أذكر مرة أني حسيت إننا بنفقد التواصل مع الناس اللي كبرنا معهم، وخصوصًا زملاء المدرسة اللي كانوا جزء من ذكريات الطفولة. بالنسبة لي، أول خطوة دايماً تكون البحث في فيسبوك وتويتر، بس مو بس كذا! أنا شخصيًا أحب أستخدم مجموعات الواتساب القديمة إذا كان أحد في الفصل أنشأها زمان. مثلاً، قبل سنة لقيت صديق طفولتي لما دخلت على مجموعة 'أهل الخبر' في تيليجرام، وإذا فيه أحد يعرف منطقتنا الأصلية.
في تجربة ثانية، سويت بحث عن اسم المدرسة في قوقل وطلعت لي صفحة قديمة لألبوم التخرج، ومنها قدرت أوصل لبعض الأسماء عبر روابط لينكدإن. أحيانًا الأمور البسيطة زي إنك تسأل أهلك أو أقاربك إذا يعرفون أهالي زميلك القديم تفتح أبواب ما تتوقعها! يعني مرة أمي قالت لي: 'تذكر فلان؟ أهله ساكنين بنفس الحارة'.
الأكيد إن الموضوع يحتاج شوية إصرار، مو كل مرة تنجح من أول محاولة، لكن اللحظة اللي تشوف فيها وجه مألوف بعد سنين طويلة تستاهل كل التعب. أنا أحس إن المفتاح الحقيقي هو إنك تبدأ بالأماكن اللي تعرفها أكيد، وتكون منفتح لأي قناة تواصل، حتى لو كانت غير متوقعة مثل تطبيق قديم زي 'كلاس ميتس' أو منتديات زمان اللي ما زالت حية.
يا للروعة، هذا السؤال يذكرني بأيام المدرسة الثانوية! لما بحثت قبل فترة عن مجموعات صفي القديم على فيسبوك، بدأت بكل بساطة من شريط البحث الرئيسي. كتبت اسم مدرستي كاملاً مع سنة التخرج، مثل 'مدرسة النور الثانوية 2010'، وطلعت لي قائمة من المجموعات. لكن المشكلة كانت في وجود مجموعات كثيرة بنفس الاسم، خاصة لو المدرسة كبيرة.
حينها فكرت أضيف اسم الحي أو المنطقة اللي كانت فيها المدرسة، مثلاً 'مدرسة النور الثانوية حي السلام 2010'. النتيجة كانت أدق بكثير. بعد كذا، دخلت على المجموعة ولقيت فيها ناس أعرف وجوههم، وصار كل واحد يكتب بوست عن ذكرياتنا. كذا نقدر نتواصل ونسوي شات للدفعة.
النصيحة القوية اللي تعلمتها: لو ما لقيت نتيجو، حاول تراسل صحبة من أيام الدراسة مباشرة وتسألهم عن لينك المجموعة. أحياناً المجموعات تكون سرية ومو ظاهرة في البحث العادي، وخلك مرن في كتابة اسم المدرسة، لأن البعض يكتبه بالانجليزي أو يبدله شوي.
في المدرسة، أعتقد أن السبب الأكبر لتوتر العلاقات هو المقارنة المستمرة. لا أقصد فقط المقارنة في الدرجات، لكن في كل شيء: من الهوايات، إلى شكل الحقيبة، إلى عدد المتابعين على وسائل التواصل. أتذكر مرة في الصف الثاني الثانوي، كانت زميلتي تحب رسم المانجا، لكنها توقفت لأن إحدى البنات قالت إن أسلوبها 'قديم' مقارنة برسام مشهور. منذ تلك اللحظة، صار بينهم جفاء. المشكلة إننا ننسى أن المدرسة مكان للتعلم، مش مسابقة.
ثم هناك موضوع الشللية. في مسلسل 'Squid Game' مثلاً، الناس تتحالف ثم تنقلب على بعضها بسبب الخوف والضغط. في المدرسة، الشلل تتكون أحياناً على حساب الآخرين. أنا شخصياً عانيت من هذا؛ لما انتقلت لمدرسة جديدة، وجدت نفسي محاصراً بين مجموعتين، كل واحدة تريدني معها، وأي خيار يزعج الأخرى. هذا التوتر ينتشر زي النار في الهشيم.
في النهاية، أظن أن عدم الأمان الداخلي هو الجذر. كل واحد فينا خايف من الرفض، فيحاول يكون قوياً أو حاداً عشان يحمي نفسه. لو كل طالب فهم أن زميله بيمر بنفس الصعوبات، كانت العلاقات هتكون أسهل. لكن الحياة صعبة، وإحنا بنتعلم من أخطائنا.
كنت في الممر عندما انهار السقف. الضوضاء كانت هائلة، والغبار جعل الرؤية مستحيلة. بعد ثوانٍ، كل ما تذكره هو الصراخ والركض الفوضوي. أمسكت بيد زميلتي رنا ودفعتها نحو جدار آمن، لكنها أصيبت بشظية زجاج في كتفها.
بعد الحادث، تغير كل شيء. البعض أصبحوا أقرب إلينا بشكل غريب، كأنهم يشعرون بالذنب لأنهم لم يكونوا هناك. لكن صداقات عميقة ولدت في تلك اللحظات. مثلاً، خالد الذي كان يتجنبني أصبح ينتظرني كل صباح عند باب الفصل، ونتحدث عن كل شيء – حتى عن الخوف الذي لا نجرؤ على مشاركته مع أهلنا.
أما الصداقات السطحية فتلاشت. بعض الزملاء اختفوا ببساطة، ربما لأن تذكر الحادث يؤلمهم. أعتقد أن الحوادث تكشف جوهر العلاقات الحقيقية. الصداقة التي صمدت بعد ذلك اليوم ليست مجرد ذكريات جميلة، بل روابط صلبة كالحديد، تعلمت منها أن من يقف بجانبك في العاصفة هو الصديق الحقيقي.
لما تشوف زملائك بعد سنين، أول شيء لازم تسويه إنك تبتسم بصدق وتفتح المجال للذكريات الحلوة. أنا مثلاً في آخر لقاء جمعنا، بدأت بسؤال: 'تتذكر لما كنا نسرق الحصص ونهرب من المختبر؟' وضحكنا ساعتها لدرجة إن الناس اللي حولنا بدأت تلاحظنا. المهم إنك ما تخليش الموقف رسمي أو صعب، لأن الكل عنده شوية توتر. ابدأ بموقف سهل، حتى لو كان عادي، مثل سؤال عن الأكل كنا نجيب معانا وقت الفسحة. هتلاقي الكلام بيجري طبيعي وكأننا رجعنا 10 سنين ورا.
بعد كده، ممكن تنتقل لأسئلة عن حياتهم دلوقتي، لكن خليها خفيفة: 'شغلك إيه يا فلان؟' أو 'أنت لسه متابع الكورة؟' مش لازم تحفر في التفاصيل العميقة، لإن بعض الناس بتحب تفضل غامضة على حاجات. أنا شخصياً بحب ألاحظ التغيرات، مثلاً واحد كان هادي في المدرسة بقى مدير شركة، أو واحدة كانت خجولة بقيت تتكلم بثقة. دي لحظات جميلة جداً، وتخليني أحس إن الزمن حلو رغم إنه غريب.
آخر نصيحة: لو حسيت إن فيه صمت شوية، ما تخافش منه. يمكن يكون صمت حنين، مش غرابة. خليك طبيعي وشارك بضحكك وذكرياتك، ولو حد قال كلمة غلط أو نسي اسمك، خفف الجو واقول: 'أنا أصلاً اتغيرت كتير، يعني لو شفت نفسي فوتو من 2005 كنت هسأل مين ده!' اللقاءات دي بتبقى كنز لما تخلص، وهتتمنى لو الوقت يطول.
كانت حصة الرياضيات هي الأسوأ في ذلك اليوم. سمعت همسات في الصف تقول أن 'سامر' يغش في الامتحانات، وانتشرت الشائعة كالنار في الهشيم. كنا نحن مجموعة أصدقائه المقربين نعرف الحقيقة تمامًا، لكن قول 'هذا خطأ' لم يكن كافيًا. قررنا أن نجمع أدلة من دفتر واجباته ومناقشاته مع المعلمين، ونعرضها على طلاب الفصل بطريقة غير مباشرة. في الاستراحة، تحدثت مع زميلتنا 'ليلى' التي كانت تنشر الشائعة، وقلت لها: 'سامر يقضي ساعات في المكتبة بعد الدوام، هل رأيتِ أحدًا يغش بهذا الجهد؟'
لكن المواجهة المباشرة لم تكن كافية. نظمنا جلسة نقاش صغيرة مع مجموعة من الطلاب، وشرحنا كيف بدأت الشائعة من طالب كان ينافس سامر على منحة دراسية. حتى أن صديقنا 'خالد' أحضر نسخة من ورقة إجابات سامر السابقة التي حصل فيها على درجات منخفضة لكنه تحسن بعد جهد واضح. بعد أسبوع، لاحظت أن معظم الفصل أصبحوا يضحكون على الشائعة الأصلية بدلًا من تصديقها. ليس لأننا دافعنا عنه بعنف، بل لأننا زرنا الشك في أذهانهم. أتذكر أن سامر نفسه قال لنا: 'كنت أشعر أني وحدي، لكنكم جعلتموني أرى أن الصدق لا يحتاج إلى محامٍ عندما يكون لديه أصدقاء حقيقيين.'
التعامل مع نزاع قديم مع زملاء المدرسة يشبه مشاهدة حلقة درامية من مسلسل, أحياناً تحتاج لضبط الإعدادات. أذكر أنا وزملائي في الثانوية, كنا على خلاف بسبب مشروع جماعي, أحدهم شعر أني أخذت كل الفضل. بعد سنوات, صادفته في تجمع, وكان الموقف محرجاً. بدلاً من تجاهل أو تصعيد, اخترت البدء بمزحة خفيفة عن تلك الأيام, ثم سألته عن رأيه الآن. تفاجأت أنه نسي التفاصيل, لكنه تذكر الشعور بالإحباط. تحدثنا بصراحة عن ضغوط المراهقة, وكيف كنا جميعاً نبحث عن التقدير. اكتشفت أن الاعتذار البسيط 'آسف لو بدوت متعجرفاً' أزال الكثير من التوتر. في النهاية, اتفقنا على أن التجارب الصعبة تعلمنا كيف نكون أفضل. هذا الموقف ذكرني بمسلسل 'فريندز', حيث الخلافات القديمة تصبح فرصة للضحك معاً لاحقاً.
الجميل أن الصراعات المدرسية غالباً ما تكون نتيجة طفولة, ومع تقدم العمر, ندرك أن الأشياء الصغيرة لم تكن تستحق كل ذلك العناء. أحياناً أتذكر فيلم 'نوت بوك' كيف أن الزمن يغير منظورنا للذكريات. لو كان الموقف مماثلاً الآن, سأدعو زميلي لتناول القهوة وأقول له: 'هل تذكر تلك المشكلة؟ أعتقد أننا كنا بحاجة لبعض النضج.' التواصل المباشر, مع لمسة من الفكاهة, يصنع العجائب. المهم أن لا نركز على من المخطئ, بل على فهم أن كلاً منا كان يعاني بشكل مختلف. هذا الدرس تعلمته من لعبة 'ذا ليجند أوف زيلدا', حيث الصراعات القديمة فيها دافع للنمو.