ANMELDENتي جيه فوضى مغلفة برؤية أوضح ماذا أريد؟ أريدها ولكن لا يمكنني حتى التواجد في مكان هي فيه بالصدفة، لا أعرف ماذا أقول، كيف أقول، أو إن كنت أستحق فرصة. ولكن كيف يمكن أن أعيش إذا لم أحاول؟ رأسي يدور بسرعة تكاد تسقطني. ما رأيته من أبي منحنى صورة أعمق، ولكنه لا يعرف كل شيء، هناك أشياء أحملها وحدي، وأن أخبره بعد أن عقد سلامه بالطريقة التي تريحه سيكون واحد من أحكامي السيئة، ولكن مظلة غضبي اختفت فلا يمكنني العودة لتلك النسخة. كل ما يمكنني فعله من أجله هو قبول مساعدته، قبول فكرة أنني أحتاجه. قبلني كابتن إلياس كان الكابتن إلياس واحد من أشهر مدربي السباحة الأولمبيين في البلاد، وله ثقل إعلامي ورياضي هائل، وكان يحمل لأبي جميلًا كبيرًا؛ إذ إن أبي هو من أجرى عملية جراحية دقيقة معقدة لقلب ابنه قبل سنوات وأنقذ حياته. طلب أبي منه أن يتولى تدريبي شخصيًا حتى موعد الأولمبياد، وبما أنني لم أكن أوقع عقدًا احترافيًا خاصًا مع مونتي، بل أشارك باسم الجامعة تحت قيادته، ولأن الكابتن إلياس قامة لا يُرفض لها طلب، فبمجرد أن تواصل مع إدارة الجامعة وأبلغهم برغبته في تدريب السباح المرشح الأكبر لنيل الذ
تي جيه ضغط بكفه فوق كتفي متابعًا: -ليلى بحاجة لشعور أنها ما زالت مرغوبة، وقادرة على النجاح، ولكنني لست الطبيب النفسي الذي سيقول لها أفيقي يا ليلى، لا يمكن أن تعيدي ليلى ذات الثمانية عشر عامًا مرة أخرى، أن قراركِ بالزواج كان خاطئ، لكنني في الوقت نفسه لا أستطيع أن أقول لها إنني لا أهتم لأمرك ولا أريد معرفتك، هذه النسخة منها قد شاركت في صنعها، وإذا كان الثمن الذي علىَّ دفعه هو المال وجعلها تصدق حجم سيطرتها فهو هين. لأول مرة في حياتي، كنت أرى الصورة بوضوح من وجهة نظر أبي، حقيقة مجردة خالية من الغضب المشوش، عجزت عن النطق، نظرت آسفًا دون كلمة. هو لا يستحق أن يعرف ما أعرفه عن ليلى، يكفي ما يحمله. ربتت فوق كتفي: -لست المخطئ تي جيه، لأنك لم تكن تعرف كل هذا، بل أنا لأنني لم أحاول أن أفهمك واشرح لك، لأنك بالنسبة لي كنت دائمًا تي جيه الصغير صاحب الأربعة عشر عامًا، الذي لا أريده أن يرى تلك الصورة عن أمه، المراهق الذي ظننت إنه يمكنني التحايل عليه، لم أكن أتخيل أن هذه التراكمات ستشكل داخلك معنى مشوه وعنيف عن الحب، تجعلك ترفض العلاقات، وتتعامل مع كل شخص سيقترب منك أو يكون له تأثير عليك،
تي جيه حدقت فيه دون أن أنطق بكلمة، فنظر إليَّ وأكمل: -أنا أعلم كل هذا جيدًا، لكن هناك أشياء كثيرة لا تعرفها أنت عن علاقتنا، أشياء كانت قبل ولادتك، وأشياء كنت وقتها أصغر من أن تستوعبها. خرج مني شبح ابتسامة ساخرة ممتلئة بالمرارة، وهززت رأسي ليفتح المسرحية. تنهد أبي بعمق، ونظر إلى الفراغ يسترجع سنوات شبابه: -أنا أحببت أمك في سنتي الأولى في كلية الطب، أحببنا بعضنا بعنف وشغف كبيرين، حب الشباب الاندفاعي، وكنت مصممًا على الزواج منها بسرعة، صحيح أنني من عائلة ثرية ومشهورة، لكنني في ذلك الوقت لم أكن أملك شيئ خاص بي، كان جداك رافضين لهذه الخطوة المبكرة جدًا، لكنني أصررت، وتزوجنا، أمك درست تصميم الأزياء لأربع سنوات، وأنا اخترت أصعب تخصص في الطب، دراسة شاقة، مجهدة، وتتطلب تضحيات هائلة ليس فقط من الطالب، بل من كل من حوله. ثم أردف بصوت يحمل نبرة اعتراف بالذنب: -اختياري للزواج في ذلك السن كان خطأ كبير منى، لأنني ومن دون أن أقصد، خيرتها بين أن تبقى معي وبين مستقبلها وحياتها، لقد أنجبتك مبكرًا جدًا، أتيت أنت بعد سنتين من زواجنا، وكان عمرها حينها مجرد واحد وعشرون عامًا، وأنا أكبر بسنتين
تي جيه إذا كرهتني فلديها كل الحق أنا إنسان يستحق الكره الترك كيف أفكر في محادثها، لم يعد لدى الحق في ذلك، حتى التفكير فيها لم يعد من حقي. قالتها ناتالي لقد فقدت كل الحقوق، لقد خسرتها، وخسرت نفسي في الطريق. ولكن كل ما أريده هو التحدث إليها، ربما أن أخذها بين ذراعي، ونشاهد أحد مسلسلاتها التي تحبها، ونذهب للنوم معًا وأنا متأكد أنها سوف تكون بجانبي في الصباح التالي. هذا كل ما أردته خلال الأربعة أيام، أريد أن أنام أفكر أنها ستكون أول شيء أراه في الصباح، أريد مشاركة تفاصيل أيامي معها. الحياة دونها سيئة، وفارغة للغاية. ولكنني خسرت كل شيء؛ هذه الحقيقة الوحيدة الآن. خمسة ساعات عقب حديث جدتي الذي يعاد في رأسي دون توقف نهضت من رقدتي، الهواء دافئ حار، النجوم متفرقة، القمر نصف، وأنا مشوش. قادتني قدمي نحو مكتب أبي، وقف عند الباب الخشبي المفتوح قليلًا، وسندت كتفي المنهك على إطاره. كان يتحدث في الهاتف ويدوّن بعض الملاحظات على حاسوبه المحمول، أربعة أيام لم يذهب لأي مشفى، لا عمليات، لا مرضى، لا شيء سوى الجلوس بجانبي! لم ينتبه لوجودي إلا بعد فترة، وحين رفع عينيه ورآني، أومأ لي بيده
تي جيه ساد الصمت لثوانٍ طويلة، كانت أطول من دهور، ثم فتحت عينيّ ثانيًا، وشردت بنظري في الفراغ الأزرق الشاسع فوقي متمتمًا: -أتذكر وأنا أغادر البيت بعد الغداء قلتِ لي جملة.. قلتِ لي جيد، لقد فعلت ما كنت تريده.. بلعت لعابي بصعوبة، وشعرت بغصة تخنق حنجرتي مواصلًا الاعتراف: -أنا أفهم الآن ماذا تعني، كنتِ تعرفين أنني كنت أريد فعل ذلك بها، كنت أخطط لدهس كل شيء حتى قبل العشاء، كنت أخطط لكيف أكسر كل شيء، كيف أجعلها تراني إنسانًا بشعًا، كيف آذيها، أكسرها، وكيف أجعلها تكرهني وترفض البقاء معي إلى الأبد. لفتت رأسي ناحيتها، أنا في ألم لا يمكنني وصفه، سألتها: -لماذا فعلت ذلك يا جدتي؟ لماذا أردت تدمير كل شيء؟ مطت شفتيها بأسى، وأجابت وهي تهز رأسها: -أنا أديبة ولستِ طبيبة نفسية؛ لا أستطيع أن أقول لك لماذا فعلت ذلك، أنت الوحيد الذي يملك هذه الإجابة، ولا بد أن تصل إلى السبب بنفسك. حدقتُ فيها لبرهة، ثم أعدت نظري إلى السماء وإلى مياه المسبح الرقراقة بجواري، وهمست بنبرة خافتة ملؤها الندم: -ما فعلته وما قلته، هو أقل شيء في سلسلة الأشياء البشعة التي حدثت لها بسببي. قاطعتني بصرامة ناعمة: -أنا لا أ
تي جيه العودة للبيت ككل أبطال الترجيديا البائسين عدتُ خاسر مكسور ومتعب، عدتُ إلى بيت عائلتي التي تسبب في هذا من البداية. الغضب غادر التعاسة غادرت ولم يبقى سوى شبح إنسان مشوه، نظر في المرآة وهاله ما رأى. هل كنت بهذا السوء؟ هذا الغباء هذا العمى أكره نفسي ثم أكره العالم ثم أكره نفسي وأشعر أن هذا لا يكفي. لا شىء يكفي لكل ما فعلته بها ولها، ولأبي، وحتى نحو إيرينا حين وافقت على لعبتها بينما كنت استعملها لكره نفسي، لطبع الصورة البشعة عن نفسي في عقلها، وحين فعلت كالعادة ملأني الندم. دوامة أفكار ثم فراغ تام.. لم أكن أعلم كم من الوقت مضى وأنا غارق في هذا الفراغ المطبق. لم يكونا سوى يومين، انصهرت في حمى لا ترحم بعد نوبة هلع طحنت أضلعي، ألقيا بي المرض على فراش غرفتي في بيت أبي، عاجزًا حتى عن فتح جفنيّ. وحين انقشعت الحمى، هدأ كل شيء، لم يأتِ الشفاء؛ بل حلّ بدله جثوم أثقل وأعتى، اكتئابٌ حاد وإدراكٌ متأخر لكل الشظايا التي خلفها انفجاري الطفولي. ثلاثة أيام أخرى مرت دون أن أنطق بكلمة واحدة، لم أتحدث إلى أبي، ولا إلى جدتي، وحتى جدى الذي آتى حين علم بمرضي، ولم أ
جود التصق جسدي بجسده الضخم ولم أعد أفرق بين دقات قلبي ودقات قلبه الشرسة التي تضرب صدري العاري إلا من حمالة صدر سوداء مبتلة تمامًا. القبلات لم تعد مجرد قبلات حارة؛ كانت التهمامًا لاهثًا، صراعًا جارف أسقط كل حصوني وعنادي تحت أقدام رغبته الطاغية. كانت يده الكبيرة تدفع ظهري بقوة نحو سيراميك الحا
جود كنت أغرق في محيط أزرق يدعى عينيه. هذا النوع من الغرق الذي لا ترغب أبدًا من النجاة منه، غرق لذيذ يوازي لذة وجودي هنا في غرفة الاستحمام الخاصة به معه وحدنا. التوتر الحسي المشتعل، الحرارة والجاذبية، التحدى والرغبة العميقة في الاستسلام؛ كل المشاعر التي نثيرها في بعضنا دون تحكم منا تصاعدت في
أخذت نفسًا طويل ثم تابعت كأنها انتظرت طويلًا للتحدث: -حاولت متابعة التدريب، أخبرت مدربتي أنني أتدرب صولو وأنني مستعدة للمنافسة التالية، ودفعت نفسي فوق خوفي وقفزت ولكن لم أستطع التحرك، محاطة بالناس وخائفة من كل واحد منهم، لا لم أستطيع، وعلاج التعرض لم يكن ناجح معي وقتها، لذا ماما كرهت بابا لذلك وت
جود ارتطم جسدي بالماءشعرت أنني أوزن مئات الأطنان، أن في كلا قدمي صخرتين ضخمتين تسحبني نحو العمق، حاولت تحريك يدي ولكنها بدت كتمثال جرنيت من حضارة بائدة غرقت بالكامل، أحاول التشبث بالواقع، ولكن عيني تتسع بفزع ونبضات قلبي تتسارع حينما أجد نفسي في المحيط مرة أخرى! صوت ضحكات أمي، ومحاولات أبي في







