LOGINلم تكن صداقة إليانا وماريان من النوع الذي يبدأ بكلمة واحدة ثم ينتهي بانتهاء يوم دراسي؛ بل كان بينهما شيء أقدم من ذلك، شيء تشكّل ببطء من عشرات الأيام العادية التي أصبحت مع مرور السنوات أكثر الذكريات رسوخًا في قلبيهما.
بدأت صداقتهما قبل سنوات حين كانت المعلمة قد طلبت من الطلاب أن يتقاسموا المقاعد، فوجدت إليانا نفسها جالسة إلى جوار ماريان. كانت ماريان فتاة هادئة تظهر عاطفتها بسهولة في عينيها، بينما كانت إليانا تميل إلى مراقبة ما حولها قبل أن تتحدث. وفي نهاية الحصة سقط قلم ماريان تحت الطاولة، فانحنت إليانا والتقطته وقدمته إليها قائلة: "أظن أن هذا لكِ"، فابتسمت ماريان وأجابتها: "شكرًا". مجرد قلم وجملة قصيرة، لكن الأيام جعلت تلك الكلمة بداية لشيء لم تعرف أي منهما أنه سيصبح بهذه القوة.» في صباح ذلك اليوم، خرجت إليانا من منزلها وحقيبتها معلقة على كتفها. كانت الشمس قد بدأت ترتفع فوق البيوت الصغيرة المحيطة بالطريق، وأشعتها الأولى تنعكس على النوافذ وعلى الأسطح التي ما زالت تحتفظ ببرودة الليل. كانت ترتدي زي المدرسة بعناية، وشعرها البني مرتبًا خلف كتفيها، بينما كانت تحمل بيدها الأخرى كتابًا قرأت منه عدة صفحات قبل أن تغادر، وعندما وصلت إلى نهاية الطريق، وجدَت ماريان تنتظرها. كانت تحمل حقيبتها الرياضية فوق كتفها، ومن طريقة تنفسها بدا أنها وصلت قبل لحظات فقط، رفعت إليانا حاجبها:" تأخرتِ اليوم.".تنفست ماريان بعمق. "لا تذكّريني." ماذا حدث؟'. "استيقظت متأخرة.". نظرت إليها إليانا لثوانٍ. " أنتِ؟" وضعت ماريان يدها على صدرها.— نعم، أنا. قالت إليانا: " الفتاة التي تستيقظ قبل الجميع عندما يكون لديها تدريب؟" تظاهرت ماريان بالصدمة." لا أصدق أنكِ ستستخدمين هذا الأمر ضدي." ضحكت إليانا." أنا فقط أذكّرك بحقيقتك.". "سأعتبرها خيانة." — اعتبريها نصيحة. تابعتا السير معًا في الطريق الذي يمر بين مجموعة من المنازل الصغيرة قبل أن ينفتح على شارع أوسع، وكان الطريق بالنسبة لماريان المساحة الوحيدة تقريبًا التي تستطيع فيها الحديث مع إليانا بحرية دون مقاطعة. قالت ماريان فجأة: "لدي شيء أريد أن أخبركِ به، المدرسة أعلنت عن مسابقة جديدة للركض وأريد أن أفوز هذه المرة". ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه إليانا وسألتها عن السبب، فسارت ماريان خطوات قليلة ثم أجابت: "أريد أن أعرف إلى أي مدى يمكنني الوصول". كانت الجملة بسيطة لكن إليانا فهمت معناها؛ فالركض لم يكن لماريان مجرد هواية، بل كان وسيلة ليصبح رأسها أخف وتتراجع أفكارها التي تثقلها، طوال اليوم تتراجع واحدة تلو الأخرى، حتى لا يبقى أمامها سوى الطريق وأنفاسها وخطواتها، قالت إليانا:" إذن تدربي أكثر.ضحكت ماريان."هذا كل ما لديكِ؟ " ماذا تريدين؟." خطابًا تحفيزيًا طويلًا." لا أملك وقتًا لذلك.' بخيلة.ضحكت إليانا." سأقول لكِ شيئًا واحدًا فقط." ماذا؟" نظرت إليها مباشرة.— إذا أردتِ الوصول إلى مكان بعيد، فلا تنظري إلى المسافة كلها. انظري إلى الخطوة التالية. سكتت ماريان، بقيت الكلمات في ذهنها للحظات، ثم ظهرت ابتسامة هادئة على وجهها." أحيانًا أكره أنكِ ذكية." وأحيانًا؟". نظرت ماريان أمامها." أحيانًا أحتاجكِ. لم تجب إليانا فورًا، اكتفت بابتسامة صغيرة، كانت تعرف أن ماريان لا تقول مثل هذه الكلمات بسهولة، ولهذا كانت تحفظها، كما تحفظ أشياء كثيرة تخص صديقتها. في المدرسة، جلستا معًا في الحصة الأولى كانت إليانا تكتب ملاحظاتها بسرعة، بينما كانت ماريان تحاول التركيز مع المعلمة. لكن بعد دقائق، بدأت يدها تتحرك على طرف الصفحة، وترسم خطًا طويلًا يشبه مضمار الركض، لمحت إليانا الرسم." هل تستمعين؟" رفعت ماريان رأسها بسرعة." نعم."ماذا قالت المعلمة؟. ترددت ماريان." قالت. نظرت إلى إليانا." قالت شيئًا مهمًا.ظهرت ابتسامة على وجه إليانا. — هذا ما ظننته. أغلقت ماريان دفترها قليلًا وهمست:" لا تقلقي، سأدرس بعد المدرسة. " تقولين ذلك كل مرة." وهذه المرة سأفعل."وسأصدقك عندما أرى الكتاب مفتوحًا.رفعت ماريان حاجبها."أنتِ مزعجة." أعرف." ومع ذلك، ابتسمت كلتاهما، في وقت الاستراحة، جلستا في مكانهما المعتاد قرب النافذة، كانت الشمس قد ارتفعت أكثر، وأصوات الطالبات في الساحة تصل إليهما متقطعة من خلف الزجاج. وبعد دقائق، ظهرت كلوي وهي تحمل طعامها بيد، ومجلتها القديمة باليد الأخرى، وضعت المجلة أمامهما بحماس.— انظرا! نظرت ماريان إلى الغلاف، ثم إلى كلوي." مرة أخرى؟." نعم، وماذا في ذلك؟ جلست إليانا وهي تهز رأسها.— ماذا وجدتِ هذه المرة؟ فتحت كلوي إحدى الصفحات، وأشارت إلى صورة لعارضة أزياء. — انظرا إلى هذه الملابس. قالت ماريان:— أنتِ تهتمين بالملابس أكثر من الطعام. أجابت كلوي فورًا:— لأن الطعام لا يجعلني مشهورة. ضحكت إليانا.— وهل الشهرة أهم شيء؟ أجابت كلوي دون تردد:— بالنسبة إليّ؟ ربما. ثم مررت إصبعها فوق الصورة.— أريد أن أرى صورتي هنا يومًا ما. تأملتها ماريان للحظات، ثم قالت:— وأنا أريد أن أرى اسمكِ في مكان كبير. اتسعت عينا كلوي. حقًا؟." نعم." تدخلت إليانا:— لكن عليكِ أن تدرسي أولًا. تنهدت كلوي.— كنت أعرف أنكِ ستقولين ذلك. ضحكت ماريان.— يبدو أن إليانا لديها إجابة واحدة لكل شيء. نظرت إليها إليانا.— لأنها الإجابة الصحيحة، هزت كلوي رأسها باستسلام، ثم عادت إلى مجلتها،وبعد لحظات، جلست الفتيات الثلاث يتحدثن عن أحلامهن كما لو أن تحقيقها مسألة وقت فقط؛ مسابقة ماريان، منصة كلوي، ودراسة إليانا. ثلاثة أحلام مختلفة بدت جميعها ممكنة في ذلك الصباح. لم تكن أي واحدة منهن تفكر في المستقبل الحقيقي، ولا تعرف أن التفاصيل الصغيرة ستصبح يومًا أغلى ما يمكن أن يتذكره الإنسان: ضحكة في ممر المدرسة، مقعد قرب نافذة، مجلة قديمة، وحوار عابر بين صديقتين. كانت حياتهن لا تزال طبيعية والمستقبل واسعًا، لكن الزمن لا يخبر أحدًا متى سيتغير، وهن لم يكنّ يعرفن أن لديهن وقتًا أقل مما يتخيلن، كان أمامهن يوم آخر ثم يوم آخر، وكان ذلك، بالنسبة إليهن، أمرًا مضمونًا، أو هكذا ظنن.عاد جون إلى مركز الشرطة بعد أن أنهى حديثه مع العائلتين، كان الليل قد انقضى تقريبًا، وبدأ ضوء الصباح الباهت يتسلل عبر نوافذ المركز، يرسم خطوطًا شاحبة على الأرضية والمكاتب. لكن بالنسبة إلى جون، لم يكن الليل قد انتهى. جلس خلف مكتبه دون أن يخلع معطفه، وضع ملف الفتيات أمامه، ثم أخرج الصور التي التقطها فريق الأدلة الجنائية من مسرح الجريمة، ورتبها أمامه واحدة تلو الأخرى، صورة للواجهة، صورة للصالة، صورة للمخزن، ثم صور للضحايا، توقفت عيناه عند كل صورة لثوانٍ طويلة. لم يكن المشهد يفارقه، أربع فتيات، ثلاث في الصالة، واحدة في المخزن. إطلاق نار، ثم حريق، رفع إحدى الصور بين أصابعه، بدأ عقله يعيد ترتيب الأحداث من البداية، كيف دخل القاتل؟ هل دخل وحده؟، هل كانت الفتيات الأربع موجودات في المحل في الوقت نفسه؟، كيف استطاع السيطرة عليهن؟، أعاد الصورة إلى سطح المكتب. كانت هناك نقطة لم يستطع تجاوزها بسهولة. أربع ضحايا، حتى لو كنّ صغيرات السن، فإن السيطرة على أربع فتيات في الوقت نفسه ليست أمرًا بسيطًا، خصوصًا إذا حاولن المقاومة، قال جون بصوت خافت:— إلا إذا فاجأهن.ظل ينظر إلى الصورة، ثم أضاف:— أو
لم تكن هناك جملة أخرى يمكن أن تخفف شيئًا، بعد أن أنهى جون إبلاغ العائلة، خرج من المنزل لم يتحدث كثيرًا في طريقه إلى السيارة، جلس خلف المقود، لكنه لم يشغل المحرك فورًا. ظل الملف على المقعد المجاور له أربع صفحات أربع فتيات وأسرتان فقدتا ابنتين، رفع عينيه إلى المنزل للمرة الأخيرة، ثم أدار المحرك، كان لا يزال أمامه منزل آخر. وصل جون إلى منزل عائلة ماريان ولورا بعد وقت قصير كانت الصدمة هناك قاسية بالقدر نفسه والد الفتاتين كان ينتظر أي خبر عنهما، لكن حين أخبره جون أن الشرطة عثرت عليهما في المحل، لم يستطع إخفاء انهياره. احتاجت والدتهما إلى بعض الوقت حتى تمكنت من الجلوس والاستماع. انتظر جون حتى هدأت قليلًا، ثم فتح دفتره.— هل كانت ماريان أو لورا تواجهان مشاكل مع أحد؟. هز الأب رأسه.— لا. — هل تشاجلتا مع شخص في الفترة الأخيرة؟ — ليس على حد علمي. — هل كان هناك شخص يراقبهما أو يضايقهما؟ — لا. انتقل جون إلى السؤال التالي.— وماذا عن المحل؟ خفض الأب عينيه.— كان حلمهما رفع جون نظره.— حلمهما؟ أجاب الأب:— نعم. كانتا سعيدتين جدًا به. ثم أخذ نفسًا عميقًا.— ماريان كانت تهتم بالحسابات والتنظيم،
لم تمر سوى ساعات قليلة على انتهاء الحريق، حتى بدأ مركز الشرطة يستعيد ضجيجه المعتاد، تحرك رجال الأدلة الجنائية بين المكاتب وموقع الجريمة، بينما وصلت التقارير الأولية تباعًا إلى قسم التحقيق. صور، ملاحظات، إفادات أولية، وأوراق تحمل تفاصيل لم تكن قد اكتملت بعد. جلس جون خلف مكتبه، وفتح دفتره الأسود على صفحة جديدة، كتب ببطء: أربع ضحايا ثلاث في الصالة، واحدة في المخزن. توقفت يده فوق الورقة، الأرقام كانت واضحة لكن الأسماء لم تكن موجودة بعد رفع رأسه عندما سمع طرقًا خفيفًا على الباب، دخل أحد ضباط فريقه، يحمل ملفًا ورقيًا سميكًا قال:— جون، حصلنا على معلومات عن الفتيات. أشار جون إلى الكرسي المقابل.— اجلس. جلس الضابط ووضع الملف أمامه، فتح جون الغلاف:' الأسماء؟. أخرج الضابط الورقة الأولى:" الأولى إليانا، سبعة عشر عامًا." قلب الصفحة: "الثانية ماريان، سبعة عشر عامًا." ثم انتقل إلى الورقة التالية:" الثالثة لورا، أربعة عشر عامًا."، توقفت يده عند الصفحة الأخيرة:' والرابعة كلوي، ثلاثة عشر عامًا." لم يقل جون شيئًا ظل ينظر إلى الأسماء الأربعة للحظات، إليانا، ماريان، لورا، كلوي، أربع فتيات لم تعد أس
كان الليل قد تجاوز منتصفه بوقت طويل عندما وصل فريق الطب الشرعي إلى مركز الشرطة، كان جون قد عاد من المحل قبل فترة قصيرة، لكنه لم يستطع إخراج المشهد من رأسه، أربع فتيات، ثلاث في الصالة، وواحدة في المخزن وبينما كان يحاول ترتيب التفاصيل في ذهنه، كان شيء آخر يعود إليه باستمرار ذلك الصوت. الارتطام الخافت الذي سمعه من داخل المحل قبل وصول رجال الإطفاء. ثم الصوت الآخر. كان قصيرًا، ضعيفًا، وغامضًا بما يكفي ليجعله يظنه في البداية مجرد نتيجة لانهيار شيء داخل المبنى لكن الآن، لم يعد متأكدًا. جلس جون في غرفة التحقيق، وأمامه دفتر ملاحظاته لم يكتب كثيرًا، كانت معظم التفاصيل محفوظة في ذهنه كان ينتظر تقرير الطبيب الشرعي، بعد دقائق، انفتح الباب. دخل الطبيب الشرعي وهو يحمل ملفًا سميكًا كان وجهه جادًا، جلس أمام جون، ووضع الملف على الطاولة.— لدينا النتائج الأولية. رفع جون عينيه إليه.— أخبرني. فتح الطبيب الملف، وقلب الصفحات ببطء.— الفتيات الثلاث اللواتي عُثر عليهن في الجزء الرئيسي من المحل تعرضن لإطلاق نار في الرأس قبل اندلاع الحريق. لم يتحرك جون فقط قال:— الثلاث؟ — نعم. قلب الطبيب صفحة أخرى.— آثار
وصلت أول سيارة إطفاء إلى الشارع، وتبعتها سيارات أخرى خلال دقائق قليلة، توقفت سيارات الشرطة خلفها، ونزل عدد من الضباط بسرعة، بينما بدأ رجال الإطفاء بمدّ الخراطيم ومحاصرة النيران التي كانت لا تزال تلتهم الجزء الداخلي من المحل، وقف جون جانبًا. لم يتحدث، كانت عيناه تتحركان بين الواجهة والنوافذ والسقف، وكأنه يحاول أن يحفظ شكل المكان قبل أن تغيره النيران والمياه إلى الأبد، اندفعت المياه بقوة نحو النوافذ المحطمة. تصاعد البخار في الهواء، واختلط برائحة الدخان والمواد المحترقة، بينما كانت أصوات رجال الإطفاء تتردد في الشارع الضيق، مرت دقائق طويلة. بدأت ألسنة النار تنخفض تدريجيًا، ثم انخفضت أكثر. وأخيرًا، أعلن قائد فريق الإطفاء أن الحريق أصبح تحت السيطرة، لم تنطفئ آثار النار تمامًا، بقي الدخان يتصاعد من الداخل، وظلت بعض الأجزاء الساخنة في المكان تهدد بالانهيار، اقترب أحد رجال الإطفاء من جون. — أصبح بإمكانكم الدخول، لكن بحذر. بعض أجزاء السقف متضررة. أومأ جون.— مفهوم. ثم أشار إلى ثلاثة من أفراد فريقه.— معي. تقدموا نحو الباب كان المحل مختلفًا تمامًا عما كان عليه قبل دقائق. الواجهة الوردية ا
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، جلسَت سيارة الشرطة متوقفة على جانب طريق شبه خالٍ، بينما انعكست أضواء البلدة القليلة على زجاجها الأمامي، وبدت الشوارع هادئة إلى درجة تجعل أي حركة غريبة جديرة بالانتباه. كان رجل في الرابعة والعشرين من عمره يجلس خلف المقود، ملامحه هادئة، ونظرته ثابتة، ووجهه لا يكشف بسهولة عما يدور في ذهنه. لم يكن من الرجال الذين يكثرون الكلام، ولا من أولئك الذين يتصرفون قبل أن يفكروا، كان يراقب، يحلل. ويتذكر التفاصيل الصغيرة التي يتجاوزها الآخرون، كان اسمه جون أمسك سيجارته بين أصابعه، وسحب منها نفسًا بطيئًا، ثم أخرج الدخان من فمه. تشكلت سحابة رمادية صغيرة أمامه قبل أن تتلاشى داخل السيارة. كان يفكر في القضية الجديدة التي وصلت إليه قبل ساعات، لم تقع الجريمة في بلدته، بل وقعت في ولاية أخرى، لكن التفاصيل الواردة في التقرير كانت كافية لإبقائه مستيقظًا. كانت الضحية امرأة تعمل في متجر خلال ساعات الليل، دخل إليها رجل بعد منتصف الليل، ثم وقع اعتداء جنسي عنيف، انتهى بإطلاق النار عليها. عندما وصلت الشرطة، كانت المرأة قد فارقت الحياة، وكان مسرح الجريمة خاليًا من المعتدي. لم يت