيًا بإتقان عن كل عين، يطلّ على ممر ضيق مظلم تفوح منه رائحة الرطوبة والتراب. — هي تعرف الطريق، تمتم صالح، وقد اتسعت عينه. إذن هي حقًا هي. لم أفهم ما قاله، ولم يكن عندي وقت لأفهم. حطّم الباب الخارجي بضربة ارتجّ لها المكان، وتطايرت شظايا الخشب في الغرفة. — اذهب! صرخ صالح، ودفعني بقوة نحو الممر. قفزت على ظهر الفرس وانحنيت على عنقها كي لا يصطدم رأسي بالسقف الواطئ، فانطلقت في الظلام بلا تردد، كأنها سلكت هذا الممر ألف مرة. سمعت خلفي صليل السيوف يعلو، وصوت صالح يزأر زئير الأسود، ثم صوت جسد يسقط، ثم صوت آخر، ثم ضحكة باردة لم أنسَها بعد ذلك أبدًا. لم أنظر خلفي. كانت الدموع تخنقني، لكن الفرس لم تتباطأ، وكأنها تعرف أن كل لحظة هنا ثمنها حياة. انتهى الممر عند فتحة مغطاة بالأعشاب على أطراف السوق، خلف سور من الحجر المتهدّم. خرجنا إلى ضوء النهار الأعمى، ووجدتُ نفسي أمام سهل رمادي مترامٍ حتى الأفق، لا يقطعه إلا طريق ضيق يمضي نحو الشرق. وقفت الفرس لحظة تلهث، ثم نظرت إليّ، وكانت عيناها تقولان ما لا يقوله لسان: لقد وصلنا إلى بداية الطريق. ومن بعيد، من خلف السور، تصاعد عمود من الدخان الأسود، فعرفت أن الحدادية تحترق، وأن صالحًا لن يخرج منها. وعلى حافة السور المتهدّم، ظهر فارس واحد وحده، لا يلبس درعًا رماديًا ولا يخفي وجهه. كان شابًا ببشرة سمراء وعينين رماديتين، يمسك بيده خيطًا أحمر مجدولًا، مقطوعًا من طرفه، يتدلّى منه عقدة صغيرة تشبه تمامًا العقدة التي في عُرف فرسي. رفع الخيط أمام وجهي، وابتسم. — وجدتُ ما سقط منكم، قال. وسأعرف الآن إلى أين تذهبون.لم يقل عاصم شيئًا حتى أسرجنا الخيل. كان يشد الحزام على بطن حصانه بأصابع هادئة، كمن يعرف أن الانفعال ترف لا يملكه من يطارد شيئًا أسرع منه.— هي لم تمشِ كحصان هارب، قال أخيرًا وهو يحني ظهره على أثر الحافر الأبيض. انظر: خطوتها متساوية، لا تعجل ولا تتباطأ، والأثر أعمق مما ينبغي لفرس جريحة خفيفة. كأنها تحمل شيئًا ثقيلًا جدًا. أثقل من حجر بحجم قبضة طفل.مسكتُ صدري تلقائيًا. كان المكان الذي اعتاد أن ينبض فيه النور الأزرق باردًا كقبر مفتوح، وكنت أشعر به كما يشعر المرء بسن نخلت من فمه، لا تؤلم، لكنك لا تستطيع أن تكف عن لمس مكانها.ركضنا يومًا كاملًا شمالًا، على أرض بيضاء مالحة تلمع تحت الشمس حتى التهمت عيناي. وكان أثر فجر يتبدّل كل ساعة: يعمق ثم يخفّ، ينحرف أحيانًا ثم يعود، كأن الفرس تمشي فوق ما لا تراه عيوننا.وفي فجر اليوم التالي، رأى عاصم الغبار.كان عمودًا رماديًا ضخمًا يتصاعد خلفنا على بعد ميلين، وتحته نقاط سوداء تكبر مع كل نفس. عددتها فوجدتها أكثر من عشرة، ثم أكثر من عشرين.— هلال أحضر ما بقي من رجاله، قال عاصم بهدوء مخيف. والله أعلم كم من القبائل انضم إليه.انطلقنا.كان ريح مهري أشجع ما
غادرنا الواحة قبل أن تشرق الشمس، وكان كل أهلها واقفين على الطريق صامتين، لا يلوّح أحد ولا يبكي. حملوا إليّ أجرانًا مملوءة ماءً عذبًا، وتمرًا، وقطع لحم مجفف، ولم يقل أحد شيئًا حتى جاءت العجوز نجمة متكئة على حفيدتها ريما.كانت الطفلة قد عادت إلى الحياة كأن لا دم قد غادر وجهها، وخداها متورّدتان، وعيناها تلمعان بشيء لا تفهمه بعد. مدّت إليّ سوارًا ضعيفًا ضفرته من سعف النخيل.— خذه يا عمّي. لكي تعود إلينا حين تنتهي.أخذته ولم أجد ما أقوله. وحين انحنى العجوز نحو أذني وهمست: «كل ماء جارٍ في هذه الأرض مدين لك»، شعرت بثقل غريب في صدري، لا أدري أهو فخر أم خوف.ركبتُ ريحًا، مهري الأدهم الذي عاد من مهربه في الوادي بعد أيام، كما حكى لي عاصم، وكان قد جمعه مع حصانه في الطريق. لكن ذلك الصباح لم يكن فيه مكان لشيء سوى الهرب.مشينا ثلاث ساعات دون كلام، عاصم يركب حصانه أمامي، وفجر تمشي بجانبي بلا سرج ولا لجام، كأنها تعرف الطريق أكثر ممن يدلّها. وكان هذا وقتًا كافيًا لأن ألاحظ شيئًا لم أنتبه إليه من قبل.كنت أحاول أن أتذكّر صوت أبي.أعرف أنه علّمني ترويض الخيل. أعرف أنه كان يغنّي أثناء الطرق على السندان. أ
استيقظتُ على رائحة الأعشاب المغلية.كان السقف فوقي من سعف النخيل، وضوء الفجر يتسلل منه خيوطًا رمادية. حاولت أن أنهض فمزّقني الألم من كتفي حتى ضلوعي، فعدت إلى الفراش أتنفس بين أسناني. كانت أكتافي ملفوفة بخرق نظيفة تفوح منها رائحة الزعتر والعسل، وعلى صدري، تحت القماش، حجر دافئ ينبض بهدوء كأنه يحرسني.— لا تتحرك، قال صوت من الزاوية. الجرح عميق، وقد نزفت كثيرًا.التفتُّ ببطء.كان جالسًا على الأرض عند الباب، ظهره إلى الحائط وساقاه ممدودتان، وقوسه الطويلة على ركبتيه. شاب في مثل عمري، أسمر البشرة، بعينين رماديتين كلون الغبار الذي عبرناه، وشعر أسود مقصوص بخشونة كمن يقصّه بسكين. لا درع عليه ولا شعار، إلا سترة جلدية قديمة متآكلة الأطراف، وفي معصمه الأيسر خيط أحمر مجدول، تتدلى منه عقدة صغيرة أعرفها جيدًا.العقدة نفسها التي في عُرف الفرس.— من أنت؟ سألته، وصوتي مبحوح.— عاصم، قال ببساطة من اعتاد أن يُسأل. ومن أنت فأنا أعرفه منذ ثمانية أيام.— منذ ثمانية أيام؟— منذ فتحتُ الصندوق تحت شجرة السرو.تجمّد الدم في عروقي. تذكرت الخدوش البيضاء على الغطاء النحاسي، والعلامة الطرية على جذع الشجرة، وحفرتي ال
لم يكن لدينا غير ساعة واحدة قبل الغروب.علمتني حدادية أبي أن المعركة لا تبدأ حين يستلّ الناس سيوفهم، بل حين يتقرر أين يقفون. جمعتُ أهل الواحة عند البئر، وكانوا ثلاثمئة نفس منهم مائة طفل، ولم يكن معهم غير أربعة سيوف صدئة ومناجل ومعاول. لكنهم كانوا يعرفون شيئًا لا يعرفه فرسان الرماد: كل قناة وكل جدول وكل نقطة رطبة في أرضهم.— خلف النخيل تنحدر أرض منخفضة، قالت العجوز، وقد عادت إلى قامتها كأن الماء نفخ في عظامها شباباً جديدًا. إن فتحنا القنوات القديمة تحوّلت إلى وحل لا تنجو منه حوافر.أمرتها أن تفعل، وركض الصبية إلى القنوات كما تركض الغزلان إلى الغدير، يرفعون الألواح الحجرية التي أغلقت منذ أجيال، ويفتحون المجاري، ويدفعون التراب بأيديهم الصغيرة. وكان الماء يتبعهم كالكلب الوفي، يملأ كل حفرة منخفضة من حول الخليج النخلي.وعند غروب الشمس، حين صار الأفق كجمرة تحت الرماد، ظهروا.سبعة فرسان على خيول سوداء، يهبطون الكثيب بخطوات منتظمة كأنهم قطعة واحدة من حديد. لم يصرخوا، ولم يجردوا سيوفهم. وقفوا على بعد مرمى سهم من النخيل، وتقدّم منهم واحد أطولهم، على حصان أضخم من البقية، ورفع يدًا مفتوحة.— أنتم
في اليوم السادس بعد ملتقى الطرق، رأيتُ أول لون أخضر منذ أن غادرت وادي السرو. ظننته سرابًا، فقد علّمتني الصحراء أن العين تكذب حين يجوع الجسد. لكن الفرس أسرعت من تلقاء نفسها، وارتفعت أذناها، وخفّ تعبها كأن ريحًا خفية رفعت عنها حملًا ثقيلًا.كانت واحة صغيرة محاطة بنخيل نصف ميت وأشجار جُمَّيز عتيقة، جذوعها ضخمة كأعمدة معابد منسية، وبين الأشجار بيوت من طين وسعف تتكئ على بعضها كشيوخ أنهكهم الانتظار. ولا دخان يتصاعد من أي بيت، ولا صوت يتردد في الأزقة، إلا سعال متقطع يخرج من خلف الجدران.عند مدخل الواحة وقفتْ عجوز نحيلة تحمل جرّة فارغة، وحين رأتنا لم تفرح ولم تهرب، بل نظرت إلى فرسي طويلًا ثم قالت بصوت أجفّ من الرمل:— من أين جئتما؟ ومن أجل ماذا؟— من الغرب، قلت. نبحث عن ماء وظلّ ليلة واحدة.— الماء مات يا بُني. ماتت البئر قبل شهرين. وما بقي من ماء الجرار لا يكفي الأطفال إلى آخر الأسبوع.قادتني بين البيوت، وكل بيت أطلّ منه وجه شاحب أو عينان غائرتان. رأيت أمًّا تبلّل شفتي رضيعها بخرقة جافة، ورجلًا يرقد على عتبة بيته كأنه نسي كيف يقف، وصبية يلعقون الحجارة. ثم وصلنا إلى وسط الواحة، حيث كانت البئر
لم أعرف كم ركضنا. أيام أم ساعات، لم يعد الزمن يعني شيئًا حين يكون العدو خلفك والحزن أمامك. كنت أنحني على عنق الفرس وأترك لها الطريق، والرماد يتطاير من تحت حوافرها كدخان ناعم لا ينقطع، يلتصق بثيابي وشعري وجفوني حتى صرت أشبه تمثالًا مغبرًا يمتطي ظلًا أبيض.كانت صحراء الرماد، كما سيعلمني أحد المسافرين بعد أيام، أرضًا لا تشبه أي أرض عرفتها. ليست رملًا ولا حجرًا، بل بقايا شيء احترق منذ زمن بعيد حتى لم يبقَ منه إلا هذا الغبار الرمادي الناعم الذي يمتد إلى الأفق في كل اتجاه. لا شجرة ولا بئر ولا طير ولا ظل، إلا هياكل معدنية ضخمة نصف مدفونة، تبرز من الرماد كأضلاع حيتان ميتة، وفي بعضها بقايا زجاج ما زال يلتقط ضوء الشمس فيرميه في عيني كالسهام.عند الغروب أوقفتُ الفرس أخيرًا. كان زبد أبيض يغطي صدرها، وصدرها يعلو ويهبط بعنف، وجرحها القديم قد تفتح من جديد. نزلت وجلست على الأرض الرمادية، ولم أجد في جسدي قوة حتى للبكاء.أخرجت السيف الجديد من غمده الأسود وأسندته على ركبتي. كان نصله يعكس السماء كأنه قطعة من ليل صاف. لمسته بإصبعي، فشعرت ببرودة غريبة لا تشبه برودة الحديد، بل أقرب إلى سكون بئر عميقة. وقلت