LOGIN«ليس مطلوباً منكِ أن تتذكريني الآن، مطلوب منكِ فقط أن تعيشي لتتمكني من التذكر لاحقاً!» قال طارق بلهجة آمرة ويائسة. «المهاجمون الذين اقتحموا القصر الليلة كانوا رجالي. لقد ضحيت بنصف رجالي فقط لأتمكن من إيصال هذا الهاتف إليكِ وخلق فوضى تتيح لكِ الهرب. استمعي إليّ بعناية؛ البوابة الشمالية الغربية للقصر محطمة، والأنظمة الأمنية هناك معطلة بفعل الانفجار. تحركي الآن، فوراً! لدي طائرة مروحية تنتظر على بعد كيلومتر واحد في الغابة المحيطة. إذا بقيتِ معه ليلة أخرى، سيكمل تدمير عقلكِ حتى تصبحي نسخة مشوهة لا تعرفين فيها نفسكِ. اهربي يا قمر!»انقطع الاتصال فجأة، تاركاً إياها تستمع إلى طنين الصمت المرعب. سقطت يدها التي تحمل الهاتف إلى جانبها بضعف قاتل. شقيقها؟ طائرة مروحية؟ هروب؟ نظرت نحو نهاية الممر، حيث يقع الجناح الرئيسي الذي يرقد فيه الرجل الذي تعشقه رغم كل هذا الدمار، ثم نظرت نحو الممر الشمالي الغربي الذي تلوح فيه حرية مجهولة ومحفوفة بالدماء. ماذا لو كان هذا الرجل الصادق هو حقاً شقيقها؟ وماذا لو كان البطل يتلاعب بها بالفعل؟ لكن، كيف يمكنها أن تتركه وهو مصاب، ينزف، وقد رمى بنفسه أمام الرصاص ليفديها بحياته؟ الصراع النفسي بلغ ذروة غير مسبوقة؛ قلبها يصرخ بالبقاء والانصهار في نيرانه، وعقلها يستغيث للفرار من هذا الجحيم السيكولوجي.
وبينما هي تقف في منتصف الركام، ممزقة بين الشك اليقين، وبين العشق والنجاة، لم تشعر بتلك الخطوات الصامتة، الثقيلة، والواثقة التي كانت تقترب منها من الخلف. لم يكن يصدر أي صوت رغم تناثر الزجاج على الأرض، وكأنه نمر أسود يتسلل في عتمة الغابة ليطبق على فريسته الشاردة. شعرت فجأة بظل ضخم يبتلع ظلها الضعيف المرتسم على الأرضية بفعل ضوء القمر. وقبل أن تستدير، وقبل أن ترفع الهاتف لتخبئه، انزلقت ذراعان فولاذيتان قويتان حول خصرها النحيل، لتسحبها بقوة ناعمة ولكنها لا تقبل أي مقاومة، حتى اصطدم ظهرها المرتجف بصلابة صدره العريض العاري. شهقت قمر برعب، وحاولت التملص، لكن قبضته كانت محكمة كقيد من حديد. كان جسده يفيض بحرارة مشتعلة، حرارة رجل محموم بالعشق والغضب معاً. كانت رائحة دمه تختلط برائحة المسك الفاخر الذي يضعه، لتخلق هالة مسكرة تخدر حواسها وتلغي إرادتها بالكامل. دفن وجهه في منحنى عنقها، وتخللت أصابع يده اليمنى خصلات شعرها المبعثر، بينما كانت يده اليسرى—جهة كتفه المصاب—تطوق خصرها بتملك مطلق، غير عابئ بالألم الذي لا بد وأنه يمزق أوتار كتفه. «لماذا ترتجفين هكذا يا صغيرتي... في مملكتي؟» همس بصوت عميق، أجش، ومبحوح، تردد صداه على بشرتها كعزف منفرد على أوتار من نار. كانت أنفاسه الحارة تلفح عنقها، تذيب كل جليد الخوف الذي تراكم في عروقها خلال الدقائق الماضية. أغمضت عينيها رغماً عنها، مستسلمة لهذا الدفء المشتعل الذي يقدمه لها، هذا التناقض القاتل بين كونه الملاذ الآمن وكونه الخطر الأعظم. كانت تشعر بنبضات قلبه القوية والمنتظمة تضرب ضد ظهرها، في إيقاع يطغى على إيقاع قلبها المضطرب. «لم... لم أستطع النوم...» تلعثمت قمر بصوت مهتز، وهي تحاول إخفاء الهاتف المحمول في طيات ردائها الحريري، لكنها كانت تدرك أن محاولتها بائسة أمام حواسه الحادة. «الرائحة هنا... الدماء... المكان يخنقني.» «أعلم أن هذا العالم يرهقكِ،» قال بصوت منخفض، يقطر منه حنان مظلم، وهو يطبع قبلة بطيئة، حارقة، وممتدة على طول خط عنقها، مما جعل قشعريرة قوية تسري في جسدها بالكامل. «لكن ألم أخبركِ ألا تغادري الغرفة أبداً؟ ألم أخبركِ أن الشياطين لا تزال تحوم في الخارج، تنتظر لحظة ضعف واحدة لتختطفكِ مني؟» التفتت قمر برأسها قليلاً لتنظر إليه من فوق كتفها. كانت عيناه الزمرديتان تلتمعان في الظلام ببريق خطير، بريق يجمع بين العشق المهووس والذكاء الشيطاني. التقت نظراتهما في صمت مشحون بالتوتر والرغبة، صمت يصرخ بكل الأسئلة التي تعجز الألسنة عن نطقها. رفعت يدها المرتجفة لتتلمس خط فكه القاسي، محاولة قراءة الحقيقة في ملامحه الصخرية. هل هذا الرجل يتلاعب بها حقاً؟ هل اخترع كل تلك الأكاذيب ليحكم سيطرته عليها؟ أم أنه بالفعل الدرع الوحيد الذي يقف بينها وبين عالم يريد افتراسها؟ «من هم هؤلاء الشياطين؟» سألته بصوت خافت، يكاد يكون همساً، وعيناها تتوسلان إجابة تريح قلبها المتعب. «لماذا يطاردونني؟ ولماذا يريدون أخذي منك؟» شدد من احتضانه لها، وضمها أكثر إلى صدره، وكأنه يريد أن يدمج جسدها بجسده، أن يخفيها بين ضلوعه عن عيون العالم أجمع. حرك يده التي تتخلل شعرها لتقبض على مؤخرة عنقها برفق، مجبراً إياها على إمالة رأسها للخلف لتستقبل شفتيه. «لأنهم يعلمون أنكِ نقطة ضعفي الوحيدة... وأنكِ المملكة التي أستعد لإحراق العالم من أجلها،» همس على شفتيها قبل أن يغوص في قبلة عميقة، ساحقة، وممتلئة بشغف يتحدى الألم والدمار الذي يحيط بهما. كانت قبلة لا تطلب الإذن، بل تفرض السيطرة الكاملة على كيانها. تذوقت فيها طعم التملك المطلق، والغيرة العمياء، والحب الذي لا يعرف حدود المنطق. لم تستطع المقاومة؛ كانت شفتاها تستجيبان له بلهفة امرأة جائعة للمساته، امرأة تدرك أن هلاكها يكمن في هذا العناق، ومع ذلك تلقي بنفسها في الهاوية طواعية. انزلقت يداها لتمسكا بذراعيه القويتين، تتشبث به كمرساة وحيدة في هذا المحيط الهائج من الشكوك. كانت أنفاسهما تتلاحق، والأجساد تلتصق في تلاحم حسي عميق، يذيب كل تفكير عقلاني، ويترك المجال فقط لغريزة العشق البدائية لتتولى القيادة. فصل القبلة ببطء، وجبهته تسند جبهتها، وأنفاسه اللاهثة تختلط بأنفاسها المتقطعة. نظر في عينيها بعمق، وكانت نظرته تحمل تحذيراً مبطناً، مخيفاً في هدوئه. «سيحاولون بكل الطرق الممكنة يا ظل القمر...» تحدث بصوت رخيم، هادئ، يتسرب إلى عقلها كسم بطيء. «سيستخدمون تقنيات لتزييف الحقائق، سيبعثون رسائل صوتية بأصوات أصدقاء ماتوا، سيتصلون بكِ من هواتف مجهولة ويدعون أنهم عائلتكِ، أو حتى أشقاء لم تملكيهم يوماً. سيفعلون كل ما في وسعهم لزرع الشك في قلبكِ، ولجعلكِ تظنين أنني الوحش الذي دمر حياتكِ. لا تستمعي إليهم. لا تصدقي أي صوت يأتيكِ من خارج أسوار صدري.» تجمدت الدماء في عروقها للمرة الألف في هذه الليلة. كيف عرف؟ هل كان يستمع إلى مكالمتها مع «طارق»؟ أم أنه يتوقع خطوات أعدائه ببراعة تفوق الوصف؟ حاولت أن تبتلع ريقها، لكن حلقها كان جافاً كصحراء قاحلة. التوتر الذي اعتقدت أنها أخفته بمهارة، كان مكشوفاً أمامه كورقة كتاب مفتوح. «أنا... أنا لم أتحدث مع أحد...» كذبت بصوت مهتز، وهي تشعر بالهاتف يثقل طيات ردائها وكأنه صخرة من الجحيم. ابتسم ابتسامة مائلة، لا تحمل أي أثر للفرح، بل تنضح ببرود قاتل وسيطرة مطلقة. رفع يده السليمة، وبحركة بطيئة، مدروسة، ومرعبة في هدوئها، أدخل يده في جيب بنطاله الداكن. لم ينزل عينيه عن عينيها المرتجفتين ولو لثانية واحدة. أخرج يده ببطء، وفتح كفه العريضة أمام وجهها. كان في منتصف كفه خاتم فضي قديم، ملطخ بالدماء الطازجة، يحمل نقشاً فريداً ومميزاً لشعار عائلة لم تتذكرها قمر يوماً... لكنه الشعار ذاته الذي وصفه لها طارق في المكالمة كدليل قطعي على هويته لو التقت به! «أعلم أنكِ لم تتحدثي مع أحد يا صغيرتي،» همس البطل بصوت يقطر ببرود الجليد، وهو يغلق كفه على الخاتم الدموي، وتلتمع عيناه بظلام لا قاع له. «لأن 'شقيقكِ' العزيز... لم يعد قادراً على التحدث إلى الأبد.»وقف أمامها، يلهث قليلاً، رائحة الهواء البارد والليل مختلطة برائحته الرجولية الطاغية. لم ينطق بكلمة واحدة، بل اكتفى بتأملها من قمة رأسها وحتى أخمص قدميها، وعيناه تلتهمان كل تفصيلة فيها تحت ضوء القمر الشاحب الذي يتسلل من النافذة. كانت تبدو كإلهة إغريقية في ثوبها الزمردي الذي يعانق جسدها، وشعرها الأسود الفاحم المنسدل على كتفيها كشلال من الليل. لم تستطع تحمل المسافة التي تفصل بينهما، ولا الصمت الذي يلفهما. «أنت مجنون!» همست بصوت مختنق بالدموع والشوق، وهي تندفع نحوه وتضرب بقبضتيها الصغيرتين على صدره الصلب. «أنت زعيم أكبر إمبراطورية في العالم السفلي، وتتسلل من النافذة كالطائشين المراهقين؟ ماذا لو رآك حراسك؟ ماذا لو ظنوا أنك متسلل وأطلقوا النار؟ كيف تكسر قواعدك الأمنية التي وضعتها بنفسك؟».أمسك بقبضتيها اللتين تضربان صدره، وجذبهما إليه بقوة، ليثبتهما خلف ظهرها، مقرباً إياها حتى التصق جسدها النحيل بجسده الضخم. انحنى بوجهه نحوها، حتى لامست أنفاسه الحارة شفتيها المرتجفتين. «لتذهب القواعد الأمنية إلى الجحيم، ولتحترق تقاليد العائلات، وليفنى العالم بأسره إذا كان الثمن هو أن أقضي ليلة واحدة بعيداً
لم يكن الظلام الذي ابتلع قمر في تلك اللحظة مجرد انقطاع للتيار الكهربائي، بل كان ظلاماً حياً، يتنفس، ويزحف نحو رئتيها ليعتصر آخر ذرات الأكسجين فيهما. سعلت بعنف بينما كان الغاز الكيميائي اللاذع يتسرب من فتحات التهوية، يحرق حنجرتها ويغشي عينيها بدموع لا إرادية. جسدها الذي كان قبل ثوانٍ ينبض بنشوة التتويج، أصبح الآن يرتجف تحت وطأة فستان الزفاف الذي بدا وكأنه يضيق حول خصرها وعنقها كأفعى تعتصر فريستها. الرقاقة الإلكترونية الحمراء كانت لا تزال تومض على الأرض كعين شيطانية تراقب احتضارها، والقطعة القماشية السوداء التي تحمل شعار «المجلس الأعلى» بدت وكأنها تبتسم بسخرية من سذاجتها. حاولت الزحف نحو الباب الفولاذي، تضرب عليه بقبضتيها اللتين بدأتا تفقدان قوتهما، لكن صوت ضرباتها كان يضيع في الفراغ العازل للصوت. أغمضت عينيها، وبدأ وعيها يتلاشى، وفي تلك اللحظة التي استسلمت فيها فكرة الموت لتعانق روحها، اهتزت الأرض من تحتها.لم يكن صوتاً عادياً، بل كان انفجاراً أصم مزق طبلة الأذن، أعقبه تحطم الباب الفولاذي الذي اقتُلع من مفصلاته ليطير في الهواء ويسقط بجلجلة مرعبة. ومن وسط سحب الدخان الكثيف والغاز المتسر
كان الفستان تحفة فنية تتجاوز حدود الخيال، مزيجاً من الرقة الملائكية والفخامة الملكية. صُنع من الحرير الإيطالي الخالص بلونه الأبيض العاجي، والذي ينسدل بنعومة فائقة ليعانق منحنيات جسدها بدقة متناهية. الكورسيه العلوي كان مطرزاً يدوياً بخيوط الفضة الدقيقة وآلاف القطع من الألماس الحر وحبات اللؤلؤ الصافية، والتي صُفت لتشكل نقوشاً لأزهار برية متشابكة، تمتد من صدرها وتتلاشى تدريجياً نحو الخصر النحيل. الأكمام كانت طويلة ومصنوعة من الدانتيل الفرنسي الشفاف، الذي يزين ذراعيها كوشم أبيض دقيق، بينما كان الظهر مكشوفاً بشكل V عميق، يبرز بشرتها المرمرية الصافية، وينتهي بفيونكة حريرية ضخمة ينسدل منها ذيل الفستان الطويل جداً، والذي يمتد لعدة أمتار خلفها على السجاد المخملي كغيمة بيضاء تلامس الأرض. الطرحة كانت من التول الشفاف للغاية، مثبتة على شعرها الأسود الفاحم المرفوع جزئياً بتاج ألماسي صُمم خصيصاً ليحمل شعار عائلة حبيبها. كانت تنظر إلى انعكاسها في المرآة، بالكاد تتعرف على نفسها. لم تكن تلك الفتاة الخائفة، فاقدة الذاكرة، التي كانت تركض في الغابات؛ كانت تبدو وكأنها إمبراطورة متوجة، قوية، طاغية الأنوثة،
تلاشى صدى الصوت المشوه في أرجاء الجناح الملكي كأنه همسة شيطانية تبخرت في هواء الفجر البارد، مخلفاً وراءه صمتاً مرعباً يثقل الصدر ويخنق الأنفاس. وقف البطل جامداً كتمثال من الجرانيت الأسود، وعيناه الزمرديتان مثبتتان على الهاتف الفضائي والقلادة الفضية الملطخة بدماء والدته. «المجلس الأعلى»... الكلمة بحد ذاتها كانت تعتبر أسطورة في العالم السفلي، خرافة يتناقلها زعماء المافيا في جلساتهم المغلقة بخفوت، ككيان خفي يحكم العالم من وراء الستار، يصنع الملوك ويسقط الإمبراطوريات دون أن يترك أثراً. لقد ظن أنه وصل إلى قمة الهرم بقتله للزعيم الأكبر وإسقاطه لمؤسس الظل، لكنه الآن يدرك، وبمرارة لاذعة، أنه كان مجرد مصارع يقاتل في حلبة صغيرة، بينما يجلس سادة اللعبة الحقيقيون في المدرجات يراقبونه ببرود. سحق الهاتف الفضائي تحت كعب حذائه الثقيل حتى تحول إلى حطام دقيق، وانحنى ليلتقط قلادة والدته، قابضاً عليها بقوة حتى غاصت حوافها المعدنية في لحم كفه، لتختلط دماء الماضي بدماء الحاضر. التفت ببطء نحو السرير الدائري، حيث ترقد قمر غارقة في نوم عميق، أنفاسها هادئة، وملامحها الملائكية تفيض بسلام مؤقت. اقترب منها بخطوات
«أنتِ لستِ أسيرتي، ولستِ شريكتي فقط... أنتِ الملكة المطلقة لكل ما أملك، لكل حجر في هذا المكان، ولكل نبضة في هذا القلب المظلم. أوامركِ هي القانون، وغضبكِ هو العاصفة، ورضاكِ هو غايتي الوحيدة في هذا الوجود الجحيمي».أدمعت عيناها أمام هذا الاعتراف الذي يحمل استسلاماً تاماً من رجل لم يعرف الاستسلام يوماً. رفعت يديها وطوقت عنقه، ودفنت وجهها في صدره، لتستنشق عبير رجولته الطاغية الذي يختلط برائحة الانتصار. لم تكن هناك حاجة للكلمات، فالتلاحم الجسدي والروحي بينهما كان يروي ملحمة كاملة من العشق والولاء. انحنى وحملها بين ذراعيه كأنها أثمن جوهرة في الكون، وخطا بها خارج غرفة التحكم، متجهاً نحو الجناح الملكي الخاص بهما، الجناح الذي لم يطأه أحد سواه، والذي سيشهد الليلة طقوساً جديدة، طقوساً تعيد كتابة مفهوم الحب وسطوة العشق المتبادل.دخل بها الجناح الملكي الشاسع، الذي كان يجسد الفخامة المطلقة بأسلوب يجمع بين الغموض الكلاسيكي والرفاهية الحديثة. كانت الجدران مكسوة بالحرير الأسود والذهبي العتيق، تتوسط الغرفة سرير دائري ضخم مغطى بمفارش من المخمل القرمزي العميق الذي يحاكي لون الدماء والشغف. الأضواء كانت خا
ترددت أصداء كلمات القائد الميداني في فضاء الغابة المظلمة كتعويذة موت قديمة، لتسقط على روح قمر كجبل من الجليد السام الذي جمد الدماء في عروقها وأوقف نبض قلبها لثوانٍ بدت كأنها دهر كامل. «أبي... هو المؤسس؟ هو من أمر بالإبادة؟» همست بها شفتيها المرتجفتين وهي تتراجع ببطء، وكأن الأرض تحت قدميها قد تحولت إلى رمال متحركة تبتلع كل ذكرياتها، كل دموعها، وكل صلواتها التي رفعتها للسماء طوال عشر سنوات من الحداد الممزق. في تلك اللحظة السريالية، انشقت صفوف الحراس التابعين لفريق البطل، ليتقدم من بينهم رجل يسير بخطوات واثقة، هادئة، ومفعمة بغرور طاغٍ لا يتناسب أبداً مع هيئة السجين المقهور الذي رأته على الشاشة قبل دقائق. كان يرتدي بذلة سوداء أنيقة لا تشوبها شائبة، ووجهه الذي ظنته محفوراً بعذابات الأقبية كان يشع بنضارة قاسية، وعيناه... عيناه كانتا تحملان نفس البرود الجليدي الذي رأته في عيني الزعيم الأكبر، بل أشد فتكاً. كان هذا هو الرجل الذي بكت على قبره الفارغ، الرجل الذي شكل غيابه فجوة سوداء في روحها، يقف الآن أمامها حياً يُرزق، ليس كأب حنون عاد من الموت، بل كشيطان متجسد تربع على عرش الخراب الذي دمر حيات







