ログインنظر سليم إلى يدها التي أفلتتها قبل لحظات، ثم رفع عينيه إليها، وسألها بصوت منخفض: — لماذا تتصرفين وكأن وجودي هنا مشكلة؟ نظرت صبا حولها بسرعة، ثم قالت وهي تحاول الحفاظ على هدوئها: — سليم، نحن أمام الشركة، وهناك الكثير من الناس. اقترب منها قليلًا وخفض صوته أكثر: — لم آتِ لتعطيلكِ، أردت رؤيتكِ فقط. وحين رفضتِ أن أتي، شعرت أن هناك شيئًا ما يحدث معكِ، وأردت الاطمئنان عليكِ. أشاحت صبا بنظرها للحظة، ثم قالت: — مجيئك الآن ليس في مصلحتي، أنت لا تدرك كيف يمكن للناس تفسير رؤيتنا معًا. عقد حاجبيه باستغراب: — أي تفسير؟ — سأخبرك في المنزل. — أخبريني الآن يا صبا. هزت رأسها رافضة، وقالت بنبرة متوترة: — ليس هنا، سليم. وقوفنا معًا هكذا لن يؤدي إلا إلى جعل الأمر أسوأ. التفتت صبا مجددًا، فلاحظت أن بعض الموظفين ينظرون نحوهما، بينما كان آخرون يتبادلون الأحاديث بصوت خافت. ازداد انزعاجها، وأعادت نظرها إليه قائلة: — أرجوك، اذهب الآن. سنتحدث عندما نعود إلى المنزل. لم يُجبها سليم فورًا، بل تابع نظراتها نحو الموظفين، ثم عاد ببصره إليها. بدأ يدرك أن وراء إصرارها على إبعاده أمرًا لا
ما إن انتهى الدوام حتى غادرت ندى الشركة، متجهة نحو موقف السيارات. وبينما كانت تبحث عن مفاتيح سيارتها داخل حقيبتها، وقعت عيناها على ياسمين الواقفة أمام سيارتها. توقفت للحظة، وتأملتها باستغراب، ثم قالت في نفسها: ماذا تفعل هذه هنا مجددًا؟ كانت تعرف أن ياسمين لن تستسلم بسهولة، لكنها لم تتوقع أن تعود بهذه السرعة، ولا أن تنتظرها أمام سيارتها. اقتربت منها بخطوات ثابتة، وما إن أصبحت على مقربة منها حتى بادرتها ياسمين بقولها: — مرحبًا أيتها المخادعة. رفعت ندى حاجبها باستغراب، ثم قالت ببرود: — أنتِ حقًا عنيدة. ابتسمت ياسمين بسخرية، وقالت: — وأنتِ كاذبة! لستِ أنتِ من ذهبتِ مع آسر إلى الموعد المدبّر؟ توقفت ندى للحظة، فتابعت ياسمين بنبرة واثقة: — لقد تأكدت من الأمر بنفسي، إنها الفتاة اخرى حاولت ندى أن تجد ما تقوله، لكن ياسمين لم تمنحها فرصة للرد، وأضافت بنبرة ساخرة: — لا تحاولي الإنكار، فوالدة آسر هي من أكدت لي الأمر. نظرت إليها ندى للحظة، ثم أجابت بهدوء: — هذا لا يهم، المهم أنه معي الآن. ابتسمت ياسمين بسخرية، وقالت: — كم دفع لكِ؟ أخبريني، وسأعطيكِ ضعف المبلغ. ا
استيقظت صبا في الصباح، ومدّت يدها إلى الجانب الآخر من السرير، لكنها لم تجد سليم. اعتدلت في جلستها، ثم التقطت هاتفها لتجد رسالة منه: «صباح الخير، حبيبتي. غادرت مبكرًا، لديّ الكثير من العمل اليوم، وقد لا أتمكن من العودة إلى المنزل هذه الليلة. لا تنسي تناول فطوركِ، أحبكِ.» قرأت الرسالة مرتين، ثم ظهرت ابتسامة خفيفة على وجهها رغمًا عنها. وضعت الهاتف جانبًا ونهضت للاستعداد ليومها. ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ وصلت صبا إلى الشركة كعادتها، وألقت التحية على موظفة الاستقبال قبل أن تتجه نحو الممر المؤدي إلى مكاتب العمل. لكنها لاحظت منذ دخولها بعض النظرات المتبادلة بين الموظفين، كما خُيّل إليها أن حديثًا كان يدور بينهم قد توقف بمجرد مرورها. لم تُعر الأمر اهتمامًا في البداية، وأكملت طريقها، إلا أنها سمعت إحدى الموظفات تهمس لأخرى بعد أن تجاوزتهما: — لقد مرّت للتو. التفتت صبا قليلًا، لكنها لم تستطع معرفة ما كانتا تتحدثان عنه. تابعت سيرها، محاولة إقناع نفسها بأنها ربما تتوهم الأمر. — صبا! التفتت نحو الصوت، فوجدت زين يقترب منها مبتسمًا. — صباح الخير. — صباح النور. كيف حالكِ اليوم؟ —
بعد انتهاء العشاء، انتقلا إلى غرفة الجلوس، حيث أعدّ سليم الشاي وجلس إلى جوار صبا. تناولت فنجانها، وارتشفت منه قليلًا قبل أن تسأله: — كيف سار اجتماعك مع أليسار؟ — على نحو جيد، الحمد لله. اتفقنا على معظم التفاصيل، ومن المفترض أن توقّع العقد خلال الأيام القادمة. أومأت صبا، ثم سألت بنبرة بدت عادية قدر الإمكان: — وبعد توقيع العقد، هل ستبقى في شركتك؟ وضع سليم فنجانه على الطاولة، وقد لاحظ الطريقة التي صاغت بها سؤالها، رغم محاولتها إخفاء ما يشغلها. اقترب منها قليلًا وقال: — لا، بالطبع لن تبقى. ستكون موجودة فقط في الاجتماعات المهمة، وحتى هذا ليس ضروريًا دائمًا؛ فهي تنوب عن والدها، ويمكن للسيد عدنان أن يحضر بنفسه إذا استدعى الأمر ذلك. صمت لحظة، ثم أضاف وهو ينظر إليها: — وأنا أيضًا سأجد الوقت المناسب لأخبرها بزواجنا. حركت صبا فنجانها بين يديها، ولم تجبه مباشرة. كانت تعرف أن سليم يجيد إدارة أعماله، وأن هذا الاستثمار مهم لشركته، ولم يكن من الصعب عليها فهم رغبته في إنهاء الاتفاق أولًا. لكن فكرة تأجيل إخباره أليسار بزواجهما حتى توقيع العقد جعلتها تشعر بشيء من الألم، وكأن إعلان وجودها في
لم يكن الغداء مع آسر طويلًا، لكن الوقت مرّ على نحو مختلف عما اعتادته ندى في لقاءاتهما السابقة. فقد بدأ الحديث بينهما بأمور العمل، قبل أن يتشعب إلى مواضيع أخرى، لتكتشف أن الرجل الذي اعتادت رؤيته جادًا في مكتبه يملك جانبًا أكثر هدوءًا وعفوية مما توقعت. وحين انتهيا من الطعام، وضعت ندى حقيبتها على كتفها واستعدت للمغادرة. قال آسر وهو ينهض معها: — هل اوصلك؟ — لا، شكرًا. سيارتي في الخارج. أومأ متفهمًا، ثم قال: — سعدت بهذا الغداء يا ندى. ابتسمت ابتسامة خفيفة: — وأنا أيضًا. كان من الجيد أن نتحدث بعيدًا عن أجواء العمل. — ربما نكرر الأمر. نظرت إليه بنصف ابتسامة: — ربما ودّعته ثم غادرت، بينما بقي يتابعها للحظات قبل أن يعود إلى مقعده، وقد أدرك أنه استمتع بصحبتها أكثر مما كان يتوقع. --- كانت صبا جالسة خلف مكتبها، والابتسامة لا تزال تعلو وجهها وهي تستعيد في ذهنها بعض تصرفات سليم قبل مغادرته. هزّت رأسها بخفة، محاولة العودة إلى عملها، حين سمعت طرقًا على الباب. — تفضل. فُتح الباب، وظهر زين عند المدخل، قبل أن يدخل بابتسامة ودودة قائلًا: — أخيرًا استطعت زيارتكِ. رفعت صبا عينيها إليه، و
«قبل سنوات، كنت أقود سيارتي عائدًا من منزلي. لم تكن سرعتي مرتفعة، وكان الطريق أمامي خاليًا تقريبًا. أثناء القيادة سقط هاتفي من يدي، فانحنيت لألتقطه. كنت قد ألقيت نظرة سريعة على الطريق قبل أن أنزل رأسي، ولم أرَ أحدًا.» توقف للحظة، وكأن المشهد لا يزال حاضرًا في ذاكرته. «لكنني ما إن انحنيت حتى سمعت صوت ارتطام قوي. رفعت رأسي بسرعة، وأوقفت السيارة على الفور.» أنصتت ندى إليه باهتمام، بينما تابع: «نزلت من السيارة، وحين رأيتها... كانت ياسمين. لم أكن أعرف كيف وصلت إلى ذلك المكان، ولا كيف حدث كل شيء بهذه السرعة. كل ما أتذكره أنني وجدتها مصابة على الطريق، ولم أفكر حينها في شيء سوى نقلها إلى المستشفى.» تغيرت ملامح ندى قليلًا، فتابع آسر: «كانت إصاباتها الجسدية محدودة نسبيًا. تعرضت لبعض الجروح والتواء في قدمها، ولم تكن حالتها خطيرة كما تخيلت في اللحظات الأولى. لكن الصدمة التي تعرضت لها كانت أشد مما توقعت.» أخذ نفسًا هادئًا قبل أن يكمل: «بعد الحادث، لم تعد قادرة على رؤية سيارة في الشارع دون أن تشعر بالخوف. كانت ترتبك كلما سمعت صوت فرامل أو رأت سيارة تقترب، وأحيانًا كانت ترفض الخروج من المنز
وقف سليم أمام مكتب صبا للحظات بصمت.كانت عيناها ثابتتين عليه دون أي ارتباك.هو من بدأ الحديث هذه المرة.قال بصوت منخفض: "وجدت أوراق الطلاق."لم ترد صبا.تابع: "لماذا لم تعودي إلى المنزل؟"صمتت مجدداً.أضاف بنبرة أكثر حدة: "وأين كنتِ؟"استغربت صبا من أسئلته.لم تعتد منه هذا النوع من الاهتمام.نظرت إ
بعد تناول الغداء، عادت صبا إلى العمل مع كرم.كان الصمت بينهما مريحاً هذه المرة.جلست خلف مكتبها وبدأت تكمل ما تبقى من مهام اليوم.لم تسمح لأفكارها أن تشتتها.ركزت على الملفات أمامها بدقة.مرّ الوقت سريعاً دون أن تشعر.انتهى الدوام أخيراً.أغلقت حاسوبها بسرعة.حملت حقيبتها وخرجت مسرعة من الشركة.طوا
تأخرت صبا في العمل ذلك اليوم أكثر من المعتاد.كانت تجلس مع كرم في قاعة الاجتماعات يناقشان تفاصيل دقيقة في المشروع.قال كرم وهو ينظر إلى الساعة: "لقد تجاوزنا التاسعة مساءً."ابتسمت صبا بإرهاق: "لم أشعر بالوقت."أجابها: "هذا لأنكِ تندمجين تماماً في العمل."أغلقت حاسوبها أخيراً.ودّعته عند باب الشركة.
الفصل الأوللم أكن أتخيل أن يوم زفافي سيكون بداية قصة لم أفهم فصولها بعد.اسمي صبا، أبلغ من العمر سبعة وعشرين عاماً، فتاة عادية الملامح لكنني أؤمن أن لكل إنسان شيئاً يميّزه.أعمل خبيرة في مجال الطاقة المتجددة، وكان عملي دائماً ملجأي الذي أجد فيه نفسي الحقيقية.عندما رأيت سليم لأول مرة شعرت أن قلبي







