Masukما إن استدارت صبا نحو الباب حتى تحرك سليم خلفها. لم يسرع إليها، ولم يحاول أن يجبرها على التوقف. اكتفى بأن قال بصوت هادئ، لكنه حمل قدرًا واضحًا من القلق: "صبا..." لم تستدر. واصلت سيرها بخطوات متعثرة، وكأنها لا تشعر بالأرض تحت قدميها. كانت أنفاسها تتسارع بصورة غير طبيعية، بينما أخذت الأفكار تتلاحق داخل رأسها حتى أصبحت كتلة واحدة من الفوضى. توقفت يدها المرتجفة فوق مقبض الباب. أرادت أن تفتحه... لكن أصابعها لم تستطع حتى الإمساك به جيدًا. خُيّل إليها أن الجدران بدأت تدور من حولها. تلاشت الأصوات شيئًا فشيئًا. وشعرت ببرودة تسري في أطرافها. في اللحظة نفسها... لاحظ سليم أن كتفيها اهتزا بصورة غريبة. تغيرت ملامحه فورًا. تقدم نحوها بخطوات سريعة. "صبا..." لم تجبه. ترنح جسدها فجأة إلى الخلف. ولولا أن سليم كان قد وصل إليها في اللحظة نفسها، لارتطم جسدها بالأرض. أحاطها بذراعيه قبل أن تسقط، وهو يهتف باسمها لأول مرة بصوت فقد هدوءه المعتاد. "صبا!" لم يصله أي رد. كانت مغمضة العينين، وجسدها مسترخٍ تمامًا بين ذراعيه. نظر إلى وجهها الشاحب، فشعر بانقباض حاد ف
ما إن استدارت صبا نحو الباب حتى تحرك سليم خلفها. لم يسرع إليها، ولم يحاول أن يجبرها على التوقف. اكتفى بأن قال بصوت هادئ، لكنه حمل قدرًا واضحًا من القلق: "صبا..." لم تستدر. واصلت سيرها بخطوات متعثرة، وكأنها لا تشعر بالأرض تحت قدميها. كانت أنفاسها تتسارع بصورة غير طبيعية، بينما أخذت الأفكار تتلاحق داخل رأسها حتى أصبحت كتلة واحدة من الفوضى. توقفت يدها المرتجفة فوق مقبض الباب. أرادت أن تفتحه... لكن أصابعها لم تستطع حتى الإمساك به جيدًا. خُيّل إليها أن الجدران بدأت تدور من حولها. تلاشت الأصوات شيئًا فشيئًا. وشعرت ببرودة تسري في أطرافها. في اللحظة نفسها... لاحظ سليم أن كتفيها اهتزا بصورة غريبة. تغيرت ملامحه فورًا. تقدم نحوها بخطوات سريعة. "صبا..." لم تجبه. ترنح جسدها فجأة إلى الخلف. ولولا أن سليم كان قد وصل إليها في اللحظة نفسها، لارتطم جسدها بالأرض. أحاطها بذراعيه قبل أن تسقط، وهو يهتف باسمها لأول مرة بصوت فقد هدوءه المعتاد. "صبا!" لم يصله أي رد. كانت مغمضة العينين، وجسدها مسترخٍ تمامًا بين ذراعيه. نظر إلى وجهها الشاحب، فشعر بانقباض حاد في صدره. ربت على خدها برفق
ظل سليم ينظر إليها بصمت، بينما كانت عيناها نصف مغمضتين، وكلماتها المتعثرة تلامس شيئًا حاول دفنه طويلًا. طوال سنوات... اعتاد أن يفرض سيطرته على نفسه، وأن يضع بينه وبين مشاعره جدارًا لا يسمح لأحد بتجاوزه. حتى مع سلمى... كان يختار دائمًا أن يبقى بعيدًا، عن صبا مقتنعًا أن البرود هو الخيار الصحيح، وأن المسافة بينهما أكثر أمانًا من الاقتراب. لكن في تلك اللحظة... شعر أن ذلك الجدار بدأ يتصدع بصمت. قربها منه، وتمسكها به، والطريقة التي كانت تنظر بها إليه... أيقظت في داخله مشاعر ظل يرفض الاعتراف بها منذ زمن. لم يكن الأمر مجرد شفقة، ولا مسؤولية، ولا واجب فرضه الزواج. كان شيئًا أعمق... شيئًا أربكه لأنه لم يشعر به منذ سنوات طويلة. حاول أن يشيح بنظره عنها، وأن يستعيد هدوءه المعتاد، إلا أن قلبه كان يخونه للمرة الأولى. أخذ نفسًا عميقًا، وكأنه يقاوم نفسه قبل أن يقاومها. كان يدرك أنه إذا سمح لذلك الشعور بأن ينتصر... فلن يعود شيء بينهما كما كان. ومع ذلك... وللمرة الأولى منذ سنوات، وجد نفسه يتوقف عن الهرب من الحقيقة التي ظل ينكرها طويلًا. لم يعد قادرًا على إقناع نفسه بأنها مجرد امرأة فرضتها
عقد سليم حاجبيه وهو يراقبها بصمت. كان هناك شيء غريب في نظراتها... لم تكن النظرة المعتادة التي يعرفها. بدت وكأنها تنظر إليه... لكنها لا تراه بالكامل. قال بهدوء: "صبا... هل تسمعينني؟" أومأت برأسها ببطء. ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة. "أسمعك..." توقفت لحظة، قبل أن تضيف بصوت خافت: "لكنني أخشى أن أفتح عيني... فتختفي." ظل ينظر إليها دون أن يجيب. كانت كلماتها متماسكة في بعض اللحظات، ثم تعود مضطربة في اللحظة التالية. مد يده نحو كوب الماء الموضوع على الطاولة الجانبية، وناوله لها. "اشربي قليلًا." نظرت إلى الكوب، ثم أعادت بصرها إليه، وكأنها لم تسمع طلبه أصلًا. بدلًا من أن تأخذ الكوب... رفعت يدها ببطء، ولمست كمه بأطراف أصابعها. تجمدت حركة سليم للحظة. ثم أبعد يدها برفق، ووضعها فوق الغطاء. قال بنبرة هادئة، لكنها حازمة: "صبا... استلقي." "أنتِ مرهقة، وتحتاجين إلى النوم." هزت رأسها ببطء، وكأنها ترفض كلامه. ثم همست: "كلما نمت..." "أستيقظ ولا أجدك." ساد الصمت. كانت تنظر إليه بعينين امتلأتا بشيء يشبه الحزن. حزن لم يفهم سببه. حاول أن يفسر ما يراه.
ساد الصمت داخل المكتب. كانت صبا تجلس في مكانها، وعيناها معلقتين بسليم، تنتظران منه كلمة واحدة تكسر ذلك الصمت الثقيل. أما هو... فبقي ينظر إليها للحظات طويلة، وكأنه يرتب الذكريات قبل أن ينطق بها. أطلق زفيرًا بطيئًا، ثم أسند ظهره إلى المقعد. لم يحاول التهرب من نظراتها، ولم يبحث عن كلمات تزين الحقيقة. قال بهدوء، وصوته يحمل قدرًا من الجدية لم تعهده منه: "نعم..." توقف لحظة، ثم أكمل: "كنت في غرفتك تلك الليلة." لم تهتز ملامح صبا. فقد كانت تعرف هذه الإجابة منذ أن رأت تسجيلات الفندق. لكن سماعها منه... كان مختلفًا. أكثر واقعية. وأشد وقعًا على قلبها. خفض سليم بصره قليلًا، ثم قال: "سأخبرك بكل ما أتذكره." "ومن البداية." --- عاد بذاكرته إلى تلك الليلة... كانت حفلة الشركة قد انتهت قبل وقت قصير. بدأ المدعوون يغادرون تباعًا، بينما كان موظفو الفندق ينظمون القاعة استعدادًا لإغلاقها. كان سليم يقف بالقرب من المخرج، يتصفح بعض الرسائل على هاتفه، قبل أن يتجه إلى سيارته. عندها... سمع صوتًا يناديه. "سيد سليم." رفع رأسه. كانت فرح تقترب منه بخطوات سريعة، ت
عادت الطائرة إلى مدينة المنارة. طوال الرحلة، لم تتبادل صبا وندى سوى كلمات قليلة. كانت كل واحدة منهما تدرك أن الأخرى غارقة في أفكارها، لذلك تركتا للصمت أن يحتل المسافة بينهما. أما صبا... فلم تفارقها صورة شاشة المراقبة. كلما أغمضت عينيها، رأت باب غرفتها يُفتح... ورأت سليم يدخل. ثم يخرج مع إشراقة الصباح. لكن ما حدث بين اللحظتين... ظل فراغًا لا تستطيع ذاكرتها الوصول إليه. --- ما إن خرجتا من المطار وقفت صبا للحظة في الساحة الخارجية، ثم أخرجت هاتفها من حقيبتها. توقفت أصابعها فوق اسم سليم. ظلت تنظر إليه طويلًا. كان يكفي أن تضغط زر الاتصال... لكنها كانت تعلم أن هذه المكالمة ستقودها إلى الحقيقة التي هربت منها طويلًا. أغمضت عينيها، ثم ضغطت الزر. رن الهاتف مرة... ثم ثانية... قبل أن يأتيها صوته الهادئ. "صبا؟" ساد صمت قصير. استغرب اتصالها، خاصة بعدما علم من كرم أنها سافرت فجأة. لذلك سأل بهدوء: "هل وصلتِ بخير؟" لم تجبه. كانت تحاول أن تستجمع كلماتها، لكنها لم تجد سوى سؤال واحد. "أين أنت الآن؟" ساد الصمت في الجهة الأخرى. ثم قال باستغراب واضح: "في الشركة." وتابع بعد لح
وقف سليم أمام مكتب صبا للحظات بصمت.كانت عيناها ثابتتين عليه دون أي ارتباك.هو من بدأ الحديث هذه المرة.قال بصوت منخفض: "وجدت أوراق الطلاق."لم ترد صبا.تابع: "لماذا لم تعودي إلى المنزل؟"صمتت مجدداً.أضاف بنبرة أكثر حدة: "وأين كنتِ؟"استغربت صبا من أسئلته.لم تعتد منه هذا النوع من الاهتمام.نظرت إ
بعد تناول الغداء، عادت صبا إلى العمل مع كرم.كان الصمت بينهما مريحاً هذه المرة.جلست خلف مكتبها وبدأت تكمل ما تبقى من مهام اليوم.لم تسمح لأفكارها أن تشتتها.ركزت على الملفات أمامها بدقة.مرّ الوقت سريعاً دون أن تشعر.انتهى الدوام أخيراً.أغلقت حاسوبها بسرعة.حملت حقيبتها وخرجت مسرعة من الشركة.طوا
تأخرت صبا في العمل ذلك اليوم أكثر من المعتاد.كانت تجلس مع كرم في قاعة الاجتماعات يناقشان تفاصيل دقيقة في المشروع.قال كرم وهو ينظر إلى الساعة: "لقد تجاوزنا التاسعة مساءً."ابتسمت صبا بإرهاق: "لم أشعر بالوقت."أجابها: "هذا لأنكِ تندمجين تماماً في العمل."أغلقت حاسوبها أخيراً.ودّعته عند باب الشركة.
خرجت صبا من المستشفى برفقة كرم بعد الاطمئنان على إصابتها.كان المساء قد بدأ يرخي ستاره على المدينة.التفت إليها كرم بنبرة جادة قائلاً: "يجب أن تعودي إلى المنزل وترتاحي."رفعت صبا يدها المصابة قليلاً وقالت: "إنها مجرد التواء بسيط."عقد حاجبيه قائلاً: "الطبيب أوصى بالراحة."ابتسمت بخفة: "الطبيب قال ر







