FAZER LOGINا
بقيت ليان تحدق في الباب. أما ياسين فلم يتحرك. كانت ملامحه قد تغيرت تمامًا. سألته ليان بصوت منخفض: — «أنت تعرفها.» لم يجب. — «قلت إنك لا تعرفها.» نظر إليها. — «لم أقل ذلك.» — «بل قلت: لا أعرف.» صمت للحظة، ثم قال: — «قلت ذلك لأنني لم أكن أريدك أن تخافي.» ابتسمت ليان بسخرية. — «بعد كل ما حدث اليوم؟ ما زلت تظن أنني أحتاج سببًا آخر للخوف؟» رن جرس الباب للمرة الثالثة. قالت المرأة من الخارج: — «ياسين، أعرف أنك تسمعني.» اقترب ياسين من الباب. تردد قليلًا قبل أن يفتحه. ظهرت امرأة في أواخر الأربعينيات، ترتدي معطفًا رماديًا وتحمل حقيبة صغيرة. كانت ملامحها هادئة، لكن عينيها كانتا تحملان حزنًا واضحًا. نظرت إلى ياسين. — «مر وقت طويل.» قال ببرود: — «ماذا تريدين؟» نظرت إلى ليان. ثم قالت: — «جئت من أجلها.» تقدم ياسين خطوة. — «لن تقتربي منها.» رفعت المرأة حاجبها. — «ما زلت كما أنت.» ثم وجهت كلامها إلى ليان: — «أنا نورا.» قالت ليان: — «من أنتِ؟» ترددت نورا للحظة. ثم قالت: — «كنت أعرف والدك.» تجمدت ليان. — «هل كنتِ تعملين معه؟» — «نعم.» — «هل تعرفين أين هو؟» خفضت نورا عينيها. — «لا.» ظهر الغضب على وجه ليان. — «الجميع يعرف شيئًا ولا يريد أن يخبرني!» قالت نورا: — «لأن الحقيقة قد تكون أخطر من الجهل.» ردت ليان: — «هذا ليس من حقكم. إنه أبي.» صمتت نورا. ثم قالت: — «وأنا كنت آخر امرأة تحدث معها والدك قبل اختفائه.» تغير وجه ليان. — «ماذا؟» نظر ياسين إلى نورا. — «لم تخبريني بهذا من قبل.» — «لم يكن الوقت مناسبًا.» — «والآن مناسب؟» — «الآن لم يعد لدينا خيار.» دخلت نورا إلى المنزل. جلست ليان أمامها. أما ياسين فبقي واقفًا. قالت نورا: — «والدك كان يعرف أنه مراقب.» — «من فارس؟» — «فارس كان واحدًا منهم.» — «من الآخرون؟» نظرت نورا إلى ياسين. — «لا أستطيع ذكر الأسماء الآن.» صرخت ليان: — «لماذا؟!» اقترب ياسين منها. — «ليان، اهدئي.» ابتعدت عنه. — «لا تقل لي اهدئي! أريد الحقيقة!» سكت الجميع. بدأت دموعها تنزل دون أن تشعر. قالت: — «منذ سنوات وأنا أعيش وأنا أعتقد أن أبي تركني. والآن اكتشفت أنه ربما كان حيًا... وأن الجميع يعرف أكثر مني.» نظر إليها ياسين. كانت تلك أول مرة يرى فيها ضعفها الحقيقي. اقترب منها ببطء. — «ليان...» قالت وهي تمسح دموعها: — «لماذا أنت؟» توقف. — «ماذا؟» — «لماذا كنت أنت الشخص الذي اختاره أبي؟ لماذا طلب منك حمايتي أنت؟» لم يجب فورًا. قالت نورا بدلًا منه: — «لأن والدك كان يثق به أكثر من أي شخص آخر.» نظرت ليان إلى ياسين. — «لماذا؟» أجاب ياسين بصوت منخفض: — «لأنني وعدته.» — «وعدته بماذا؟» اقترب منها. — «أنني سأحميك مهما حدث.» ساد الصمت. شعرت ليان بشيء غريب في صدرها. لم تكن تعرف لماذا أثرت فيها كلماته بهذه الطريقة. ربما لأنها للمرة الأولى شعرت أن هناك شخصًا لم يتخلَّ عنها. حتى عندما كانت لا تعرف بوجوده. قالت نورا: — «والدك لم يثق بي بما يكفي ليخبرني بكل شيء، لكنه أخبر ياسين.» سألت ليان: — «ما الذي أخبره؟» أجابت نورا: — «أن هناك شيئًا مخفيًا في مكان لا يمكن لأحد الوصول إليه إلا أنتِ.» تذكرت ليان الصندوق. المفتاح. الرسالة. قالت بسرعة: — «وجدنا صندوقًا في منزلنا.» تغير وجه نورا. — «أي صندوق؟» — «صندوق عليه اسمي.» نهضت نورا فجأة. — «أين هو؟» — «هنا.» أخرجت ليان الصندوق من حقيبتها ووضعته أمامها. حدقت نورا فيه طويلًا. ثم قالت: — «إذن بدأ كل شيء من جديد.» نظر ياسين إليها. — «ماذا تقصدين؟» لم تجب. فتحت الحقيبة وأخرجت صورة قديمة. وضعتها أمام ليان. نظرت ليان إلى الصورة. كان والدها فيها. وكان بجانبه ياسين. لكن هناك شخصًا ثالثًا. رجل لم تره من قبل. رفعت الصورة. — «من هذا؟» قالت نورا: — «الرجل الذي تسبب في اختفاء والدك.» تغير وجه ياسين. — «نورا...» قالت بحزم: — «حان الوقت.» نظرت ليان إلى الرجل في الصورة. ثم قلبت الصورة. كان خلفها اسم مكتوب بخط والدها: «لا تثقي بالرجل الذي يحمل هذا الاسم.» وتحت الاسم كلمة واحدة: «سامر.» شهقت ليان. — «من سامر؟» لكن قبل أن يجيب أحد... انطفأت أنوار المنزل. ساد الظلام. ثم سمعوا صوت نافذة تتحطم. أمسك ياسين بيد ليان فورًا. — «ابقَي خلفي.» قالت نورا: — «لقد وجدونا.» جاء صوت من الخارج: — «ياسين!» عرفه فورًا. فارس. ثم قال صوت آخر: — «أخرج ليان، ولن يحدث شيء لأحد.» نظر ياسين إلى ليان. كانت تمسك بيده دون أن تشعر. قالت بصوت مرتجف: — «ماذا سنفعل؟» شد ياسين على يدها. — «هذه المرة لن نهرب.» نظرت إليه. — «لماذا؟» قال: — «لأنني أعتقد أنني عرفت أين أخفى والدك الحقيقة.» رفعت ليان رأسها. — «أين؟» نظر إلى الصندوق. ثم إلى المفتاح الموجود بداخله. — «تحت هذا المنزل.»ساد الصمت داخل المستودع.كانت ليان تنظر إلى والدها، بينما كانت الكلمات الأخيرة التي قالها تتردد في رأسها:«لم تكوني الوحيدة التي وُلدت في ذلك اليوم.»تقدمت نحوه خطوة.— ماذا تقصد؟لم يجب مراد فورًا.كانت والدتها تبكي بصمت.قالت ليان:— أمي... أبي... أريد الحقيقة. مهما كانت.تنفس مراد بعمق، ثم قال:— في الرابع عشر من أبريل، وُلد طفلان.تجمدت ليان.— طفلان؟أومأ.— أنتِ... وطفل آخر.اقترب ياسين منها، لكنه لم يتدخل.تابع مراد:— كان ذلك الطفل ابن امرأة كانت شاهدة على الشبكة. كانت تعرف أسماء أشخاص مهمين، وكانت تملك نسخة من الحسابات الأصلية.قالت ليان:— آدم؟هز مراد رأسه.— لا. ليس آدم الذي قابلته.تنفست ليان بارتياح، فقد فهمت أخيرًا أن الأمر لا يتعلق بأخ مخفي أو قريب جديد.قال مراد:— الطفل الآخر لم يكن من عائلتك. لكنه وُلد في المكان نفسه، وفي الساعات نفسها تقريبًا.سأل ياسين:— ولماذا كان ذلك مهمًا؟أجاب مراد:— لأن رجال الشبكة كانوا يبحثون عن الطفل منذ ولادته. كانت والدته تعرف أن حياتها في خطر، ولذلك طلبت من والدتك أن تساعدها.رفعت والدة ليان عينيها.— كنت أعرف أنني إذا تركته معها فسيم
ساد الصمت داخل المستودع بعد ظهور الرسالة على الشاشة.«نادر لم يكن الرجل الذي يجب أن تخافوا منه. لقد انتهى دوره منذ سنوات.»ظلّت ليان تحدّق في الكلمات، بينما كان ياسين يقف إلى جوارها دون أن يقول شيئًا.أما نادر، فابتسم ابتسامة غريبة.قالت ليان بحذر:— لماذا تبتسم؟رفع نادر عينيه إليها.— لأنني أعرف هذه الرسالة.تقدّم مراد خطوة.— ماذا تقصد؟أجاب نادر:— هذه ليست رسالة أُرسلت الآن.نظر الجميع إلى بعضهم.— كيف؟أشار نادر إلى الجهاز.— هذه رسالة مبرمجة منذ سنوات. كانت جزءًا من نظام قديم وضعه الأشخاص الذين أداروا الشبكة. إذا اكتشف أحدهم الملف الأصلي، يتم تشغيلها تلقائيًا.اقترب ياسين من الجهاز وفحص الشاشة.— لكن لماذا تقول إنك لست الشخص الذي يجب أن نخاف منه؟ضحك نادر بسخرية.— لأنهم كانوا يعرفون أنني سأصبح في النهاية الشخص الذي ستبحثون عنه.تقدمت ليان.— ومن كانوا يقصدون بـ«الرجل الذي يجب أن نخاف منه»؟صمت نادر لحظة.ثم قال:— لا يوجد رجل آخر.تجمدت ليان.— ماذا؟— أنتم تبحثون طوال الوقت عن شخص جديد خلف كل شخص. والد، عم، خائن، رجل مجهول... لكن الحقيقة أبسط وأخطر.وضع نادر يده على الملف الم
لم تتحرك ليان.كانت تنظر إلى أمها، ثم إلى نادر، ثم إلى الملف الموجود بين يديه.قالت بصوت مرتجف:— ماذا يعني أنها كانت تعرف أكثر مما أخبرتني؟أجاب نادر:— اسأليها.التفتت ليان إلى أمها.— أريد الحقيقة.خفضت أمها رأسها.مراد اقترب منها.— لا تخافي. قولي لها.رفعت الأم عينيها نحو ابنتها.— نعم... كنت أعرف.ساد الصمت.قالت ليان:— ماذا كنت تعرفين؟تنفست أمها ببطء.— كنت أعرف أن نادر لم يكن الشخص الوحيد الذي يدير الشبكة.تغير وجه مراد.— ماذا؟نظرت إليه.— كان هناك أشخاص أكبر منه في البداية.قال نادر ساخرًا:— أخيرًا.تدخل ياسين:— لكنك قلت إن نادر هو الرأس.أجاب نادر:— كنت الرأس لسنوات، لكنني لم أبدأ الشبكة.قالت ليان:— ومن بدأها؟نظر نادر إلى والدتها.— هي تعرف.اقتربت ليان من أمها.— أمي...أغلقت الأم عينيها.— الشبكة بدأت قبل ولادتك بسنوات.ثم أضافت:— ولم تكن في البداية شبكة إجرامية.قال آدم:— ماذا كانت؟— مجموعة من الشركات والمشاريع التجارية.قالت:— ثم بدأ بعض الأشخاص باستخدامها لغسل الأموال وتحويلها بعيدًا عن الرقابة.قال مراد:— وهنا بدأ التحقيق.أومأت.— نعم.ثم نظرت إلى نادر.
ساد الظلام داخل الغرفة.لم يسمعوا سوى صوت أنفاسهم.ثم أضاءت شاشة صغيرة داخل الصندوق الأسود.ظهر وجه نادر.كان التسجيل قديمًا، لكنه كان واضحًا.قال:— إذا وصلتم إلى هذه الرسالة، فهذا يعني أنكم فتحتم الصندوق الذي حاول والد ياسين إخفاءه.تقدم مراد خطوة.— نادر!لكن التسجيل استمر.— وأعرف أنكم رأيتم الاسم الموجود في الصفحة الأخيرة.نظرت ليان إلى والدها.كان وجهه شاحبًا.قال نادر:— اسم مراد موجود هناك، لكن ليس بالطريقة التي تظنونها.تنفس الجميع بارتياح بسيط.لكن نادر تابع:— مراد لم يكن خائنًا.توقفت ليان عن التنفس للحظة.قال نادر:— كان الرجل الذي اخترق الشبكة من الداخل.نظر ياسين إلى مراد.— ماذا يعني ذلك؟لم يجب مراد.واصل التسجيل:— عندما بدأ مراد التحقيق في الحسابات، أدرك أن الشبكة أكبر مما توقع. لذلك اتفق معي سرًا على أن يتظاهر بأنه يعمل لصالحنا.صرخت ليان:— مع نادر؟أجاب مراد بصوت منخفض:— نعم.التفتت إليه.— لماذا لم تخبرني؟— لأنك كنتِ الهدف.قال نادر في التسجيل:— كان الاتفاق أن يسلمني مراد نسخة مزيفة من الحسابات، بينما يحتفظ بالنسخة الأصلية.قال حسان:— وهذا ما حدث.ظهر ملف آخ
وصلوا إلى المنزل القديم بعد منتصف الليل.كان المكان أكثر هدوءًا مما تتذكره ليان، لكن كل زاوية فيه كانت تحمل ذكرى.وقفت أمام الباب للحظات.قال ياسين:— هل أنت بخير؟أومأت.— نعم... فقط أشعر أنني عدت طفلة من جديد.قال بهدوء:— هذه المرة لن تكوني وحدك.نظرت إليه، ثم ابتسمت.دخلوا.كان مراد ورؤوف يتفقدان الغرف، بينما توجهت ليان مباشرة إلى الدرج.توقفت أمام المساحة الصغيرة الموجودة تحته.— هنا.انحنت، وأزاحت قطعة خشبية قديمة.ظهر باب صغير.قالت:— كنت أختبئ هنا عندما كنت صغيرة.فتح ياسين الباب.كانت الغرفة ضيقة، لا تتسع إلا لشخص أو اثنين.دخلت ليان.بدأت تبحث بين الصناديق القديمة.وجدت لعبة خشبية، ودفترًا صغيرًا، وبعض الصور.ثم توقفت.— هذه...رفعت صورة.كانت لها وهي طفلة، تقف أمام المنزل.وبجانبها والدتها.لكن خلفهما كان هناك شخص آخر.رجل شاب.حدقت ليان في الصورة.— هذا...اقترب مراد.ثم تغير وجهه.— حسان.قال ياسين:— ماذا كان يفعل هنا؟لم يجب مراد.قلبت ليان الصورة.وجدت كتابة على ظهرها:"إذا احتجتِ إلى المساعدة، تذكري الرجل الذي أعطاكِ المفتاح."قالت ليان:— أي مفتاح؟وفجأة تذكرت.— لح
ساد الصمت في الممر.كانت الصورة على هاتف رؤوف لا تزال ظاهرة أمامهم.صورة لهم جميعًا داخل المستشفى.صورة التُقطت قبل دقائق فقط.قال آدم:— هذا مستحيل... لم يكن هناك أحد معنا.نظر ياسين إلى الممر الطويل.— كان هناك شخص.قال مراد:— أين؟أشار ياسين إلى كاميرا المراقبة الموجودة في السقف.— هناك.اقترب منها.— إذا كانت تعمل، سنعرف من دخل.قال رؤوف:— الكاميرات هنا لا تعمل منذ سنوات.ابتسم ياسين.— كلها؟لم يجب رؤوف.اقترب ياسين من لوحة كهربائية صغيرة بجانب الباب.فتحها.وجد سلكًا جديدًا.قال:— هذه الكاميرا تعمل.نظر مراد إليه.— منذ متى؟— لا أعرف.ثم أخرج هاتفه ووصل بالنظام.ظهرت تسجيلات الساعات الماضية.مرّت الصور بسرعة.الممر فارغ.الغرفة 217.الممر.ثم...توقف التسجيل.ظهر شخص يدخل المستشفى.كان يرتدي معطفًا أسود وقبعة تخفي وجهه.قالت ليان:— أوقفه.كبر ياسين الصورة.لم يظهر الوجه بوضوح.لكن الشخص كان يحمل شيئًا في يده.قال آدم:— حقيبة.ثم ظهر الرجل في تسجيل آخر.كان يراقبهم من نهاية الممر.قالت ليان:— إنه كان هنا قبل وصولنا.مراد:— إذن نادر لم يكن الشخص الذي يراقبنا.فجأة أوقف ياس







