LOGINبدأ يقتفي أثرهم في الغابة كذئب متمرس. كان المطر يهطل بغزارة، يغسل الدماء ويطمس الآثار، لكن حواسه كانت موجهة بنبض قلبها الذي كان يشعر به ينبض في عروقه هو. لم يطل الأمر حتى لمح من بعيد أضواء خافتة تنبعث من محيط كوخ مهجور في عمق الوادي. كان المكان محاطاً بحراس مسلحين يرتدون معاطف سوداء، يقفون كتماثيل الموت في انتظار الأوامر. لم يضع خطة تكتيكية، ولم ينتظر رجاله ليتخذوا مواقعهم، ولم يعبأ بكونه مصاباً وينزف. تقدم بخطوات ثابتة، صامتة، ومميتة. في مشهد سينمائي مظلم، تتراقص فيه قطرات المطر مع ومضات البرق، انقض على الحارس الأول من الخلف. بحركة سريعة كالكوبرا، لف ذراعه السليمة حول عنقه، وبحركة واحدة قاسية ومكتومة، كسر عنقه قبل أن يخرج منه حرف واحد. ترك الجثة تسقط في الوحل بصمت، وتقدم نحو الاثنين الآخرين. قبل أن يلتفتا، كانت بندقيته قد بصقت رصاصتين صامتتين من كاتم الصوت، استقرتا بدقة جراحية في منتصف جبهتيهما.
كان يتحرك كشبح من ظلال، يتغذى على الرعب الذي بدأ يتسرب إلى قلوب من تبقى من الحراس. لم يكن يطلق النار بشكل عشوائي، بل كان يقتل ببرود، يتلذذ بتصفيتهم واحداً تلو الآخر، وكأنه يرسل رسالة دموية للإله الذي يجرؤ على إبعادها عنه. أفرغ رصاص بندقيته في صدور ثلاثة آخرين حاولوا سحب أسلحتهم، ثم ألقى البندقية الفارغة، واستل سكينه التكتيكي. اقترب من الحارس الأخير الذي كان يقف أمام باب الكوخ، والذي تسمر مكانه من هول المشهد، ينظر إلى هذا الوحش الملطخ بالدماء والوحل يقترب منه بعيون زمردية تشتعل بنار الجحيم. حاول الحارس رفع مسدسه، لكن البطل كان أسرع من ومضة البرق؛ انقض عليه، غرس السكين في صدره، وسحبه إلى الأسفل، هامساً في أذنه بصوت يشبه فحيح الأفاعي: "أين هي؟". لم ينتظر إجابة، بل سحب السكين، ووجه ركلة فولاذية حطمت باب الكوخ الخشبي ليطير من مفاصله ويتحطم في الداخل. انتفضت قمر في مكانها حين سقط الباب محدثاً دوياً هائلاً، وتقلص جسدها المربوط خوفاً من أن يكون الجلاد قد عاد. لكن عندما رفعت عينيها وسط سحب الغبار والظلام، رأت ظلاً ضخماً يسد مدخل الكوخ. ظل مألوف، يعبق برائحة المطر والدمار والمسك الذي يسري في أوردتها. كان يقف هناك، يلهث بشدة، والماء يقطر من شعره الكثيف المتمرد، والدماء تغطي صدره العاري، لكنه كان يبدو في عينيها كأعظم إله اغريقي هبط لإنقاذها. عندما وقعت عيناه عليها، وهي مقيدة، تنزف، وترتجف على الأرضية القذرة، توقف الزمن. سقط السكين من يده، واختفت كل قسوة العالم من ملامحه، ليحل محلها انكسار ولهفة رجل وجد روحه المفقودة. ركع على ركبتيه أمامها، وبيدين ترتجفان لأول مرة منذ بداية المعركة، بدأ يفك قيودها. لم يمتلك الصبر لفك العقد، فانتزع سكيناً صغيراً من حذائه وقطع الحبال الغليظة بشراسة. بمجرد أن تحررت يداها، لم تفكر في آلام رسغيها النازفين، بل ألقت بنفسها في أحضانه، تطوق عنقه بذراعيها بكل ما تبقى فيها من قوة، وتدفن وجهها في تجويف عنقه، تستنشق رائحته كغريق التقط أنفاسه الأولى فوق سطح الماء. ضمها إليه بقوة ساحقة، بقوة تتجاهل ألم جرحه العميق، قوة تريد أن تكسر أضلاعها لتسكنها داخل قفصه الصدري للأبد. "قمر... صغيرتي... هل أنتِ بخير؟ هل مسكِ أحد بسوء؟" كان يهمس في شعرها بصوت أجش، متقطع، ومبلل بدموع لم يعرفها منذ طفولته. كان يمسح على ظهرها، يقبل قمة رأسها، جبينها، وعينيها المغمضتين بقبلات سريعة، لاهثة، ومجنونة، كأنه يتأكد من أنها حقيقية وليست وهماً خلقه عقله المحتضر. "لقد تذكرت..." همست قمر بصوت مختنق بالبكاء، وهي تبتعد قليلاً لتنظر في عينيه، ممسكة بوجهه بين كفيها الصغيرتين المرتجفتين. "تذكرت كل شيء يا ظلي... لم أكن خائنة! لم أكن يوماً لهم! الرسالة كانت لتدميره هو... دخلت عالمهم لأحميك، لأدمر من أرادوا تدميرك! لقد تلاعبوا بي، جعلوني أشك فيك، جعلوني أظن أنني الأفعى... لكنني لك، كنت دائماً لك، وسأبقى لك حتى يحترق هذا العالم!" تجمدت ملامحه للحظة، واستوعب عقله الحاد حجم التضحية التي قامت بها، وحجم العذاب النفسي الذي عاشته. اتسعت عيناه بصدمة ممزوجة بعشق لا يمكن وصفه بكلمات البشر. كانت هذه المرأة، التي تعاني من فقدان الذاكرة والضعف والخوف، هي أشجع جندية في جيشه، هي التي باعت روحها للجحيم لتشتري له الحياة. لم ينطق بحرف، بل استسلم لطوفان المشاعر الذي حطم آخر حصون كبريائه المظلم. انقض على شفتيها بقبلة ملحمية، قبلة لا تشبه أي شيء عرفوه من قبل. كانت قبلة لا تبحث عن الشهوة، بل تبحث عن الامتزاج الكلي، عن محو كل أثر للألم والخداع. تذوق فيها طعم الدموع الممزوجة بدماء شفتيها المجروحتين، وبادلته هي القبلة بشراسة مماثلة، تعتصره بيديها، تتلمس ندوبه وعضلاته وكأنها تعيد اكتشاف موطنها الأصلي. كان الصراع النفسي بينهما قد انصهر تماماً في هذه القبلة العنيفة، العميقة، والمشحونة بكل آلام الماضي وآمال المستقبل. تحول الكوخ المهجور، المحاط بجثث الأعداء ورائحة الموت، إلى محراب مقدس لعشق سادي، مظلم، ولكنه أنقى من كل ادعاءات الفضيلة. ابتعد عنها ببطء، وأنفاسه تلفح وجهها. نظر إليها بعمق، ومسح بإبهامه الخشن على وجنتها برقة تتناقض مع الدماء التي تلطخ يديه. "أنتِ لستِ فقط ملكتي يا قمر... أنتِ روحي التي تسير على الأرض،" همس بصوت رخيم يسحر الألباب. "لقد خضتِ الحرب لأجلي، والآن، أقسم لكِ بكل قطرة دم تنزف مني، سأحرق العالم بأسره لتكوني آمنة. لن يقترب منكِ الخوف بعد اليوم." نهض ببطء، وساعدها على الوقوف. كان جسده يترنح قليلاً، لكن إرادته كانت صلبة كالفولاذ. خلع سترته المتبقية التي كانت ملفوفة حول خصره، وألبسها إياها لتدفئتها من زمهرير الليل. طوق خصرها بذراعه السليمة، مستنداً عليها بقدر ما يستند هو عليها روائياً وعاطفياً. سارا معاً نحو باب الكوخ المحطم، يخطوان فوق جثث الأعداء الذين سقطوا ضحية غضبه، كملكين يتوجان على عرش من الجماجم. كان المطر قد توقف، والغيوم انقشعت قليلاً لتسمح لضوء القمر الحقيقي بأن ينير طريقهما عبر الغابة. شعرت قمر لأول مرة منذ شهور بسلام داخلي حقيقي، باطمئنان يسري في عروقها رغم الخراب الذي يحيط بهما. لقد استعادت ذاكرتها، واستعادت حبيبها، واكتشفت أن حبها لم يكن خطيئة، بل كان أسمى درجات التضحية. لكن، وفي عالم تحكمه قوانين المافيا والخيانات المعقدة، لا تدوم لحظات السلام أكثر من أنفاس معدودة. بمجرد أن تجاوزا حدود الأشجار الكثيفة المحيطة بالكوخ، وقبل أن يصلا إلى حيث تنتظر سيارات الدفع الرباعي الخاصة برجاله، توقفت خطوات البطل فجأة، وتصلب جسده كمن ضُرب بصاعقة. شعرت قمر بتوتر عضلاته ينتقل إليها، فرفعت رأسها لتنظر إلى ما يحدق فيه. في منتصف الطريق الطيني، تحت أضواء المصابيح الأمامية للسيارات، لم يكن رجاله يقفون في انتظارهم كما توقع. كانت جثث حراسه النخبة مكدسة على جانبي الطريق بطريقة استعراضية بشعة. وفي وسط هذا المشهد المروع، كان هناك شخص يقف بهدوء مرعب، يرتدي بدلة بيضاء ناصعة تتناقض مع قذارة المكان، ويحمل مسدساً ذهبياً في يده. وعندما استدار ذلك الشخص ليواجههما بابتسامة هادئة ومألوفة جداً، توقف قلب قمر عن النبض، وسمعت البطل يهمس بجانبها بصوت يحمل صدمة لم تعهدها فيه أبداً: "أنت...؟ كيف يعقل هذا؟ لقد دفنتك بيدي منذ خمس سنوات!"وقف أمامها، يلهث قليلاً، رائحة الهواء البارد والليل مختلطة برائحته الرجولية الطاغية. لم ينطق بكلمة واحدة، بل اكتفى بتأملها من قمة رأسها وحتى أخمص قدميها، وعيناه تلتهمان كل تفصيلة فيها تحت ضوء القمر الشاحب الذي يتسلل من النافذة. كانت تبدو كإلهة إغريقية في ثوبها الزمردي الذي يعانق جسدها، وشعرها الأسود الفاحم المنسدل على كتفيها كشلال من الليل. لم تستطع تحمل المسافة التي تفصل بينهما، ولا الصمت الذي يلفهما. «أنت مجنون!» همست بصوت مختنق بالدموع والشوق، وهي تندفع نحوه وتضرب بقبضتيها الصغيرتين على صدره الصلب. «أنت زعيم أكبر إمبراطورية في العالم السفلي، وتتسلل من النافذة كالطائشين المراهقين؟ ماذا لو رآك حراسك؟ ماذا لو ظنوا أنك متسلل وأطلقوا النار؟ كيف تكسر قواعدك الأمنية التي وضعتها بنفسك؟».أمسك بقبضتيها اللتين تضربان صدره، وجذبهما إليه بقوة، ليثبتهما خلف ظهرها، مقرباً إياها حتى التصق جسدها النحيل بجسده الضخم. انحنى بوجهه نحوها، حتى لامست أنفاسه الحارة شفتيها المرتجفتين. «لتذهب القواعد الأمنية إلى الجحيم، ولتحترق تقاليد العائلات، وليفنى العالم بأسره إذا كان الثمن هو أن أقضي ليلة واحدة بعيداً
لم يكن الظلام الذي ابتلع قمر في تلك اللحظة مجرد انقطاع للتيار الكهربائي، بل كان ظلاماً حياً، يتنفس، ويزحف نحو رئتيها ليعتصر آخر ذرات الأكسجين فيهما. سعلت بعنف بينما كان الغاز الكيميائي اللاذع يتسرب من فتحات التهوية، يحرق حنجرتها ويغشي عينيها بدموع لا إرادية. جسدها الذي كان قبل ثوانٍ ينبض بنشوة التتويج، أصبح الآن يرتجف تحت وطأة فستان الزفاف الذي بدا وكأنه يضيق حول خصرها وعنقها كأفعى تعتصر فريستها. الرقاقة الإلكترونية الحمراء كانت لا تزال تومض على الأرض كعين شيطانية تراقب احتضارها، والقطعة القماشية السوداء التي تحمل شعار «المجلس الأعلى» بدت وكأنها تبتسم بسخرية من سذاجتها. حاولت الزحف نحو الباب الفولاذي، تضرب عليه بقبضتيها اللتين بدأتا تفقدان قوتهما، لكن صوت ضرباتها كان يضيع في الفراغ العازل للصوت. أغمضت عينيها، وبدأ وعيها يتلاشى، وفي تلك اللحظة التي استسلمت فيها فكرة الموت لتعانق روحها، اهتزت الأرض من تحتها.لم يكن صوتاً عادياً، بل كان انفجاراً أصم مزق طبلة الأذن، أعقبه تحطم الباب الفولاذي الذي اقتُلع من مفصلاته ليطير في الهواء ويسقط بجلجلة مرعبة. ومن وسط سحب الدخان الكثيف والغاز المتسر
كان الفستان تحفة فنية تتجاوز حدود الخيال، مزيجاً من الرقة الملائكية والفخامة الملكية. صُنع من الحرير الإيطالي الخالص بلونه الأبيض العاجي، والذي ينسدل بنعومة فائقة ليعانق منحنيات جسدها بدقة متناهية. الكورسيه العلوي كان مطرزاً يدوياً بخيوط الفضة الدقيقة وآلاف القطع من الألماس الحر وحبات اللؤلؤ الصافية، والتي صُفت لتشكل نقوشاً لأزهار برية متشابكة، تمتد من صدرها وتتلاشى تدريجياً نحو الخصر النحيل. الأكمام كانت طويلة ومصنوعة من الدانتيل الفرنسي الشفاف، الذي يزين ذراعيها كوشم أبيض دقيق، بينما كان الظهر مكشوفاً بشكل V عميق، يبرز بشرتها المرمرية الصافية، وينتهي بفيونكة حريرية ضخمة ينسدل منها ذيل الفستان الطويل جداً، والذي يمتد لعدة أمتار خلفها على السجاد المخملي كغيمة بيضاء تلامس الأرض. الطرحة كانت من التول الشفاف للغاية، مثبتة على شعرها الأسود الفاحم المرفوع جزئياً بتاج ألماسي صُمم خصيصاً ليحمل شعار عائلة حبيبها. كانت تنظر إلى انعكاسها في المرآة، بالكاد تتعرف على نفسها. لم تكن تلك الفتاة الخائفة، فاقدة الذاكرة، التي كانت تركض في الغابات؛ كانت تبدو وكأنها إمبراطورة متوجة، قوية، طاغية الأنوثة،
تلاشى صدى الصوت المشوه في أرجاء الجناح الملكي كأنه همسة شيطانية تبخرت في هواء الفجر البارد، مخلفاً وراءه صمتاً مرعباً يثقل الصدر ويخنق الأنفاس. وقف البطل جامداً كتمثال من الجرانيت الأسود، وعيناه الزمرديتان مثبتتان على الهاتف الفضائي والقلادة الفضية الملطخة بدماء والدته. «المجلس الأعلى»... الكلمة بحد ذاتها كانت تعتبر أسطورة في العالم السفلي، خرافة يتناقلها زعماء المافيا في جلساتهم المغلقة بخفوت، ككيان خفي يحكم العالم من وراء الستار، يصنع الملوك ويسقط الإمبراطوريات دون أن يترك أثراً. لقد ظن أنه وصل إلى قمة الهرم بقتله للزعيم الأكبر وإسقاطه لمؤسس الظل، لكنه الآن يدرك، وبمرارة لاذعة، أنه كان مجرد مصارع يقاتل في حلبة صغيرة، بينما يجلس سادة اللعبة الحقيقيون في المدرجات يراقبونه ببرود. سحق الهاتف الفضائي تحت كعب حذائه الثقيل حتى تحول إلى حطام دقيق، وانحنى ليلتقط قلادة والدته، قابضاً عليها بقوة حتى غاصت حوافها المعدنية في لحم كفه، لتختلط دماء الماضي بدماء الحاضر. التفت ببطء نحو السرير الدائري، حيث ترقد قمر غارقة في نوم عميق، أنفاسها هادئة، وملامحها الملائكية تفيض بسلام مؤقت. اقترب منها بخطوات
«أنتِ لستِ أسيرتي، ولستِ شريكتي فقط... أنتِ الملكة المطلقة لكل ما أملك، لكل حجر في هذا المكان، ولكل نبضة في هذا القلب المظلم. أوامركِ هي القانون، وغضبكِ هو العاصفة، ورضاكِ هو غايتي الوحيدة في هذا الوجود الجحيمي».أدمعت عيناها أمام هذا الاعتراف الذي يحمل استسلاماً تاماً من رجل لم يعرف الاستسلام يوماً. رفعت يديها وطوقت عنقه، ودفنت وجهها في صدره، لتستنشق عبير رجولته الطاغية الذي يختلط برائحة الانتصار. لم تكن هناك حاجة للكلمات، فالتلاحم الجسدي والروحي بينهما كان يروي ملحمة كاملة من العشق والولاء. انحنى وحملها بين ذراعيه كأنها أثمن جوهرة في الكون، وخطا بها خارج غرفة التحكم، متجهاً نحو الجناح الملكي الخاص بهما، الجناح الذي لم يطأه أحد سواه، والذي سيشهد الليلة طقوساً جديدة، طقوساً تعيد كتابة مفهوم الحب وسطوة العشق المتبادل.دخل بها الجناح الملكي الشاسع، الذي كان يجسد الفخامة المطلقة بأسلوب يجمع بين الغموض الكلاسيكي والرفاهية الحديثة. كانت الجدران مكسوة بالحرير الأسود والذهبي العتيق، تتوسط الغرفة سرير دائري ضخم مغطى بمفارش من المخمل القرمزي العميق الذي يحاكي لون الدماء والشغف. الأضواء كانت خا
ترددت أصداء كلمات القائد الميداني في فضاء الغابة المظلمة كتعويذة موت قديمة، لتسقط على روح قمر كجبل من الجليد السام الذي جمد الدماء في عروقها وأوقف نبض قلبها لثوانٍ بدت كأنها دهر كامل. «أبي... هو المؤسس؟ هو من أمر بالإبادة؟» همست بها شفتيها المرتجفتين وهي تتراجع ببطء، وكأن الأرض تحت قدميها قد تحولت إلى رمال متحركة تبتلع كل ذكرياتها، كل دموعها، وكل صلواتها التي رفعتها للسماء طوال عشر سنوات من الحداد الممزق. في تلك اللحظة السريالية، انشقت صفوف الحراس التابعين لفريق البطل، ليتقدم من بينهم رجل يسير بخطوات واثقة، هادئة، ومفعمة بغرور طاغٍ لا يتناسب أبداً مع هيئة السجين المقهور الذي رأته على الشاشة قبل دقائق. كان يرتدي بذلة سوداء أنيقة لا تشوبها شائبة، ووجهه الذي ظنته محفوراً بعذابات الأقبية كان يشع بنضارة قاسية، وعيناه... عيناه كانتا تحملان نفس البرود الجليدي الذي رأته في عيني الزعيم الأكبر، بل أشد فتكاً. كان هذا هو الرجل الذي بكت على قبره الفارغ، الرجل الذي شكل غيابه فجوة سوداء في روحها، يقف الآن أمامها حياً يُرزق، ليس كأب حنون عاد من الموت، بل كشيطان متجسد تربع على عرش الخراب الذي دمر حيات







