Home / الرومانسية / أسرني شيطاني المفضل / الفصل السابع والعشرين

Share

الفصل السابع والعشرين

last update publish date: 2026-08-26 05:22:28

انسدلت ستارة من الظلام اللزج الكثيف على وعيها، ظلام بارد يزحف تحت مسام بشرتها كديدان الجليد، يمتص ما تبقى من حرارة جسدها المنهك. لم تكن تدرك كم مر من الوقت منذ تلك اللحظة المفصلية في الغابة الموحشة؛ اللحظة التي التفتت فيها أصابعها المرتجفة حول مقبض المسدس البارد، وبينما كان ذلك العدو السادي يكمل عده التنازلي ضاحكاً، لم توجه الفوهة نحو قلب الرجل الذي تعشقه، بل صرخت بكل ما أوتيت من قوة ووجهت رصاصتها نحو جهاز التحكم الذي يحمله العدو. تناثرت شظايا البلاستيك والأسلاك في الهواء مع دوي الرصاصة، وانطلقت صرخة ألم من العدو، لكن قبل أن تلتف قمر لتسند جسد حبيبها المنهار، هوت على مؤخرة رأسها ضربة وحشية من سلاح صلب، ضربة قذفت بها في غياهب العدم، لتستيقظ الآن في هذا الجحيم الجديد. فتحت عينيها بصعوبة بالغة، فاستقبلتها رائحة العفن والرطوبة الخانقة التي تعبق في جدران كوخ خشبي مهجور، يتهاوى تحت وطأة الزمن والعزلة. كانت يداها مقيدتين خلف ظهرها بحبل خشن يمزق رسغيها مع كل محاولة بائسة للحركة، وقدماها مكبلتين بسلاسل حديدية صدئة متصلة بحلقة في الأرضية الخشبية المتعفنة. كان الكوخ يغرق في عتمة شبه كاملة، لا يكسرها سوى ضوء قمر شاحب، مريض، يتسلل عبر شقوق الألواح الخشبية المتآكلة، ليرسم خطوطاً فضية باهتة على الغبار المتطاير في الهواء.

تأوهت قمر بصوت مكتوم، وشعرت بطعم الدماء الجافة يغلف شفتيها. كان رأسها ينبض بألم أسطوري، وكأن مئات المسامير تُدق في جمجمتها مع كل خفقة من خفقات قلبها المضطرب. وفي خضم هذا الألم الجسدي المبرح، بدأ شيء مرعب ومدهش يحدث داخل تلافيف دماغها. الضربة العنيفة التي تلقتها على رأسها، مضافاً إليها الصدمة النفسية العميقة التي عاشتها في الساعات الماضية، لم تكن مجرد إصابة، بل كانت بمثابة زلزال سيكولوجي عنيف ضرب السد المنيع الذي كان يحجز ذكرياتها. بدأت الشظايا المتناثرة من ماضيها تتجمع، تتراقص أمام عينيها كفيلم سينمائي سريع ومحترق الأطراف. صور، أصوات، روائح، ومشاعر طمست لسنوات، بدأت تتدفق كطوفان لا يمكن إيقافه. رأت نفسها تجلس في غرفة مضاءة بشموع خافتة، تمسك بقلم حبر أسود، وورقة بيضاء مسطرة. رأت يديها وهي ترتجفان ليس من الخوف، بل من الإصرار الكاسح. تذكرت رائحة الحبر، وتذكرت الكلمات التي كانت تخطها بشراسة على الورق. كانت تكتب رسالة إلى سلافة، نعم، تلك الرسالة التي سمعتها عبر الهاتف المشفر في الجناح، لكن السياق... يا إلهي، السياق كان معكوساً تماماً!

اتسعت عيناها في الظلام، وبدأت أنفاسها تتلاحق في لهاث هستيري، بينما كانت شلالات الدموع الحارقة تنهمر على وجنتيها الملطختين بالتراب والدماء. لقد تذكرت كل شيء. الحقيقة الساطعة كشمس منتصف النهار ضربت روحها بقسوة لا ترحم. لم تكن يوماً خائنة تسللت لتدمير إمبراطورية زعيم المافيا الذي أحبته! لم تكن هي الأفعى التي اندست في فراشه لتلدغه! بل كانت هي الدرع، هي الجندية المجهولة، العاشقة المجنونة التي قررت اختراق صفوف أعدائه، صفوف ذلك الرجل السادي الذي يقود تنظيم الظل، لتدميره من الداخل. الكلمات التي كتبتها في رسالتها، "خطة تدمير إمبراطوريته من الداخل"، لم تكن تقصد بها إمبراطورية حبيبها، بل كانت تقصد إمبراطورية العدو الذي دمر عائلتها! لقد اكتشف العدو خطتها قبل أن تنفذها، وهو من دبر حادث السير المروع، وهو من تلاعب بعقلها أثناء غيبوبتها ليزرع فيها فكرة أنها هي الخائنة لحبيبها، ليحولها إلى سلاح مسلوب الإرادة يوجهه لقتل الرجل الوحيد الذي افتداها بروحه. الصراع النفسي الذي كان يمزقها طوال الساعات الماضية تبخر في الهواء، ليحل محله إحساس ساحق بالذنب والعشق. كم عذبته بشكوكها؟ كم نظرت إليه بخوف بينما كان هو ينزف لحمايتها؟ كيف طاوعتها نفسها أن تصدق، ولو للحظة، أن هذا الرجل الذي جعل من صدره درعاً لرصاصاتها هو الوحش الذي دمرها؟

بكت قمر بحرقة، نحيب مكتوم يمزق حنجرتها، ليس خوفاً من الموت في هذا الكوخ المهجور، بل رعباً من فكرة أنها قد لا تراه مجدداً لتخبره بالحقيقة. رعباً من أن يكون قد فارق الحياة في تلك الغابة الموحشة وهو يعتقد أنها تخلت عنه، أو الأسوأ، أن يعتقد أنها أطلقت الرصاصة عليه. "يا ظلي... يا نبضي المشوه... سامحني"، همست بين شهقاتها، وتلوت بجسدها محاولة فك القيود، لكن الحبال كانت تقطع لحمها دون رحمة. كانت تحتاج للعودة إليه، تحتاج لضم جرحه، لتقبيل الندوب التي رسمتها الحياة على روحه قبل جسده. كانت مستعدة لتمزيق هذه الحبال بأسنانها، لسلخ جلدها في سبيل الخروج من هذا القبر الخشبي.

وفي تلك الأثناء، في البقعة الملطخة بالدماء وسط الغابة الكثيفة، كان المشهد يجسد قيامة شيطان من رماد الجحيم. عندما سقطت قمر أرضاً إثر الضربة، فقد هو وعيه لثوانٍ معدودة بسبب النزيف الحاد والهبوط المفاجئ في الدورة الدموية، ثوانٍ كانت كافية لرجال العدو المتخفين لسحب جسدها الفاقد للوعي والاختفاء في عمق الغابة، تاركين إياه ملقى في الوحل معتقدين أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة. لكنهم ارتكبوا الخطيئة المميتة التي ستكلفهم أرواحهم؛ لقد قللوا من شأن غريزة البقاء لدى وحش جريح سُرقت منه أنثاه. استيقظ على قطرات المطر الباردة التي بدأت تنهمر بقسوة لتغسل الدماء عن وجهه. فتح عينيه الزمرديتين ببطء، وكانت الرؤية مشوشة في البداية، لكن بمجرد أن أدرك الفراغ المحيط به، وبمجرد أن تلمست أصابعه الوحل البارد ولم تجد أثراً لجسدها الدافئ، تحول ذلك الرجل المنهار إلى قوة طبيعية مدمرة لا تعترف بقوانين الطب أو الفيزياء.

زمجر بصوت زلزل أوراق الأشجار، زئير ألم وغضب ووعيد لم تسمع الغابة مثله من قبل. تحامل على جسده الممزق، ودفع نفسه عن الأرض متجاهلاً الرصاصة التي لا تزال تستقر في كتفه الأيسر، متجاهلاً الدماء التي تنزف كينبوع أسود في الليل. لم يكن يشعر بالألم الجسدي، بل كان يشعر بفجوة سوداء ابتلعت روحه بانعدام وجودها. في تلك اللحظة، وصلت فرقة النخبة من رجاله، مدججين بأحدث الأسلحة، بعد أن تمكنوا من اختراق التشويش والوصول إلى إحداثياته. ركض قائد حراسه نحوه بلهفة محاولاً مساندته، وطلب المسعفين عبر جهاز الاتصال، لكن البطل رمقه بنظرة جعلت الدماء تتجمد في عروق الحارس. لم ينطق بكلمة واحدة، بل مد يده السليمة وانتزع بندقية هجومية آلية وسكيناً تكتيكياً من حزام الحارس. كان وجهه خالياً من أي تعبير بشري؛ لقد اختفى العاشق المتألم، وعاد زعيم المافيا، الآلة القاتلة التي لا ترحم، الوحش الكاسر الذي تروى الحكايات المرعبة عن قسوته.

بدأ يقتفي أثرهم في الغابة كذئب متمرس. كان المطر يهطل بغزارة، يغسل الدماء ويطمس الآثار، لكن حواسه كانت موجهة بنبض قلبها الذي كان يشعر به ينبض في عروقه هو. لم يطل الأمر حتى لمح من بعيد أضواء خافتة تنبعث من محيط كوخ مهجور في عمق الوادي. كان المكان محاطاً بحراس مسلحين يرتدون معاطف سوداء، يقفون كتماثيل الموت في انتظار الأوامر. لم يضع خطة تكتيكية، ولم ينتظر رجاله ليتخذوا مواقعهم، ولم يعبأ بكونه مصاباً وينزف. تقدم بخطوات ثابتة، صامتة، ومميتة. في مشهد سينمائي مظلم، تتراقص فيه قطرات المطر مع ومضات البرق، انقض على الحارس الأول من الخلف. بحركة سريعة كالكوبرا، لف ذراعه السليمة حول عنقه، وبحركة واحدة قاسية ومكتومة، كسر عنقه قبل أن يخرج منه حرف واحد. ترك الجثة تسقط في الوحل بصمت، وتقدم نحو الاثنين الآخرين. قبل أن يلتفتا، كانت بندقيته قد بصقت رصاصتين صامتتين من كاتم الصوت، استقرتا بدقة جراحية في منتصف جبهتيهما.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثاني والأربعين

    وقف أمامها، يلهث قليلاً، رائحة الهواء البارد والليل مختلطة برائحته الرجولية الطاغية. لم ينطق بكلمة واحدة، بل اكتفى بتأملها من قمة رأسها وحتى أخمص قدميها، وعيناه تلتهمان كل تفصيلة فيها تحت ضوء القمر الشاحب الذي يتسلل من النافذة. كانت تبدو كإلهة إغريقية في ثوبها الزمردي الذي يعانق جسدها، وشعرها الأسود الفاحم المنسدل على كتفيها كشلال من الليل. لم تستطع تحمل المسافة التي تفصل بينهما، ولا الصمت الذي يلفهما. «أنت مجنون!» همست بصوت مختنق بالدموع والشوق، وهي تندفع نحوه وتضرب بقبضتيها الصغيرتين على صدره الصلب. «أنت زعيم أكبر إمبراطورية في العالم السفلي، وتتسلل من النافذة كالطائشين المراهقين؟ ماذا لو رآك حراسك؟ ماذا لو ظنوا أنك متسلل وأطلقوا النار؟ كيف تكسر قواعدك الأمنية التي وضعتها بنفسك؟».أمسك بقبضتيها اللتين تضربان صدره، وجذبهما إليه بقوة، ليثبتهما خلف ظهرها، مقرباً إياها حتى التصق جسدها النحيل بجسده الضخم. انحنى بوجهه نحوها، حتى لامست أنفاسه الحارة شفتيها المرتجفتين. «لتذهب القواعد الأمنية إلى الجحيم، ولتحترق تقاليد العائلات، وليفنى العالم بأسره إذا كان الثمن هو أن أقضي ليلة واحدة بعيداً

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الحادي والأربعون

    لم يكن الظلام الذي ابتلع قمر في تلك اللحظة مجرد انقطاع للتيار الكهربائي، بل كان ظلاماً حياً، يتنفس، ويزحف نحو رئتيها ليعتصر آخر ذرات الأكسجين فيهما. سعلت بعنف بينما كان الغاز الكيميائي اللاذع يتسرب من فتحات التهوية، يحرق حنجرتها ويغشي عينيها بدموع لا إرادية. جسدها الذي كان قبل ثوانٍ ينبض بنشوة التتويج، أصبح الآن يرتجف تحت وطأة فستان الزفاف الذي بدا وكأنه يضيق حول خصرها وعنقها كأفعى تعتصر فريستها. الرقاقة الإلكترونية الحمراء كانت لا تزال تومض على الأرض كعين شيطانية تراقب احتضارها، والقطعة القماشية السوداء التي تحمل شعار «المجلس الأعلى» بدت وكأنها تبتسم بسخرية من سذاجتها. حاولت الزحف نحو الباب الفولاذي، تضرب عليه بقبضتيها اللتين بدأتا تفقدان قوتهما، لكن صوت ضرباتها كان يضيع في الفراغ العازل للصوت. أغمضت عينيها، وبدأ وعيها يتلاشى، وفي تلك اللحظة التي استسلمت فيها فكرة الموت لتعانق روحها، اهتزت الأرض من تحتها.لم يكن صوتاً عادياً، بل كان انفجاراً أصم مزق طبلة الأذن، أعقبه تحطم الباب الفولاذي الذي اقتُلع من مفصلاته ليطير في الهواء ويسقط بجلجلة مرعبة. ومن وسط سحب الدخان الكثيف والغاز المتسر

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الأربعون

    كان الفستان تحفة فنية تتجاوز حدود الخيال، مزيجاً من الرقة الملائكية والفخامة الملكية. صُنع من الحرير الإيطالي الخالص بلونه الأبيض العاجي، والذي ينسدل بنعومة فائقة ليعانق منحنيات جسدها بدقة متناهية. الكورسيه العلوي كان مطرزاً يدوياً بخيوط الفضة الدقيقة وآلاف القطع من الألماس الحر وحبات اللؤلؤ الصافية، والتي صُفت لتشكل نقوشاً لأزهار برية متشابكة، تمتد من صدرها وتتلاشى تدريجياً نحو الخصر النحيل. الأكمام كانت طويلة ومصنوعة من الدانتيل الفرنسي الشفاف، الذي يزين ذراعيها كوشم أبيض دقيق، بينما كان الظهر مكشوفاً بشكل V عميق، يبرز بشرتها المرمرية الصافية، وينتهي بفيونكة حريرية ضخمة ينسدل منها ذيل الفستان الطويل جداً، والذي يمتد لعدة أمتار خلفها على السجاد المخملي كغيمة بيضاء تلامس الأرض. الطرحة كانت من التول الشفاف للغاية، مثبتة على شعرها الأسود الفاحم المرفوع جزئياً بتاج ألماسي صُمم خصيصاً ليحمل شعار عائلة حبيبها. كانت تنظر إلى انعكاسها في المرآة، بالكاد تتعرف على نفسها. لم تكن تلك الفتاة الخائفة، فاقدة الذاكرة، التي كانت تركض في الغابات؛ كانت تبدو وكأنها إمبراطورة متوجة، قوية، طاغية الأنوثة،

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل التاسع والثلاثون

    تلاشى صدى الصوت المشوه في أرجاء الجناح الملكي كأنه همسة شيطانية تبخرت في هواء الفجر البارد، مخلفاً وراءه صمتاً مرعباً يثقل الصدر ويخنق الأنفاس. وقف البطل جامداً كتمثال من الجرانيت الأسود، وعيناه الزمرديتان مثبتتان على الهاتف الفضائي والقلادة الفضية الملطخة بدماء والدته. «المجلس الأعلى»... الكلمة بحد ذاتها كانت تعتبر أسطورة في العالم السفلي، خرافة يتناقلها زعماء المافيا في جلساتهم المغلقة بخفوت، ككيان خفي يحكم العالم من وراء الستار، يصنع الملوك ويسقط الإمبراطوريات دون أن يترك أثراً. لقد ظن أنه وصل إلى قمة الهرم بقتله للزعيم الأكبر وإسقاطه لمؤسس الظل، لكنه الآن يدرك، وبمرارة لاذعة، أنه كان مجرد مصارع يقاتل في حلبة صغيرة، بينما يجلس سادة اللعبة الحقيقيون في المدرجات يراقبونه ببرود. سحق الهاتف الفضائي تحت كعب حذائه الثقيل حتى تحول إلى حطام دقيق، وانحنى ليلتقط قلادة والدته، قابضاً عليها بقوة حتى غاصت حوافها المعدنية في لحم كفه، لتختلط دماء الماضي بدماء الحاضر. التفت ببطء نحو السرير الدائري، حيث ترقد قمر غارقة في نوم عميق، أنفاسها هادئة، وملامحها الملائكية تفيض بسلام مؤقت. اقترب منها بخطوات

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثامن والثلاثون

    «أنتِ لستِ أسيرتي، ولستِ شريكتي فقط... أنتِ الملكة المطلقة لكل ما أملك، لكل حجر في هذا المكان، ولكل نبضة في هذا القلب المظلم. أوامركِ هي القانون، وغضبكِ هو العاصفة، ورضاكِ هو غايتي الوحيدة في هذا الوجود الجحيمي».أدمعت عيناها أمام هذا الاعتراف الذي يحمل استسلاماً تاماً من رجل لم يعرف الاستسلام يوماً. رفعت يديها وطوقت عنقه، ودفنت وجهها في صدره، لتستنشق عبير رجولته الطاغية الذي يختلط برائحة الانتصار. لم تكن هناك حاجة للكلمات، فالتلاحم الجسدي والروحي بينهما كان يروي ملحمة كاملة من العشق والولاء. انحنى وحملها بين ذراعيه كأنها أثمن جوهرة في الكون، وخطا بها خارج غرفة التحكم، متجهاً نحو الجناح الملكي الخاص بهما، الجناح الذي لم يطأه أحد سواه، والذي سيشهد الليلة طقوساً جديدة، طقوساً تعيد كتابة مفهوم الحب وسطوة العشق المتبادل.دخل بها الجناح الملكي الشاسع، الذي كان يجسد الفخامة المطلقة بأسلوب يجمع بين الغموض الكلاسيكي والرفاهية الحديثة. كانت الجدران مكسوة بالحرير الأسود والذهبي العتيق، تتوسط الغرفة سرير دائري ضخم مغطى بمفارش من المخمل القرمزي العميق الذي يحاكي لون الدماء والشغف. الأضواء كانت خا

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل السابع والثلاثون

    ترددت أصداء كلمات القائد الميداني في فضاء الغابة المظلمة كتعويذة موت قديمة، لتسقط على روح قمر كجبل من الجليد السام الذي جمد الدماء في عروقها وأوقف نبض قلبها لثوانٍ بدت كأنها دهر كامل. «أبي... هو المؤسس؟ هو من أمر بالإبادة؟» همست بها شفتيها المرتجفتين وهي تتراجع ببطء، وكأن الأرض تحت قدميها قد تحولت إلى رمال متحركة تبتلع كل ذكرياتها، كل دموعها، وكل صلواتها التي رفعتها للسماء طوال عشر سنوات من الحداد الممزق. في تلك اللحظة السريالية، انشقت صفوف الحراس التابعين لفريق البطل، ليتقدم من بينهم رجل يسير بخطوات واثقة، هادئة، ومفعمة بغرور طاغٍ لا يتناسب أبداً مع هيئة السجين المقهور الذي رأته على الشاشة قبل دقائق. كان يرتدي بذلة سوداء أنيقة لا تشوبها شائبة، ووجهه الذي ظنته محفوراً بعذابات الأقبية كان يشع بنضارة قاسية، وعيناه... عيناه كانتا تحملان نفس البرود الجليدي الذي رأته في عيني الزعيم الأكبر، بل أشد فتكاً. كان هذا هو الرجل الذي بكت على قبره الفارغ، الرجل الذي شكل غيابه فجوة سوداء في روحها، يقف الآن أمامها حياً يُرزق، ليس كأب حنون عاد من الموت، بل كشيطان متجسد تربع على عرش الخراب الذي دمر حيات

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status