LOGIN
مضت ثلاثة أسابيع كاملة منذ أن بدأ الفصل الدراسي الجديد، بينما كنتُ أنا حبيس غرفتي وطريح الفراش بسبب وعكةٍ صحيةٍ مباغتة ألزمتني الراحة التامة. لم يكن الغياب عن الناس أمراً يزعجني في العادة؛ فأنا بطبعي شخصٌ يميل إلى العزلة والهدوء، وأجد راحتي بعيداً عن الصخب والتجمعات البشرية، غير أن قلقي الوحيد كان يتلخص في تراكم المحاضرات المعمارية وصعوبة اللحاق بزملائي بعد كل هذا الانقطاع.
في صباح اليوم الأول لعودتي، دلفتُ إلى المدرج الكبير بهدوءٍ يشبه تسلل الظل. وكعادتي دائماً، تجنبتُ الصفوف الأمامية والمقاعد المزدحمة، وصعدتُ الدرجات الجانبية بخطواتٍ صامتة حتى وصلتُ إلى أقصى الزاوية الخلفية بجوار النافذة. هناك حيث لا يلتفت إليّ أحد، وحيث يمكنني أن أكون غير مرئيٍ تماماً كما أحب. فتحتُ دفتري، وضعتُ قلمي الرصاص أمامي، وحاولتُ التركيز مع أستاذ المساق الذي كان يشرح بشغفٍ وحزم. وفجأة، انفتح باب القاعة الخشبي بهدوء. في اللحظة التي خطت فيها تلك الفتاة إلى الداخل، حدث شيءٌ غريب؛ خيّم صمتٌ مفاجئٌ على المدرج، واستدارت الأعناق كلها نحو الباب كأن جاذبية المكان قد تغيرت دفعةً واحدة. حتى الأستاذ نفسه توقف عن الكلام في منتصف جملته، وأنزل قلمه وهو ينظر إليها، قبل أن يسألها بنبرةٍ جادة: «لماذا تأخرتِ عن المحاضرة يا نارين؟». وقفت الفتاة عند المدخل، واكتست وجنتاها البيضاوان بحمرةٍ خفيفة، ثم اعتذرت بصوتٍ رقيقٍ كأنه همسُ النسيم، ترافقه ابتسامةٌ خجولةٌ ساحرة أذابت صرامة الموقف. وعلى غير عادتي تماماً، وجدتُ نفسي مشدوداً إليها منذ اللحظة الأولى. أنا الذي لم أرفع عيني يوماً لتتبع أحد، ولم أهتم بوجود أي طالبٍ أو طالبة طوال سنوات دراستي، تسمرت نظراتي عليها رغماً عني. كانت آيةً في الجمال؛ بشرتها شديدة البياض، وشعرها البني الطويل ينسدل بنعومةٍ فائقة على كتفيها، بينما كانت عيناها الخضراوان تشعان ببريقٍ يأسر الألباب. تسلل إلى عقلي تساؤلٌ صامتٌ وأنا أراقبها: كيف يمكن لفتاةٍ أن تجمع كل هذه الرقة وهذا الحضور الطاغي معاً؟ بل كيف تجرأ الأستاذ أصلاً على توبيخها ومساءلتها عن التأخير وهو ينظر في وجهها مباشرة؟ ألم تشفع لها عيناها الساحرتان وصوتها العذب؟ بحثت "نارين" بعينيها عن مقعدٍ شاغر في الصفوف الأمامية حيث اعتادت الجلوس، لكنها لم تجد مكاناً واحداً فارغاً بسبب تأخرها. وحين بدأت تصعد الدرجات متجهةً نحو الخلف، ازدادت نبضات قلبي دون سببٍ مفهوم. اقتربت خطواتها شيئاً فشيئاً من زاويتي الهادئة، وفي لحظةٍ عابرة، التقت عيناي بعينيها الخضراوين المباشرتين. شعرتُ بارتباكٍ حادّ يلسع صدري، فأشحتُ بنظري فوراً نحو نافذة القاعة، متظاهراً بعدم الاكتراث وبأنني غارقٌ في تأمل الفراغ، ريثما جلست هي في المقعد الذي يسبق مقعدي مباشرة. ظننتُ أن الأمر انتهى عند هذا الحد، وأنني سأكتفي بمراقبة خصلات شعرها البني من الخلف طوال المحاضرة. لكن ما حدث بعد دقائق قليلة كاد يوقف قلبي عن النبض. دون أيّ مقدمات، نهضت نارين من مقعدها، والتفتت نحوي، ثم جلست في المقعد الملاصق لي تماماً! استنشقت رائحة عطرها الهادئ في زاويتي المعزولة، والتفتت بوجهها الفاتن صوبي، ثم سألتني بابتسامةٍ لطيفة: «ما اسمك؟». شعرتُ بأن الهواء قد نفد من رئتيّ، وتصاعدت دقات قلبي بسرعةٍ جنونية حتى ظننتُ أنها تسمعها. أنا بطبعي خجولٌ ولا أجيد الحديث مع الغرباء، فكيف بفتاةٍ، وكيف إذا كانت هذه الفتاة هي نارين التي سلبت انتباهي منذ دخلت القاعة؟ ابتلعتُ ريقي بصعوبة، وخرج صوتي مرتجفاً ومتلعثماً: «فـ.. فـ.. فارس». أمالت رأسها قليلاً بتعجبٍ رقيق وقالت: «هل هذه أول مرة تحضر فيها؟ لم أركَ هنا من قبل!». حاولتُ استجماع شتات صوتي الهارب وأجبتها: «نعم.. أنا مسجلٌ معكم في هذا المساق، لكنني كنتُ مريضاً طوال الأسابيع الثلاثة الماضية، ولم أتمكن من الحضور منذ بداية الفصل». هزت رأسها بتفهم، ثم فتحت دفترها الصغير، ومدت يدها النحيلة لتلتقط قلمي الرصاص الموضوع أمامي على الطاولة، وقالت بصوتها الرقيق ذاته: «أعطني رقمك». في تلك اللحظة، تجمّد عقلي تماماً.. تطلب رقمي؟ بهذه البساطة؟!سحبتُ نفساً عميقاً، وأدرتُ مقبض الباب الداخلي بخفةٍ متوترة. دخلتُ الصالة الواسعة التي كانت مضاءةً بثريا كريستالية فخمة، وكما توقعت، كانت والدة نارين تجلس على أريكةٍ مخملية تقرأ كتاباً. رفعت رأسها وابتسمت لي بحنانٍ جعلني أشعر بذنبٍ فوري. «أهلاً بعودتك يا حبيبتي، هل تأخرتِ في المرسم؟» سألتني وهي تغلق كتابها. تذكرتُ تعليمات نارين الصارمة قبل دقائق؛ ألا أقف متصلباً، وأن أبتسم، وأن أقبّلها. ارتخيتُ قليلاً، ومضيتُ نحوها بخطواتٍ حاولتُ جاهدةً ألا تبدو كمسيرةٍ عسكرية. انحنيتُ وقبّلتُ رأسها، ثم قلت بصوتها الرقيق محاولاً إخفاء توتري: «نعم يا أمي، أنا متعبةٌ جداً وسأصعد لأنام فوراً». أومأت بتفهم، فتنفستُ الصعداء وأسرعتُ نحو السلالم متجهاً إلى الطابق العلوي. في الوقت ذاته، وعلى الجانب الآخر من المدينة، كانت نارين تقف أمام باب منزلي العادي. أدارت مفتاحي ودخلت بحذر. كانت والدتي في المطبخ، وأبي يتابع نشرة الأخبار. حاولت نارين المشي بخطواتٍ واسعة، وتكليف ملامحي بعبوسٍ لم أكن أعلم أنه يتطلب كل هذا الجهد. «مساء الخير»، قالت بصوتي الخشن متجهةً إلى الممر مباشرة. «أهلاً يا بني»، رد والدي دون أن
مرت لحظات الصدمة الأولى كأنها دهرٌ كامل، ثقيلة، مرعبة، وخارجة عن كل قوانين المنطق التي بنيتُ عليها حياتي.وقفنا في منتصف المرسم نتأمل الكارثة، والرعب يعقد ألسنتنا ويشل تفكيرنا. اندفعت نارين، التي كانت تسكن جسدي الآن، نحو المرآة الطويلة المستندة إلى الحائط. راقبتُها بذهولٍ تام؛ كان مشهداً خيالياً لا يصدقه عقل، أن أرى نفسي، بصورتي وبنيتي الجسدية الضخمة، أقفز بهلع، وأتحسس وجهي بخطواتٍ أنثويةٍ متوترة، ثم أنهار باكياً بطريقةٍ هستيرية لا تمت لصلابتي وجمودي بصلة!حاولتُ أن أتحرك نحوها، فباغتتني خفةٌ غريبة في وزني، واختلالٌ تام في مركز توازني المعتاد. خصلات شعرٍ طويلة وناعمة انسدلت على وجهي، وحين مددتُ يدي لأبعدها، وتأملتُ أصابعي الرقيقة وتلك الخواتم الذهبية التي كنتُ أسترق النظر إليها في المكتبة بالأمس القريب، أدركتُ حقيقة الكابوس: أنا الآن داخل جسد نارين!«كيف حدث هذا يا فارس؟!» صرخت نارين بصوتي الخشن العميق، وهي تضرب صدرها الواسع -الذي هو صدري- بيديها بقوة، مما جعل المشهد أكثر إرباكاً وغرابة.جمعتُ شتات عقلي، وفرضتُ عليه أن يتجاهل هذا الرعب للحظات، متجاهلاً النبضات السريعة لقلبي الجديد
ابتسمت نارين بخبثٍ حين أخليتُ لها طاولة المرسم الجامعي معلناً استعدادي لتبديد أوهامها، لكنها بدلاً من فتح الملف، أعادته إلى حقيبتها فوراً وأحكمت إغلاقها. عقدتُ ذراعيّ أمام صدري متسائلاً: "ما الأمر؟ هل تراجعتِ عن خوض التجربة بعد كل هذا الحماس؟". هزت رأسها نفياً وقالت بنبرةٍ جادةٍ تتناقض مع ابتسامتها: "بالطبع لا يا فارس! لكن طقوساً كهذه لا يمكن إقامتها هنا في مرسم الجامعة؛ هناك شروطٌ محددة يجب توفيرها، وإضاءةٌ معينة، ونحن بحاجةٍ إلى هدوءٍ مطلق لا يقطعه دخول عامل النظافة أو حارس الكلية. لذلك، سأدعوك الليلة لتزورني في مرسمي الخاص بالبيت، هناك سنكون بمأمنٍ وننفذ كل شيءٍ بحذافيره". لم يكن أمامي سوى الموافقة لإنهاء هذا الهوس الذي تملكها. في العاشرة من مساء ذلك اليوم، كنتُ أقف أمام باب مرسمها الملحق بحديقة منزلها. استقبلتني بملابس مريحةٍ داكنة، وأدخلتني إلى غرفتها التي كانت تفوح برائحة الألوان الزيتية والقهوة. ولكنها الليلة أضافت لمساتٍ غريبة؛ أطفأت المصابيح الكهربائية، ووزعت شموعاً سوداء حول طاولةٍ منخفضة في منتصف الغرفة، وأشعلت بخوراً ذا رائحةٍ خانقة يبعث ضباباً خفيفاً في الأجواء.
مرت الأشهر بطيئةً. وتطورت علاقتنا لتتجاوز حدود الزمالة ومقاعد المحاضرات، وتصبح أقوى وأغرب صداقةٍ يمكن أن يشهدها الحرم الجامعي بأكمله. الشاب الانطوائي الذي يهرب من التجمعات، والفتاة الصاخبة التي تلاحقها الأضواء أينما حلت، أصبحا ثنائياً لا يفترق. كنا نتشارك كل شيء؛ أسرارنا، هواجسنا، وحتى أفكارنا الأكثر جنوناً وتمرداً. ومن بين كل التناقضات الصارخة التي جمعتنا، اكتشفنا قاسماً مشتركاً غريباً لم أتوقعه يوماً: شغفنا الشديد بخوض التحديات الغامضة، والمغامرات غير المألوفة التي تكسر روتين حياتنا الجامعية الرتيبة. كانت نارين تجد في هدوئي ملاذاً من زيف المتملقين، وكنت أجد في حيويتها نافذةً أطل منها على حياةٍ لم أجرؤ يوماً على عيشها. في ظهيرة أحد الأيام، كنت أجلس وحيداً في مرسم الكلية الواسع. كان الوقت متأخراً نسبياً، والطلاب قد غادروا لتفرغ القاعة إلا من طاولتي، وبعض اللوحات المتناثرة، ومجسمٍ معماري أعكف على تصميمه بهدوء. فجأة، فُتح باب المرسم واندفعت نارين إلى الداخل بخطواتٍ لاهثة وعينين تلمعان بحماسٍ مفرط. أغلقت الباب الخشبي خلفها بسرعة، وألقت بحقيبتها على طاولتي مبعثرةً بعض أقلامي. سألتها
جلسنا معاً بعد انتهاء المحاضرة في ركنٍ هادئ من كافتيريا الكلية، وكانت نارين تنظر إليّ بابتسامة متشككة وهي تقلب قلمها بين أصابعها، في انتظار أن أكشف لها سر خطتي المجنونة للتعامل مع الدكتور سليم. قلت لها بصوت هادئ ومدروس وأنا أتأمل فنجان القهوة أمامي: «الأمر أبسط مما تتخيلين يا نارين، ولكنه يتطلب دقة في التنفيذ. هل لاحظتِ جيداً ملامحه في المحاضرات؟ الدكتور سليم ليس مرعباً كما يظن الجميع، بل هو أستاذ جديد تماماً، يخوض تجربته التدريسية الأولى في الجامعة وهو في سن مبكرة نسبياً. بما أنه صغير في السن وجديد على القاعة، لم يأخذه الطلاب بجدية في البداية، بل إن بعضهم كان يهمس ويستخف به خلف ظهره. هذا وضعّه في أزمة نفسية وعقدة نقص واضحة، فأصبح يحاول مداراة هذا النقص بوجه عبوس وطباع حادة، ظناً منه أن القسوة ستصنع له هيبة وهمية في عيوننا». اتسعت عيناها الخضراوان دهشة وهي تربط الكلمات ببعضها وقالت: «يا الهي.. هذا يفسر لماذا يصرخ لأفهّم الأسباب التافهة ولماذا يبدو متوترًا دائماً! وما هي خطتك إذن؟». أجبتها بثقة: «استراتيجيتي قائمة على النفاق المحمود، المجاملة الذكية، والتعظيم المبالغ فيه لعلمه
في صباح اليوم التالي، كانت محاضرتنا تُعقد في المرسم الهندسي الكبير. وكعادتي، اخترتُ طاولةً خشبيةً في الركن الخلفي البعيد، وجلستُ أرتب أدواتي في هدوءٍ تام. وبعد دقائق، دخلت نارين إلى المرسم؛ فوقعت عليها الأنظار كالمعتاد، وتوقع الجميع أن تتجه نحو الطاولات الأمامية الفارغة حيث اعتادت الجلوس مع زميلاتها المقربات.ولكن، وسط دهشةٍ ألجمت القاعة بأكملها، تجاوزت نارين كل المقاعد الشاغرة، وسارت بخطواتٍ واثقةٍ ومباشرة نحو زاويتي المنعزلة، ثم سحبت الكرسي المجاور لطاولتي وجلست بجانبي وهي تلقي التحية بابتسامةٍ مشرقة!شعرتُ بعشرات الأعين تحاصرنا بذهولٍ تام؛ كان الطلاب يتبادلون النظرات والهمسات المستغربة: كيف تترك نارين، الفتاة الأشهر والأجمل التي يطاردها الجميع، كل طاولات المرسم لتجلس بجوار هذا الشاب الصامت المنطوي الذي لا يكاد أحدٌ يذكر اسمه؟ والأدهى من ذلك أنها راحت تتحدث معي بعفويةٍ مطلقة وتضحك بصوتها الرقيق كأننا صديقان منذ سنوات!وقبل أن أستوعب الموقف، دخل الدكتور "سليم" بوجهه العابس، وأعلن بصرامةٍ عن إجراء امتحانٍ مفاجئ!سرت همهمةٌ من التوتر والاعتراض بين الطلاب، بينما التفتت نارين نحوي س







