Accueil / التشويق / الإثارة / أحببتُ جنِيٓة / الفصل الثالث "الدم الذي لا ينام"

Partager

الفصل الثالث "الدم الذي لا ينام"

last update Date de publication: 2026-03-05 03:29:24

لم يكن اللون الأحمر طبيعيًا.

الخيط حول معصمي لم يعد يلمع بهدوء كما في الفجر، بل صار نابضًا، يتوهج كل بضع ثوانٍ وكأنه قلبٌ صغير مزروع تحت جلدي. حاولتُ تغطيته بكمّ قميصي، لكن الحرارة كانت تنتشر في ذراعي ببطءٍ مخيف.

“نسرين.” همستُ في الفراغ.

لا جواب.

عدتُ إلى المنزل وأنا أشعر بأن كل شيء حولي أصبح أبعد مما كان عليه. أصوات الناس في الشارع بدت مكتومة، كأنني أسمعها من تحت الماء. حتى أمي حين سألتني لماذا ملابسي متّسخة، بدا صوتها مشوّشًا، وكأن المسافة بيننا أكبر من بضعة أمتار.

حين دخلتُ غرفتي وأغلقت الباب، عاد الألم.

سقطتُ على ركبتيّ فجأة، واشتعلت الحرارة في صدري. لم يكن ألمًا جسديًا خالصًا، بل إحساسًا بأن شيئًا يُعاد ترتيبه في داخلي. عروقي برزت بوضوح، وامتدّ ذلك اللمعان الأحمر فيها، مثل شقوق ضوءٍ تحت الجلد.

وفجأة… رأيتُ.

لم تكن رؤيا كاملة، بل ومضات سريعة:

رجلٌ يقف في صحراء ليلًا، يرفع خنجرًا نحو السماء.

امرأةٌ بعينين فضيتين تبكي.

دمٌ يسقط على الرمل… ويتحوّل إلى نار.

ثم اسم.

“سليم بن عارف.”

شهقتُ وفتحتُ عينيّ بقوة.

ذلك اسم جدّ جدّي. اسمٌ سمعته في قصص العائلة القديمة، الرجل الذي قيل إنه اختفى في ظروفٍ غامضة، ولم يُعثر له على قبر.

لماذا رأيته الآن؟

وقبل أن أستوعب الأمر، عاد صوتها… ضعيفًا، مكسورًا:

“لقد لمسوا دمك.”

“نسرين! ماذا يحدث لي؟”

“الرباط بيننا لم يكن مجرد حماية.” قالت بصعوبة. “إنه إحياء.”

“إحياء ماذا؟”

سكتت لحظة، ثم همست:

“عهد قديم.”

ارتفع الخيط الأحمر فجأة عن معصمي، وامتدّ في الهواء كأنه يتنفس، ثم عاد وانغرس في جلدي للحظة قصيرة جعلتني أصرخ. رأيت نفس الصحراء مجددًا، لكن هذه المرة بوضوح أكبر.

الرجل الذي يحمل الخنجر كان يشبهني.

ليس تمامًا… لكن الملامح، العينان، انحناءة الكتفين.

أمامه كانت تقف جنيّة بعينين فضيتين. لم تكن نسرين… لكنها تشبهها بطريقة موجعة.

“أحببتكِ.” قال الرجل، وصوته امتزج بصوتي.

“وخنتَ قبيلتك.” ردّت الجنيّة.

الخنجر انغرس في الأرض، لا في صدرها.

والدم الذي سقط لم يكن دمها… بل دمه هو.

ثم انطفأت الرؤيا.

عدتُ إلى غرفتي، ألهث، والعرق يبلل جبيني.

“سليم…” تمتمتُ. “ماذا فعلتَ؟”

صوت نسرين كان أقرب الآن، لكنه محاط بضجيجٍ كأن هناك من يحاول إسكاته.

“جدّك لم يخن أحدًا.” قالت بسرعة. “هو الذي أنقذنا.”

“أنقذكم من ماذا؟”

“من حربٍ كانت ستفني نصف عالمنا… ونصف عالمكم.”

شعرتُ بأن الأرض تميد بي.

“وما علاقتي أنا بكل هذا؟”

“دمه لم يمت.” همست. “ووجودي أيقظه.”

صمتٌ ثقيل سقط بيننا.

ثم سمعتُ صوتًا آخر، نفس الصوت الخشن من قبل، لكنه أوضح هذه المرة، وكأنه يقف خلفها مباشرة:

“الرابط يكتمل أسرع مما توقعنا.”

تجمّدتُ.

“اتركي الاتصال به.”

“لن أفعل.” ردّت نسرين بضعفٍ متحدٍ.

ضحكة باردة ترددت في رأسي.

“إذن سنجعله يرى الحقيقة كاملة.”

وفجأة، لم أعد في غرفتي.

وجدتُ نفسي واقفًا في نفس الصحراء، لكن السماء هذه المرة كانت حمراء بالكامل. أمامي بوابة ضخمة من حجرٍ أسود، محفور عليها نفس الرموز التي ظهرت على جدار البيت المهجور.

والخيط الأحمر حول معصمي كان ممتدًا نحو البوابة، يشدّني إليها.

“لا تقترب!” صرخت نسرين، وصوتها جاء من خلف البوابة، كأنه محبوس في الداخل.

“هذا هو مكان العهد.” قال الصوت الآخر بهدوء مرعب. “هنا بدأ كل شيء… وهنا سينتهي.”

وضعتُ يدي على الحجر.

كان دافئًا.

وشعرتُ بشيءٍ في داخلي يجيب النداء، ليس خوفًا… بل اعترافًا.

الرموز بدأت تضيء واحدةً تلو الأخرى.

وفي اللحظة التي انفتح فيها شقّ صغير في البوابة، أدركتُ حقيقةً لم أكن مستعدًا لها:

لم أكن مجرد إنسانٍ أحبّ جنيّة.

كنت جزءًا من قصةٍ كُتبت قبل ولادتي بقرون.

وصوت نسرين، المليء بالرعب، كان آخر ما سمعته قبل أن تبتلعني البوابة:

“إن دخلت… فلن يعود دمك بشريًا بالكامل."

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application

Dernier chapitre

  • أحببتُ جنِيٓة   الفصل التاسع والنهاية "القرار الأخير "

    الهواء كان يشتعل حولنا، كل خطوة تخطوها أقدامنا على الأرض البلورية كانت تصنع موجات من الضوء والظلال معًا. الغابة المظلمة، التي كانت في البداية غريبة وساحرة، تحوّلت الآن إلى ساحة معركة كاملة، حيث كل حجر وكل شجرة تحمل صدى صراخ القدر.نسرين أمسكت بيدي بقوة، وعيناها تتوهجان بالفضي. “سليم… كل شيء يعتمد على الرابط بيننا الآن. إذا انهار، لن نحمي بعضنا ولا دمنا المختلط.”شعرت بالقوة تتصاعد في عروقي، الدم المختلط يدق في كل خلية من جسدي، لكنه لم يعد مجرد قوة جسدية… بل شعور بالمسؤولية، بالحب، بالقرار الذي سيتحدد اليوم مصير عالمين.فجأة، ظهر الظلّ الأكبر من خلف الأعمدة، أكبر وأكثر رعبًا، عيناه الحمراوان تلمعان بغضب شديد. من حوله، تكدست الظلال الأصغر، تندفع نحونا بمزيج من الخوف والغضب، لكن هذه المرة كان واضحًا أنهم ليسوا مجرد أعداء… كانوا حراسًا لاختبارنا النهائي.“الوريث… نسرين…” صاح الظلّ، صوته ارتجف بالأرض تحت أقدامه. “لقد اخترتما الطريق الصعب. لكن هل أنتما مستعدان لثمن القوة؟”نظرت إلى نسرين، شعرت برعشة خفيفة في جسدها، لكنها لم تبتعد. “معًا.” همسنا في الوقت نفسه، ثم شددنا قبضتنا على الخيط الفضي

  • أحببتُ جنِيٓة   الفصل الثامن " أوّل مواجهة "

    الهواء في الغابة البلورية كان مشحونًا بالطاقة، ثقيلًا وكثيفًا، وكأن كل نفسٍ نسحبه يحمل معه صدى قرون من الحرب والدم. لم تكن الأرض صلبة بالكامل، بل تتحرك تحت أقدامنا، كأنها تنبض بكل خطوة، تختبرنا، وتُعرّفنا على مكاننا الحقيقي بين العالمين.نسرين أمسكت بيدي بقوة. “احذر، هذه ليست مجرد مواجهة عادية. كل حركة تخطئ فيها، كل شعور يخرج منك… سيضعفك أو يقوينا.”“أنا مستعد.” قلت، لكن الصدق كان مختلفًا… لم أكن مستعدًا نفسيًا بالكامل. شعرت بطاقة تتصاعد في عروقي، مثل نهرٍ من نار وفضة. كان الدم المختلط يتحرك داخلي، يقترح القوة والسيطرة، لكنه أيضًا يحمل ثقل المسؤولية التي لم أفهمها بعد.فجأة، ارتفعت موجة من الظلال من بين الأعمدة الحجرية البعيدة. أعدادها كانت لا تُحصى. كل ظل يتحرك كما لو يعرف جسمي وعقلي قبل أن أتحرك أنا. شعرت بخوف لم أشعر به من قبل، لكن نظرة نسرين لي كانت كافية لتذكيري لماذا اخترتها.اقتربت مني، همست: “تذكر، لا تستخدم القوة بالكامل قبل أن تفهم. دع قلبك يرشدك.”أومأت برأسي، لكن عينيّ لم تفارق الظلال. ثم بدأوا بالهجوم دفعة واحدة. لم تكن حركاتهم عشوائية، بل كانت موجات منظمة، كأنهم يعرفون ن

  • أحببتُ جنِيٓة   الفصل السابع "الحافة بين العالَمَين"

    الضوء الفضي الذي ينبعث من الخيط بين يديّ ويد نسرين أصبح أقوى، لكنه لم يكن كافيًا.الكائنات الشفافة التي ظهرت بين الأشجار تحركت ببطء، لكنها لم تكن هادئة. كل خطوة كانت تصدر صوتًا يشبه النقر على حجرٍ صلب، وهمساتهم تتداخل مع الهواء كتعويذات قديمة. لم أستطع فهم كلماتهم، لكنها كانت مهددة، متعالية، وكأنها تهمس مباشرة في عظامي.نسرين أمسكت يدي بقوة، وكأنها شعرت بهزّي النفسي. “ابقَ معي. لا تدع الخوف يتحكم بك.”أومأتُ برأسي، وأحسست أن الخيط الأحمر الذي أصبح فضيًا يدفئ معصمي وكأنه ينبض بإيقاع قلبي. كنت أعلم أنه ليس مجرد رابط بيننا… بل رابط قوة، رابط حياة، رابط مصير.“لقد عاد الوريث.” قال أحدهم بصوتٍ عميق من بين الأشجار. كانت الكلمة ثقيلة كما لو أنها تحمل قرونًا من الألم والانتظار. كل العيون التوهّجة في الغابة انصبّت علينا.“لم أعد الوريث الذي عرفوه.” قلت بصوتٍ ثابت، رغم أن قلبي ينبض بعنف. “أنا هنا لأصحح ما حدث، لأعيد التوازن.”نسرين نظرت إليّ بعينين مضيئتين. لم تقل شيئًا، لكنها اقتربت أكثر، لتكون يداها فوق صدري، على المكان الذي شعرت فيه بالقوة لأول مرة. دفعتني هذه الحركة إلى إدراك شيء واحد: ليس

  • أحببتُ جنِيٓة   الفصل السادس "شرارة الحرب"

    حين نطقتُها — اخترتُها — لم يكن ذلك اعترافًا فقط.كان إعلانًا.النور الأبيض الذي انفجر من البوابة لم يكن عشوائيًا؛ كان أشبه بنداءٍ قديم استجاب أخيرًا. اندفعت موجة الطاقة حولنا، وارتجّ العالم بين العالمين كما لو أن قلبه دُقَّ بعنف.الظلّ الهائل تراجع، لكن لم يختفِ.“إذًا بدأ الأمر.” قال بصوتٍ لم يعد غاضبًا… بل مهتمًا.الأرض تحتنا تشقّقت أكثر، والسماء الحمراء بدأت تميل إلى لونٍ رمادي مضطرب. شعرتُ بيد نسرين لا تزال متشابكة بيدي، لكن هذه المرة لم تكن مرتجفة.كانت ثابتة.نظرتُ إلى معصمي. الخيط الذي كان أحمر صار فضيًّا بالكامل، لكنه لم يختفِ. بل امتدّ الآن منها إليّ، رابطًا بين قلبين بدل أن يشدّني إلى البوابة.“ماذا فعلنا؟” همستُ.“أعدنا كتابة جزءٍ من العهد.” أجابت، وعيناها تعكسان الضوء الجديد. “العهد لم يكن انقسامًا بين قوةٍ وضعف… بل بين اختيارين.”“وما ثمنه؟”قبل أن تجيب، انشقّ الهواء خلف الظلّ، وظهرت ظلالٌ أخرى — أصغر، لكنها كثيرة. ملامحها أقل وضوحًا، وأصواتها تتداخل كهمساتٍ سامة.“الخائنـة.”“الوريث.”“اكسروا الرابط.”شدّت نسرين يدي بقوة. “علينا المغادرة. الآن.”“إلى أين؟”“إلى مكانٍ لا

  • أحببتُ جنِيٓة   الفصل الخامس "حين ينقسم القلب"

    “ستخسرها.”تردّد صدى الكلمات في الفضاء الممزّق فوقنا، كأن السماء نفسها تحفظها.نظرتُ إلى نسرين.لم تقل شيئًا هذه المرة. لم تعترض. لم تحاول إنكاري أو إنكار الحقيقة. كانت فقط تنظر إليّ… وكأنها تستعدّ لفقداني.“لماذا؟” سألتُ الظلّ، وصوتي كان أكثر ثباتًا مما أشعر به. “لماذا يعني اختياري لكم أن أخسرها؟”ضحكة منخفضة اهتزّت بها الأعمدة الحجرية.“لأنها من نسل القبيلة التي أغلقت البوابة. وإن انضممت إلينا… ستصبح عدوّتك.”شعرتُ بيد نسرين ترتجف بين يدي.“لا تستمع إليه.” همست. “هو يريك نصف الحقيقة فقط.”“وما النصف الآخر؟” سألتها، وأنا لا أزيح نظري عن عينيها.“أن قوتك لا تحتاجهم.” قالت بسرعة، وكأن الوقت يذوب. “العهد لم يُكتب ليخدم قبيلة واحدة. كُتب ليحفظ التوازن.”“التوازن وهم.” قاطع الظلّ ببرود. “القوة هي الحقيقة الوحيدة.”اشتعل الضوء الأحمر في عروقي فجأة، أقوى من أي وقتٍ مضى. شعرتُ بطاقةٍ تصعد من صدري إلى أطراف أصابعي. الأرض حولي بدأت تتشقق، والهواء صار أثقل، ممتلئًا بشراراتٍ حمراء صغيرة تدور حولي كنجومٍ ساقطة.تراجعت نسرين خطوة.ليس خوفًا مني…بل خوفًا عليّ.“إن استسلمت له الآن، لن تستطيع التراج

  • أحببتُ جنِيٓة   الفصل الرابع "بوابة العهد"

    لم أشعر بالسقوط.حين ابتلعتني البوابة، لم يكن هناك فراغ ولا ظلام… بل صمت. صمت كثيف يضغط على أذنيّ حتى كدت أصرخ. ثم بدأ الضوء يتشكّل حولي، خافتًا في البداية، كضبابٍ فضيّ ينساب فوق أرضٍ لا أرى نهايتها.كنت واقفًا.لكن الأرض لم تكن أرضًا كما أعرفها. كانت أشبه بمرآةٍ سوداء تعكس سماءً غريبة، تتبدّل ألوانها بين الأرجواني والقرمزي. في البعيد، ارتفعت أعمدة حجرية ضخمة، مكسوّة برموزٍ تتحرّك ببطء، كأنها حيّة.رفعتُ يدي.الخيط الأحمر لم يعد مجرد خيط. صار شريانًا من نورٍ داكن يمتدّ من معصمي إلى الأفق، نابضًا، يقودني إلى مكانٍ واحد.“نسرين!” صرخت.تردّد اسمي في الفراغ بدلًا منها.ثم ظهرت.لم تمشِ نحوي. لم تتكوّن من ظلّ كما في المرة الأولى. بل انشقّ الهواء، وخرجت منه كأنها تعبر طبقة ماء غير مرئي. كانت أضعف مما رأيتها من قبل، شحوبٌ خفيف يحيط بوجهها، لكن عينيها… عيناها كانتا أكثر توهجًا.“لماذا دخلت؟” همست، وفي صوتها غضبٌ ممزوج بخوف.“لم تتركوا لي خيارًا.”اقتربت خطوة، فتراجعت الرموز على الأرض تحت قدميها. “هذا المكان ليس للبشر.”“لم أعد متأكدًا أنني بشر بالكامل.”سكتت.نظرتُ إلى يدي مجددًا. تحت جلدي،

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status