로그인ابتعدت عنه فجأة، وسحبت نفسها إلى الخلف، واضعة يدها على شفتيها، بينما ظلت تنظر إليه بذهول، كأنها تحاول التأكد من أن ما حدث لم يكن مجرد خيال. أما سليم، فبقي مكانه، وقد لاحظ ارتباكها الواضح. — صبا... لم تجبه. نظر إلى وجهها، ثم إلى يدها التي استقرت فوق شفتيها، وأدرك أنها لم تكن مستعدة تمامًا لما حدث بينهما. اختفت ابتسامته، وحل محلها شيء من التردد، لكنه لم يندم على تقبيلها؛ كل ما أقلقه هو أن تكون قد شعرت بأنه تجاوز المسافة التي لم تسمح له بتجاوزها بعد. قال بصوت خافت: — صبا، انظري إليّ. رفعت عينيها إليه ببطء. كان في نظرته هذه المرة شيء مختلف؛ لم يكن يمزح، ولم يحاول أن يخفف الموقف بكلمة ساخرة كما اعتاد أن يفعل حين يشعر بارتباكها. قال بصدق: — أعلم أنكِ لم تعودي تثقين بي كما كنتِ من قبل، وأعلم أنني أنا من أوصلكِ إلى هذه المرحلة. لا أستطيع أن أطلب منكِ أن تنسي كل ما فعلته لمجرد أنني أخبركِ بأنني تغيّرت. ابتلعت صبا ريقها، وظلت صامتة. تابع سليم، وقد انخفض صوته أكثر: — لقد كنت أظن أنني أعرف ما أريد، وأن بإمكاني إبعادكِ عني كلما شعرتِ بأنكِ تقتربين أكثر مما أسمح به. لم أفك
فتح الباب ودخل، فوجدها جالسة فوق السرير، تستند إلى الوسائد، وبين يديها كتاب تقرؤه. كانت قد ارتدت ملابس مريحة، وانسدل شعرها حول كتفيها، بينما بدت ملامحها هادئة تحت ضوء المصباح المجاور لها. رفعت عينيها إليه، ثم أعادت وضع علامة بين صفحات الكتاب وأغلقته. — ماذا تريد؟ اقترب سليم من السرير، ولمعت في عينيه ابتسامة خفيفة وهو يقول: — اشتقت إليكِ، وأردت أن أراكِ. توقفت صبا عن الحركة. لم تكن تتوقع تلك الإجابة، ولا تلك البساطة التي قال بها كلمات أربكتها أكثر مما أرادت أن تظهر. شعرت بقلبها يخفق بقوة، فخفضت عينيها إلى الكتاب الموضوع في حجرها، متظاهرة بأنها تبحث عن شيء بين صفحاته. لم تقل شيئًا. لاحظ سليم ارتباكها، وكيف تجنبت النظر إليه فجأة، فارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة. لم يشأ أن يحرجها بالتعليق على خجلها، فاكتفى بالجلوس على طرف السرير، تاركًا بينهما مسافة مريحة. نظر إليها قليلًا، ثم سألها: — هل تناولتِ العشاء؟ رفعت عينيها إليه، وقد استعادت شيئًا من هدوئها. — نعم، وأنت؟ — تناولته أيضًا. انتظرت صبا، من دون أن تعرف حتى ما الذي تنتظره بالضبط. ربما كانت تتوقع أن يذكر
— لم أقل إن عليكِ العودة لمجرد طلبي. — لكنك ما زلت تتصرف وكأن عودتي هي الحل الذي سينهي المشكلة. بالنسبة إليّ، المشكلة ليست في الوظيفة وحدها، بل في أنني وجدت نفسي مضطرة إلى إثبات براءتي أمام مدير لم يمنحني حتى فرصة للكلام. سكتت قليلًا، ثم أضافت: — إذا كنت تريد مني أن أصدق أنك فهمت خطأك فعلًا، فعليك أن تثبت ذلك بتصرفاتك، لا بمجرد كلمات تقولها بعد فوات الأوان. لم يحاول آسر مجادلتها. كان يدرك أن إصراره على إقناعها في تلك اللحظة لن يغير موقفها، وأن ما حدث في الشركة ترك أثرًا أعمق مما توقع. ومع ذلك، لم يكن مستعدًا للتخلي عن فكرة عودتها بهذه السهولة. قال بهدوء: — أفهم موقفكِ، ولن أطلب منكِ اتخاذ قرار الآن. لكنني أريدكِ أن تعرفي أنني لن أعتبر الأمر منتهيًا عند هذا الحد. رفعت ندى حاجبيها، ونظرت إليه نظرة حازمة. — هذا قرارك، وليس من شأني. ثم أضافت، وهي تمسك بمقبض الباب: — والآن، مع السلامة، سيد آسر. وقبل أن يتمكن من الرد، أغلقت الباب في وجهه. بقي آسر واقفًا أمام الباب المغلق لثوانٍ، ثم أطلق زفرة خافتة، وألقى نظرة أخيرة عليه قبل أن يستدير. لم يشعر بالغضب من تصرفها، ول
فتحت ندى الباب، وما إن رفعت عينيها حتى وجدته واقفًا أمامها. آسر. انعقد حاجباها على الفور، وكأن وجوده أمام منزلها آخر ما كانت تتوقعه، أو ربما آخر ما كانت ترغب في رؤيته في ذلك اليوم. قالت ببرود: — ماذا تفعل هنا، سيد آسر؟ لم يجبها مباشرة. اكتفى بالنظر إليها، وقد استوقفه مظهرها على نحو لم يتوقعه. كانت المرة الأولى التي يراها فيها خارج الشركة، بعيدًا عن ملابس العمل الأنيقة ومكياجها الذي اعتاد رؤيتها به. ارتدت ملابس منزلية بسيطة، وتركت وجهها على طبيعته، من دون أي محاولة للتأنق أو لفت الانتباه. ومع ذلك، بدت جميلة في عينيه. لم تكن هناك التفاصيل التي اعتاد ملاحظتها في مظهرها داخل الشركة، ولا تلك المسافة الرسمية التي تفرضها ملابس العمل بينهما. كانت تقف أمامه ببساطة لم يألفها، الأمر الذي جعله يتأمل ملامحها لثوانٍ أطول مما ينبغي، حتى نسي للحظة السؤال الذي جاء من أجله. قطعت ندى صمته بنبرة أكثر حدة: — سألتك سؤالًا، سيد آسر. عاد إلى انتباهه، وأدرك أنه أطال النظر إليها، فصرف بصره قليلًا قبل أن يجيب: — جئت لأتحدث معكِ. لم يتغير تعبير وجهها. — أعتقد أنني أوضحت لك عبر الهاتف
راقبها كرم وهي تبتعد، ثم انعقد حاجباه قليلًا. كان قد لاحظ هدوءها غير المعتاد منذ بداية الاجتماع، والآن غادرت فجأة رغم أنها كانت تتحدث مع أحد ضيوف الشركة. التفت نحو سليم، فوجده ينظر في الاتجاه الذي اختفت فيه صبا، قبل أن تنتقل عيناه إلى كرم حين استدار الأخير ليتبعها. لم يقل سليم شيئًا، لكنه ظل يراقب كرم وهو يغادر القاعة خلف صبا، وقد ارتسمت على وجهه ملامح لم يستطع هو نفسه تفسيرها تمامًا. أما كرم، فلم يتوقف حتى وصل إلى مكتب صبا. طرق الباب طرقات خفيفة، ثم دخل بعدما سمع صوتها يأذن له. كانت صبا قد جلست خلف مكتبها، وفتحت أحد الملفات أمامها، لكنها لم تكن تقرأ ما فيه بقدر ما كانت تحاول إبعاد أفكارها عن ذهنها. رفعت رأسها عندما رأته. — كرم؟ هل هناك شيء؟ أغلق الباب خلفه، ثم اقترب منها متأملًا وجهها. — هذا ما كنت أريد أن أسألكِ عنه. هل هناك شيء؟ قطبت صبا حاجبيها باستغراب مصطنع. — ماذا تقصد؟ — أقصد أنكِ تبدين غريبة اليوم. كنتِ هادئة طوال الاجتماع، ثم غادرتِ فجأة. هل حدث شيء؟ أشاحت صبا بنظرها نحو الملف، وبدأت تقلب صفحاته بلا حاجة. — لا، لا شيء. أنا بخير، لم أنم جيدًا فحسب.
وقفت صبا إلى جوار سليم ورامي، تستمع إلى حديث أليسار حول بعض تفاصيل المشروع، وتشاركهم الحديث كلما اقتضى الأمر ذلك. كانت تحافظ على ابتسامتها المهنية، وتجيب عن الأسئلة المتعلقة بعمل فريقها بثقة، وكأن شيئًا لم يكن يشغل تفكيرها منذ بداية اليوم. لكن وجود أليسار إلى جوار سليم ظل يثير انزعاجًا لم تستطع التخلص منه تمامًا، خصوصًا كلما رأته يتعامل معها بتلك الأريحية التي لم تعتدها منه. كانت تحاول تجاهل الأمر، متمسكة بحديثها مع رامي، حين ظهر كرم في نهاية القاعة، برفقة رجل بدا أنه في منتصف الأربعينيات من عمره. اقترب منهما كرم، ثم التفت إلى صبا قائلًا: — صبا، أريد أن أعرّفكِ إلى أحد الأشخاص. أنهت صبا حديثها مع رامي، ثم التفتت إليه باهتمام. — بالطبع. أشار كرم إلى الرجل الذي يرافقه، وبدأ يقدمها إليه، فيما تحركت صبا مع رامي نحوهما، تاركة سليم وأليسار خلفها. وجد سليم نفسه واقفًا إلى جوار أليسار، التي تابعت ابتعاد صبا بنظرة عابرة قبل أن تعود إليه بابتسامة. — يبدو أنك مشغول للغاية هذه الأيام. أجابها سليم بهدوء: — كما ترين، العمل لا يمنحني الكثير من الوقت. — هذا ما كنت أتوقعه منك.
بعد تناول الغداء، عادت صبا إلى العمل مع كرم.كان الصمت بينهما مريحاً هذه المرة.جلست خلف مكتبها وبدأت تكمل ما تبقى من مهام اليوم.لم تسمح لأفكارها أن تشتتها.ركزت على الملفات أمامها بدقة.مرّ الوقت سريعاً دون أن تشعر.انتهى الدوام أخيراً.أغلقت حاسوبها بسرعة.حملت حقيبتها وخرجت مسرعة من الشركة.طوا
تأخرت صبا في العمل ذلك اليوم أكثر من المعتاد.كانت تجلس مع كرم في قاعة الاجتماعات يناقشان تفاصيل دقيقة في المشروع.قال كرم وهو ينظر إلى الساعة: "لقد تجاوزنا التاسعة مساءً."ابتسمت صبا بإرهاق: "لم أشعر بالوقت."أجابها: "هذا لأنكِ تندمجين تماماً في العمل."أغلقت حاسوبها أخيراً.ودّعته عند باب الشركة.
خرجت صبا من المستشفى برفقة كرم بعد الاطمئنان على إصابتها.كان المساء قد بدأ يرخي ستاره على المدينة.التفت إليها كرم بنبرة جادة قائلاً: "يجب أن تعودي إلى المنزل وترتاحي."رفعت صبا يدها المصابة قليلاً وقالت: "إنها مجرد التواء بسيط."عقد حاجبيه قائلاً: "الطبيب أوصى بالراحة."ابتسمت بخفة: "الطبيب قال ر
عادت صبا إلى المنزل في وقت متأخر من المساء. فتحت الباب بهدوء ودخلت إلى الداخل. لاحظت أن المنزل كان ساكناً تماماً. لم تجد أي أثر لوجود سليم. لم تشعر بالدهشة هذه المرة. اعتادت غيابه المستمر في الفترة الأخيرة. توجهت مباشرة إلى غرفة النوم. جلست على حافة السرير تفكر بهدوء. كانت تعلم أنها يجب أن







