مشاركة

الفصل 52

مؤلف: فتيحة
last update تاريخ النشر: 2026-07-30 22:52:35

ظل العناق يجمعهن لوقت طويل.

لم تكن أي واحدة منهن ترغب في أن تكون أول من يبتعد.

وكأنهن كن يحاولن سرقة دقائق إضافية من تلك الليلة.

كانت هناء أول من مسحت دموعها.

ثم نظرت إلى أروى وقالت وهي تحاول التخفيف عنها:

ــ لكن اسمعيني جيدًا...

إذا خرجتِ من هنا ونسيتِنا...

فسأغضب منك.

ضحكت أروى وسط دموعها.

وقالت:

ــ وهل سأجرؤ؟

قالت سلمى بابتسامة:

ــ لا نريد منك شيئًا.

فقط...

عيشي الحياة التي حُرمنا منها.

أطرقت أروى برأسها.

ثم قالت بهدوء:

ــ سأعيشها...

من أجلكما أيضًا.

---

تأخر الليل.

وأطفئت الأنوار.

استلقت هناء على سريرها.

وقالت بصوت خافت:

ــ حاولي أن تنامي...

غدًا سيكون يومًا طويلًا.

أجابتها أروى بابتسامة:

ــ سأحاول.

بعد دقائق...

غرقت هناء وسلمى في النوم.

أما أروى...

فلم تستطع أن تغمض عينيها.

جلست على سريرها.

وأخذت تنظر إلى الزنزانة.

الجدار الذي استندت إليه مئات المرات.

النافذة الصغيرة...

التي كانت ترى منها جزءًا ضئيلًا من السماء.

الباب الحديدي...

الذي كانت تكرهه في البداية.

مرت يدها برفق على حافة السرير.

ثم همست لنفسها:

ــ هنا...

بكيت.

وهنا...

ضحكت لأول مرة بعد شهور.

وهنا...

وصلني خبر وفاة عمي.

أغمضت عينيها.

وشعرت بغصة في حلقها.

ثم همست:

ــ كنت أظن أن هذا المكان...

لن يعلمني سوى الألم.

لكنه علمني أيضًا...

كيف أنهض بعد كل سقوط.

رفعت رأسها نحو النافذة.

وبقيت تنظر إليها...

حتى بدأ أول خيط للفجر يتسلل إلى داخل الزنزانة.

---

مع شروق الشمس...

استيقظت أروى قبل الجميع.

نهضت بهدوء.

وطوت بطانيتها بعناية.

ورتبت سريرها للمرة الأخيرة.

ثم بقيت واقفة أمامه.

وكأنها تودع جزءًا من حياتها.

استيقظت هناء.

ورأتها واقفة.

فابتسمت بحزن.

وقالت:

ــ إذن...

جاء اليوم.

أومأت أروى برأسها.

وفي تلك اللحظة...

فتح باب الزنزانة.

وقالت الحارسة:

ــ أروى الحازمي...

حان وقت المغادرة.

شعرت أروى بأن قلبها توقف لثوانٍ.

أخذت حقيبتها الصغيرة.

ثم التفتت نحو هناء وسلمى.

احتضنتهما مرة أخيرة.

كانت الدموع تنهمر من أعين الثلاث.

قالت هناء وهي تبكي:

ــ لا تنظري إلى الخلف...

امشي إلى حياتك الجديدة.

أما سلمى فقالت:

ــ ولا تسمحي لأحد أن يكسرك مرة أخرى.

ابتسمت أروى وسط دموعها.

وقالت:

ــ سأنتظركما خارج هذه الجدران...

وأدعو أن يأتي يوم أراكما فيه حرتين.

---

خرجت من الزنزانة.

وسارت في الممر الطويل.

كان كل باب تمر بجانبه...

يعيد إليها ذكرى.

وصلت إلى الإدارة.

سلمتها إحدى الموظفات حقيبة أماناتها.

فتحتها ببطء.

رأت الفستان الذي دخلت به السجن.

الفستان الذي أهداه لها سمير يومًا...

وكان يذكرها بأيام ظنت فيها أن المستقبل سيكون جميلًا.

حملته بين يديها للحظات.

ثم قالت في نفسها:

ــ كم تغير كل شيء...

ارتدته بصمت.

وحملت حقيبتها.

ثم وقعت على آخر ورقة.

قالت الموظفة وهي تبتسم:

ــ نتمنى ألا نراك هنا مرة أخرى.

ابتسمت أروى ابتسامة هادئة.

وأجابت:

ــ وأنا أيضًا.

---

تقدمت نحو البوابة الخارجية.

توقف الحارس.

فتح الباب الحديدي الكبير ببطء.

صدر الصوت نفسه...

الذي كانت تسمعه طوال ثلاث سنوات.

لكن هذه المرة...

لم يكن بابًا يُغلق عليها.

بل بابًا يُفتح لها.

خطت أروى خطوة إلى الخارج.

رفعت رأسها.

وأغمضت عينيها.

واستنشقت الهواء بعمق.

كان شعور الحرية غريبًا...

حتى إنها لم تعرف كيف تصفه.

فتحت عينيها.

فرأت مالك يقف على بعد خطوات منها.

كان يبتسم بهدوء.

اقترب منها.

ثم قال:

ــ مرحبًا بعودتك يا أروى.

نظرت إليه...

ثم التفتت للحظة نحو السجن.

وأخيرًا...

أدارت ظهرها له.

وسارت إلى الأمام...

دون أن تلتفت مرة أخرى.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 56

    ساد الصمت داخل الغرفة. لم يكن صمتًا محرجًا... بل صمتًا مليئًا بالمشاعر التي عجزت الكلمات عن وصفها. أخذت أروى تدور ببطء داخل الغرفة. لم تكن تنظر إلى الأثاث... بل كانت تتخيل حياتها القادمة. ذلك السرير... ستنام عليه دون أن تسمع صوت إغلاق باب حديدي. وتلك النافذة... ستفتحها متى شاءت. وستغلقها متى شاءت. ابتسمت دون أن تشعر. --- قطع مالك الصمت وهو يخرج ظرفًا صغيرًا من حقيبته. مده إليها. وقال: ــ هذا لك. نظرت إليه باستغراب. ــ ما هذا؟ ــ بعض الأوراق الخاصة بالغرفة... وعقد الإيجار. ومفتاح احتياطي. أخذت الظرف. ثم سألته: ــ هل العقد باسمي؟ ابتسم. ــ بالطبع. أردت أن تشعري منذ اليوم الأول... أن هذا المكان ملك لقرارك أنت، وليس لأحد غيرك. شعرت أروى بغصة في حلقها. ثم قالت: ــ شكرًا. --- اقترب مالك من الباب. ثم توقف. وقال: ــ الثلاجة فيها بعض الطعام. ليس كثيرًا... لكنه يكفي اليومين الأولين. نظرت إليه أروى بسرعة. وقالت: ــ ألم أقل لك ألا تتكلف؟ ابتسم وقال: ــ أعرف. ولهذا اشتريت أشياء بسيطة فقط. خبز... حليب... بيض... وشيئًا من الشاي والسكر. أشياء كنت ستشت

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 55

    غادرت السيارة الشارع الرئيسي... لتدخل حيًا شعبيًا هادئًا. لم يكن يشبه الأحياء الراقية التي تنتشر فيها المباني الفخمة... ولا الأحياء العشوائية المزدحمة. بل كان حيًا بسيطًا. مبانٍ قديمة... وشرفات تتدلى منها أواني الزهور. وأطفال يركضون بين الأزقة الضيقة. وباعة يعرف بعضهم بعضًا بالاسم. أبطأ مالك سرعة السيارة. ثم قال وهو ينظر أمامه: ــ وصلنا. رفعت أروى رأسها. وأخذت تتأمل المكان. ابتسمت ابتسامة خفيفة. وقالت: ــ يذكرني بالحي الذي كنت أعيش فيه مع عمي. نظر إليها مالك. ثم قال: ــ لهذا اخترته. التفتت إليه باستغراب. ــ لهذا السبب؟ ابتسم. ــ كنت أبحث عن مكان تشعرين فيه بالألفة... لا بالغربة. أخفضت أروى رأسها. ولم تقل شيئًا. لكنها شعرت بالامتنان. توقفت السيارة أمام مبنى مكون من ثلاثة طوابق. لم يكن جديدًا. لكن مظهره كان مرتبًا. نزل مالك أولًا. ثم فتح الباب لها. خرجت أروى. ورفعت بصرها نحو المبنى. وقفت للحظات... وكأنها تحاول إقناع نفسها... أن هذا المكان سيكون عنوانها الجديد. قال مالك: ــ في الطابق الثاني. أومأت برأسها. ثم تبعته. صعدا الدرج ببطء. كان المكان ه

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 54

    ــ ساد الصمت طوال الطريق.ــ لم يكن صمتًا محرجًا...ــ بل صمتًا يعرف كل واحد منهما سببه.ــ كانت أروى تحدق عبر نافذة السيارة.أما مالك...ــ فترك لها مساحة لتعيش تلك اللحظات كما تشاء.ــ ــ ــ بعد دقائق...ــ توقفت السيارة أمام المقبرة.ــ أطفأ مالك المحرك.ــ ثم التفت إليها.ــ وقال بهدوء:ــ سأنتظرك هنا.هزت أروى رأسها.ــ شكرًا.ترجلت من السيارة.ــ وأغلقت الباب خلفها برفق.ــ ثم اتجهت نحو الداخل بخطوات مترددة.---ــ كانت المقبرة هادئة.لا يسمع فيها إلا صوت الريح وهي تحرك أوراق الأشجار.سألت أحد العاملين عن مكان قبر هبة.ــ فأشار لها إلى الاتجاه.شكرته...ــ ثم تابعت السير.---بعد لحظات...وقفت أمام شاهد القبر.خفضت رأسها.وبقيت صامتة.ــ لم تكن تعرف ماذا تقول.ولا من أين تبدأ.مرت ثوانٍ طويلة...قبل أن تتمكن من الكلام.قالت بصوت متهدج:ــ مرحبًا...يا هبة.أنا...أروى.الاسم الذي ارتبط بآخر لحظة من حياتك.توقفت.وأغمضت عينيها.ثم أكملت:ــ لا أعرف كم مرة اعتذرت لك في قلبي...ولا أعرف إن كان اعتذاري يغير شيئًا.ــ لكنه كل ما أملكه.فتحت حقيبتها الصغيرة.ــ وأخرجت باقة زهور بيضاء

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 53

    أغلقت السيارة بابها بهدوء.جلس مالك خلف المقود.بينما بقيت أروى تنظر عبر النافذة دون أن تنطق بكلمة.لم تكن المدينة كما تركتها.أو ربما...هي التي لم تعد كما كانت.كانت السيارات تمر بسرعة.والمارة يعبرون الأرصفة.وأصوات الباعة تملأ الشوارع.كل شيء يتحرك...وكأن السنوات الثلاث لم تمر إلا عليها وحدها.مر طفل يركض خلف كرة صغيرة.فضحك بصوت عالٍ.التفتت أروى إليه دون شعور.وبقيت تتابعه بعينيها حتى اختفى.ابتسمت ابتسامة صغيرة.ثم همست:ــ نسيت... كم كانت الحياة صاخبة.نظر إليها مالك مبتسمًا.وقال:ــ الحياة لم تتوقف يومًا...لكنها كانت تنتظرك لتعودي إليها.لم تجبه.واكتفت بالنظر من جديد إلى الشوارع.بعد دقائق...قطع مالك الصمت.ــ هل نذهب إلى الغرفة أولًا؟أدارت أروى وجهها نحوه.ثم هزت رأسها بالنفي.ــ لا...استغرب.ــ إلى أين إذًا؟أخفضت بصرها.وقالت بصوت خافت:ــ أريد أن أزور عمي.ساد الصمت داخل السيارة.ثم أومأ مالك برأسه.دون أن يسأل شيئًا.غيّر اتجاه السيارة...وانطلقت نحو المقبرة.طوال الطريق...لم تتبادل أروى ومالك سوى كلمات قليلة.كانت أروى تنظر من النافذة.تمر أمامها أماكن تعرفها.م

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 52

    ظل العناق يجمعهن لوقت طويل. لم تكن أي واحدة منهن ترغب في أن تكون أول من يبتعد. وكأنهن كن يحاولن سرقة دقائق إضافية من تلك الليلة. كانت هناء أول من مسحت دموعها. ثم نظرت إلى أروى وقالت وهي تحاول التخفيف عنها: ــ لكن اسمعيني جيدًا... إذا خرجتِ من هنا ونسيتِنا... فسأغضب منك. ضحكت أروى وسط دموعها. وقالت: ــ وهل سأجرؤ؟ قالت سلمى بابتسامة: ــ لا نريد منك شيئًا. فقط... عيشي الحياة التي حُرمنا منها. أطرقت أروى برأسها. ثم قالت بهدوء: ــ سأعيشها... من أجلكما أيضًا. --- تأخر الليل. وأطفئت الأنوار. استلقت هناء على سريرها. وقالت بصوت خافت: ــ حاولي أن تنامي... غدًا سيكون يومًا طويلًا. أجابتها أروى بابتسامة: ــ سأحاول. بعد دقائق... غرقت هناء وسلمى في النوم. أما أروى... فلم تستطع أن تغمض عينيها. جلست على سريرها. وأخذت تنظر إلى الزنزانة. الجدار الذي استندت إليه مئات المرات. النافذة الصغيرة... التي كانت ترى منها جزءًا ضئيلًا من السماء. الباب الحديدي... الذي كانت تكرهه في البداية. مرت يدها برفق على حافة السرير. ثم همست لنفسها: ــ هنا... بكيت. وهنا... ضحكت لأول

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 51

    نظر إليه الرجل باهتمام. فأكمل مالك: ــ مرت بظروف قاسية جدًا. وهي الآن... تحاول أن تبدأ حياتها من جديد. أطرق الرجل رأسه قليلًا. ثم قال: ــ لا تقلق. ستكون مثل ابنتي ما دامت هنا. إن احتاجت شيئًا ولم تكن موجودًا... فلتطرق بابي. شعر مالك براحة كبيرة. ابتسم لأول مرة منذ ساعات. وقال: ــ أشكرك... هذا يطمئنني كثيرًا. --- غادر الحي. لكن قبل أن يعود إلى مكتبه... غيّر اتجاه سيارته. كان هناك مكان آخر يجب أن يزوره. --- وصل إلى المستشفى. دخل الممر الطويل الذي أصبح يحفظ تفاصيله عن ظهر قلب. الممرضات أصبحن يعرفنه. حتى إن إحداهن ابتسمت بمجرد أن رأته. وقالت: ــ كالعادة... زيارة المساء. ابتسم لها باحترام. ثم اتجه نحو غرفة نوال. طرق الباب برفق. ودخل. --- كانت نوال مستلقية على سريرها. ملامحها أصبحت أكثر هدوءًا. لكن المرض ترك أثره واضحًا عليها. عندما رأته... ابتسمت ابتسامة خفيفة. وقال بصوت منخفض: ــ مساء الخير. ردت بصعوبة: ــ أهلًا يا مالك... اقترب منها. وسألها عن صحتها. ثم جلس بجوارها. دار بينهما حديث طويل... عن

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status