INICIAR SESIÓNكانت شاشة الهاتف المشفر تنطفئ ببطء، ساحبة معها آخر خيوط النور من روحها، لتتركها غارقة في عتمة نفسية لا قاع لها. سقط الجهاز من بين أصابعها المرتعشة، ليرتطم بالأرضية الخشبية الفاخرة بصوت مكتوم، بدا في أذنيها وكأنه دوي انهيار جبل من الأكاذيب فوق صدرها. «أنا المهندسة الحقيقية لدماره... أنا من طمست هويتي لأندس في فراشه!». رددت الكلمات في تجويف جمجمتها كتعويذة شيطانية ملعونة، تمزق كل ما اعتقدت أنه الحقيقة المطلقة. وقفت متسمرة في مكانها، وعيناها المتسعتان برعب كوني تنتقلان بين الهاتف الملقى على الأرض وبين الرجل الضخم الذي يغط في نوم عميق على الفراش الوثير. الرجل الذي نزف من أجلها، الرجل الذي تلقى رصاصة في كتفه ليحميها، الرجل الذي بكت بين يديه واعترفت له بعشق يتحدى الموت... هل كان هذا الرجل ضحيتها؟
انتابتها حالة من الشلل الإدراكي التام، حيث توقفت رئتاها عن ضخ الأكسجين، وبدأت أطرافها ترتعش ببرودة الجليد رغم حرارة الغرفة. كيف يمكن لروح واحدة أن تحمل كل هذا التناقض المرعب؟ كيف يمكن لها أن تكون تلك الضحية البريئة المذعورة التي تبحث عن ملاذ آمن، وفي نفس الوقت تكون هي ذاتها الأفعى السامة التي تسللت إلى حصنه لتلدغه في مقتل؟ نظرت إلى يديها الملطختين بآثار دمائه التي ضمدتها منذ قليل. شعرت بالغثيان يهاجم أحشاءها؛ هذه اليد التي كانت تمسح على جرحه بحنان بالغ، هي ذاتها اليد التي رسمت خطة تدميره قبل أن تمحو ذاكرتها! الصراع النفسي الذي كان يعتصر قلبها لم يعد مجرد شك بين الحقيقة والكذب، بل تحول إلى حرب دموية بين نسختين من نفسها: قمر العاشقة التي ولدت من رحم فقدان الذاكرة وتيمت بزعيم المافيا، وظل القمر، العقل المدبر القاسي الذي لا يعرف الرحمة. لم تعد قادرة على البقاء في تلك الغرفة لثانية واحدة أخرى. كان الهواء كثيفاً، مشبعاً برائحة أنفاسه ورائحة دمه التي تحاصرها وتخنقها باتهامات لا تنطق. تراجعت بخطوات متعثرة إلى الخلف، كمن يهرب من وحش غير مرئي. التقطت رداءً حريرياً طويلاً من على المقعد المخملي، ولفته حول جسدها النحيل الذي كان يرتجف كورقة خريف في مهب إعصار. فتحت باب الجناح الرئيسي بحذر شديد، وانسلت إلى الممرات الخارجية للقصر المدمر. كان المشهد في الخارج يجسد بدقة الخراب الذي يعصف بروحها. القصر الأسطوري، الذي كان يتألق قبل ساعات قليلة بالفخامة والسطوة، تحول إلى ساحة حرب مهجورة. رائحة البارود المحترق والدخان الكثيف ما زالت تعبق في الهواء، تختلط برائحة النحاس الصدئ المنبعثة من الدماء المتناثرة على الجدران الرخامية البيضاء. كانت الثريات الكريستالية الضخمة محطمة على الأرض، واللوحات الفنية العتيقة ممزقة برصاصات عشوائية، بينما كان ضوء القمر الشاحب يتسلل عبر النوافذ البانورامية المهشمة، ليلقي بظلال طويلة ومخيفة على الجثث الملقاة في زوايا الممرات. سارت قمر حافية القدمين فوق الركام، تتفادى شظايا الزجاج المتناثرة بآلية جسدية بحتة، بينما كان عقلها يحلق في دوامة من الجنون. من هي؟ وما الذي يجب عليها فعله الآن؟ هل توقظه وتخبره بالحقيقة وتنتظر حكم الإعدام من عينيه الزمرديتين؟ أم تكمل الخطة التي رسمتها نسختها القديمة وتغرس الخنجر في قلبه؟ وبينما كانت أفكارها تطحن بعضها البعض في صراع سيزيفي لا ينتهي، تناهى إلى سمعها صوت خافت، متقطع، وغريب عن سكون الموت الذي يلف المكان. توقفت عن السير، وحبست أنفاسها لتسترق السمع. كان الصوت عبارة عن اهتزاز إلكتروني خافت، مصحوب بنغمة رنين منخفضة جداً، تكاد تضيع وسط صفير الرياح التي تدخل من النوافذ المحطمة. تتبعت مصدر الصوت بخطوات حذرة، وقلبها يخفق بعنف يكاد يمزق أضلاعها. اقتربت من كومة من الحطام في نهاية الممر الشرقي، حيث كان أحد أعمدة الرخام قد انهار جزئياً ليغطي جثة أحد المهاجمين الملثمين الذين اقتحموا القصر. وتحت يد الجثة الملطخة بالدماء، كان هناك هاتف محمول متطور يضيء ويطفئ بإلحاح شديد. ترددت للحظة، وغريزة البقاء تصرخ فيها أن تبتعد، أن تعود إلى الجناح المحصن، لكن فضولها القاتل، ورغبتها المجنونة في فهم أي جزء من هذه الأحجية الملعونة، دفعاها للاقتراب. انحنت ببطء، وتجاوزت رائحة الموت الخانقة، لتمتد يدها وتسحب الهاتف من تحت أصابع القتيل المتصلبة. كانت الشاشة مهشمة جزئياً، لكنها استطاعت قراءة كلمة "مجهول" تومض على الشاشة. بأصابع ترتعش، سحبت أيقونة الرد، ورفعت الهاتف ببطء إلى أذنها، دون أن تنطق بكلمة، منتظرة أن يأتمنها الطرف الآخر على هويته. «قمر؟ هل أنتِ على قيد الحياة؟ أرجوكِ أجيبي، هل أنتِ بخير؟» جاءها الصوت من الطرف الآخر لاهثاً، مذعوراً، ويحمل نبرة مألوفة بطريقة مرعبة، رغم أنها لا تستطيع تحديد هويته. لم يكن صوت سلافة، ولم يكن صوت والدها الذي سمعته في الغرفة المصفحة. كان صوتاً ذكورياً شاباً، يفيض بلهفة وحرقة حقيقية. «من... من أنت؟» همست قمر بصوت متقطع، بالكاد يخرج من حنجرتها الجافة. «الحمد لله! لقد ظننت أن رجاله قد أعدموكِ مع المهاجمين!» تنهد الرجل بارتياح عميق، قبل أن تعود نبرة الذعر لتغلف صوته: «اسمعيني جيداً يا قمر. ليس لدينا وقت. أنا طارق... أنا شقيقكِ الأكبر!» «شقيقي؟» خرجت الكلمة من شفتيها كأنها لغة غريبة لا تفهمها. اتسعت عيناها بذهول، وشعرت بأن الأرض تميد تحت قدميها. «أنا ليس لدي أشقاء... أنا ابنة وحيدة...» «هذا ما جعلكِ تعتقدينه! هذا ما حفره في عقلكِ بعد أن أجرى لكِ تلك العملية الجراحية اللعينة!» صرخ طارق بصوت محموم ومختنق. «لقد مسح كل ذكرى تخصني، ومسح كل من يمكن أن يربطكِ بعائلتكِ الحقيقية التي دمرها. ذلك الوحش الذي تنامين في قصره لم ينقذكِ، ولم يفقدكِ ذاكرتكِ بالخطأ. لقد أباد عائلتنا لأننا كنا نملك الأدلة التي قد تنهي إمبراطوريته، واستبقاكِ أنتِ حية فقط لأنه مهووس بكِ بطريقة مرضية شيطانية! قمر، كل ما قيل لكِ عن والدكِ، وعن سلافة، وعن كونكِ أنتِ من دبرتِ المؤامرة... كلها أوهام! إنه يزرع هذه الرسائل والأدلة المزيفة في طريقكِ ليجعلكِ تشكين في نفسكِ، ليدفعكِ للجنون والانهيار، فتسلمي له روحكِ طواعية ظناً منكِ أنكِ وحش مثله!» تراجعت قمر خطوتين للخلف، واصطدم ظهرها بالجدار البارد، بينما كانت كلماته تخترق جمجمتها كرصاصات متتالية لا ترحم. هل يعقل هذا؟ هل كان التلاعب أعمق مما يمكن لعقل بشري أن يستوعبه؟ هل سلافة وتلك الرسالة الصوتية المرعبة لم تكن سوى فخ نفسي جديد نصبه هو ليحطم ما تبقى من ثقتها بنفسها؟ «لا أستطيع... أنا لا أتذكرك... لا أستطيع تصديق أحد بعد الآن!» بكت قمر بنشيج مكتوم، ودموع الانهيار تغسل وجنتيها الشاحبتين. كانت تشعر بأنها عالقة في كابوس متعدد الطبقات، كلما استيقظت من طبقة، وجدت نفسها في طبقة أشد ظلاماً ورعباً. «ليس مطلوباً منكِ أن تتذكريني الآن، مطلوب منكِ فقط أن تعيشي لتتمكني من التذكر لاحقاً!» قال طارق بلهجة آمرة ويائسة. «المهاجمون الذين اقتحموا القصر الليلة كانوا رجالي. لقد ضحيت بنصف رجالي فقط لأتمكن من إيصال هذا الهاتف إليكِ وخلق فوضى تتيح لكِ الهرب. استمعي إليّ بعناية؛ البوابة الشمالية الغربية للقصر محطمة، والأنظمة الأمنية هناك معطلة بفعل الانفجار. تحركي الآن، فوراً! لدي طائرة مروحية تنتظر على بعد كيلومتر واحد في الغابة المحيطة. إذا بقيتِ معه ليلة أخرى، سيكمل تدمير عقلكِ حتى تصبحي نسخة مشوهة لا تعرفين فيها نفسكِ. اهربي يا قمر!»وقف أمامها، يلهث قليلاً، رائحة الهواء البارد والليل مختلطة برائحته الرجولية الطاغية. لم ينطق بكلمة واحدة، بل اكتفى بتأملها من قمة رأسها وحتى أخمص قدميها، وعيناه تلتهمان كل تفصيلة فيها تحت ضوء القمر الشاحب الذي يتسلل من النافذة. كانت تبدو كإلهة إغريقية في ثوبها الزمردي الذي يعانق جسدها، وشعرها الأسود الفاحم المنسدل على كتفيها كشلال من الليل. لم تستطع تحمل المسافة التي تفصل بينهما، ولا الصمت الذي يلفهما. «أنت مجنون!» همست بصوت مختنق بالدموع والشوق، وهي تندفع نحوه وتضرب بقبضتيها الصغيرتين على صدره الصلب. «أنت زعيم أكبر إمبراطورية في العالم السفلي، وتتسلل من النافذة كالطائشين المراهقين؟ ماذا لو رآك حراسك؟ ماذا لو ظنوا أنك متسلل وأطلقوا النار؟ كيف تكسر قواعدك الأمنية التي وضعتها بنفسك؟».أمسك بقبضتيها اللتين تضربان صدره، وجذبهما إليه بقوة، ليثبتهما خلف ظهرها، مقرباً إياها حتى التصق جسدها النحيل بجسده الضخم. انحنى بوجهه نحوها، حتى لامست أنفاسه الحارة شفتيها المرتجفتين. «لتذهب القواعد الأمنية إلى الجحيم، ولتحترق تقاليد العائلات، وليفنى العالم بأسره إذا كان الثمن هو أن أقضي ليلة واحدة بعيداً
لم يكن الظلام الذي ابتلع قمر في تلك اللحظة مجرد انقطاع للتيار الكهربائي، بل كان ظلاماً حياً، يتنفس، ويزحف نحو رئتيها ليعتصر آخر ذرات الأكسجين فيهما. سعلت بعنف بينما كان الغاز الكيميائي اللاذع يتسرب من فتحات التهوية، يحرق حنجرتها ويغشي عينيها بدموع لا إرادية. جسدها الذي كان قبل ثوانٍ ينبض بنشوة التتويج، أصبح الآن يرتجف تحت وطأة فستان الزفاف الذي بدا وكأنه يضيق حول خصرها وعنقها كأفعى تعتصر فريستها. الرقاقة الإلكترونية الحمراء كانت لا تزال تومض على الأرض كعين شيطانية تراقب احتضارها، والقطعة القماشية السوداء التي تحمل شعار «المجلس الأعلى» بدت وكأنها تبتسم بسخرية من سذاجتها. حاولت الزحف نحو الباب الفولاذي، تضرب عليه بقبضتيها اللتين بدأتا تفقدان قوتهما، لكن صوت ضرباتها كان يضيع في الفراغ العازل للصوت. أغمضت عينيها، وبدأ وعيها يتلاشى، وفي تلك اللحظة التي استسلمت فيها فكرة الموت لتعانق روحها، اهتزت الأرض من تحتها.لم يكن صوتاً عادياً، بل كان انفجاراً أصم مزق طبلة الأذن، أعقبه تحطم الباب الفولاذي الذي اقتُلع من مفصلاته ليطير في الهواء ويسقط بجلجلة مرعبة. ومن وسط سحب الدخان الكثيف والغاز المتسر
كان الفستان تحفة فنية تتجاوز حدود الخيال، مزيجاً من الرقة الملائكية والفخامة الملكية. صُنع من الحرير الإيطالي الخالص بلونه الأبيض العاجي، والذي ينسدل بنعومة فائقة ليعانق منحنيات جسدها بدقة متناهية. الكورسيه العلوي كان مطرزاً يدوياً بخيوط الفضة الدقيقة وآلاف القطع من الألماس الحر وحبات اللؤلؤ الصافية، والتي صُفت لتشكل نقوشاً لأزهار برية متشابكة، تمتد من صدرها وتتلاشى تدريجياً نحو الخصر النحيل. الأكمام كانت طويلة ومصنوعة من الدانتيل الفرنسي الشفاف، الذي يزين ذراعيها كوشم أبيض دقيق، بينما كان الظهر مكشوفاً بشكل V عميق، يبرز بشرتها المرمرية الصافية، وينتهي بفيونكة حريرية ضخمة ينسدل منها ذيل الفستان الطويل جداً، والذي يمتد لعدة أمتار خلفها على السجاد المخملي كغيمة بيضاء تلامس الأرض. الطرحة كانت من التول الشفاف للغاية، مثبتة على شعرها الأسود الفاحم المرفوع جزئياً بتاج ألماسي صُمم خصيصاً ليحمل شعار عائلة حبيبها. كانت تنظر إلى انعكاسها في المرآة، بالكاد تتعرف على نفسها. لم تكن تلك الفتاة الخائفة، فاقدة الذاكرة، التي كانت تركض في الغابات؛ كانت تبدو وكأنها إمبراطورة متوجة، قوية، طاغية الأنوثة،
تلاشى صدى الصوت المشوه في أرجاء الجناح الملكي كأنه همسة شيطانية تبخرت في هواء الفجر البارد، مخلفاً وراءه صمتاً مرعباً يثقل الصدر ويخنق الأنفاس. وقف البطل جامداً كتمثال من الجرانيت الأسود، وعيناه الزمرديتان مثبتتان على الهاتف الفضائي والقلادة الفضية الملطخة بدماء والدته. «المجلس الأعلى»... الكلمة بحد ذاتها كانت تعتبر أسطورة في العالم السفلي، خرافة يتناقلها زعماء المافيا في جلساتهم المغلقة بخفوت، ككيان خفي يحكم العالم من وراء الستار، يصنع الملوك ويسقط الإمبراطوريات دون أن يترك أثراً. لقد ظن أنه وصل إلى قمة الهرم بقتله للزعيم الأكبر وإسقاطه لمؤسس الظل، لكنه الآن يدرك، وبمرارة لاذعة، أنه كان مجرد مصارع يقاتل في حلبة صغيرة، بينما يجلس سادة اللعبة الحقيقيون في المدرجات يراقبونه ببرود. سحق الهاتف الفضائي تحت كعب حذائه الثقيل حتى تحول إلى حطام دقيق، وانحنى ليلتقط قلادة والدته، قابضاً عليها بقوة حتى غاصت حوافها المعدنية في لحم كفه، لتختلط دماء الماضي بدماء الحاضر. التفت ببطء نحو السرير الدائري، حيث ترقد قمر غارقة في نوم عميق، أنفاسها هادئة، وملامحها الملائكية تفيض بسلام مؤقت. اقترب منها بخطوات
«أنتِ لستِ أسيرتي، ولستِ شريكتي فقط... أنتِ الملكة المطلقة لكل ما أملك، لكل حجر في هذا المكان، ولكل نبضة في هذا القلب المظلم. أوامركِ هي القانون، وغضبكِ هو العاصفة، ورضاكِ هو غايتي الوحيدة في هذا الوجود الجحيمي».أدمعت عيناها أمام هذا الاعتراف الذي يحمل استسلاماً تاماً من رجل لم يعرف الاستسلام يوماً. رفعت يديها وطوقت عنقه، ودفنت وجهها في صدره، لتستنشق عبير رجولته الطاغية الذي يختلط برائحة الانتصار. لم تكن هناك حاجة للكلمات، فالتلاحم الجسدي والروحي بينهما كان يروي ملحمة كاملة من العشق والولاء. انحنى وحملها بين ذراعيه كأنها أثمن جوهرة في الكون، وخطا بها خارج غرفة التحكم، متجهاً نحو الجناح الملكي الخاص بهما، الجناح الذي لم يطأه أحد سواه، والذي سيشهد الليلة طقوساً جديدة، طقوساً تعيد كتابة مفهوم الحب وسطوة العشق المتبادل.دخل بها الجناح الملكي الشاسع، الذي كان يجسد الفخامة المطلقة بأسلوب يجمع بين الغموض الكلاسيكي والرفاهية الحديثة. كانت الجدران مكسوة بالحرير الأسود والذهبي العتيق، تتوسط الغرفة سرير دائري ضخم مغطى بمفارش من المخمل القرمزي العميق الذي يحاكي لون الدماء والشغف. الأضواء كانت خا
ترددت أصداء كلمات القائد الميداني في فضاء الغابة المظلمة كتعويذة موت قديمة، لتسقط على روح قمر كجبل من الجليد السام الذي جمد الدماء في عروقها وأوقف نبض قلبها لثوانٍ بدت كأنها دهر كامل. «أبي... هو المؤسس؟ هو من أمر بالإبادة؟» همست بها شفتيها المرتجفتين وهي تتراجع ببطء، وكأن الأرض تحت قدميها قد تحولت إلى رمال متحركة تبتلع كل ذكرياتها، كل دموعها، وكل صلواتها التي رفعتها للسماء طوال عشر سنوات من الحداد الممزق. في تلك اللحظة السريالية، انشقت صفوف الحراس التابعين لفريق البطل، ليتقدم من بينهم رجل يسير بخطوات واثقة، هادئة، ومفعمة بغرور طاغٍ لا يتناسب أبداً مع هيئة السجين المقهور الذي رأته على الشاشة قبل دقائق. كان يرتدي بذلة سوداء أنيقة لا تشوبها شائبة، ووجهه الذي ظنته محفوراً بعذابات الأقبية كان يشع بنضارة قاسية، وعيناه... عيناه كانتا تحملان نفس البرود الجليدي الذي رأته في عيني الزعيم الأكبر، بل أشد فتكاً. كان هذا هو الرجل الذي بكت على قبره الفارغ، الرجل الذي شكل غيابه فجوة سوداء في روحها، يقف الآن أمامها حياً يُرزق، ليس كأب حنون عاد من الموت، بل كشيطان متجسد تربع على عرش الخراب الذي دمر حيات







