FAZER LOGINمرّ أسبوعان كاملان على انقشاع كابوس "رأفت المنشاوي" الغابر، أسبوعان تبدلت فيهما موازين القوى داخل السوق المصري، واهتزت لهما أركان البورصة التي بقيت تسجل صعوداً قياسياً ومستمراً لأسهم عائلة "الراوي" عقب تصفية الحيتان والمنافسين التقليديين الذين ظنوا يوماً أن جدار العائلة قد شُطب أو انكسر. في بهو القصر الأرستقراطي المهيب بجاردن سيتي، غمرت الطمأنينة الردهات العتيقة، وبدأت الحياة تتنفس بنقاءٍ كامل بعد غياب الأقنعة المزيفة والنفوس الحاقدة التي طُردت إلى غير رجعة؛ حيث استقرت "شاهيناز هانم" في منفاها الإجباري بمزارع الفيوم تحت رقابة صارمة، بينما كان "طارق" و"شاكر الجويلي" وابنته "ميرا" يواجهون مصيرهم المحتوم خلف جدران الزنازين المغلقة بانتظار أحكام النيابة الكلية.
في الجناح الرئيسي العلوي للقصر، كانت نسمات الصباح الباكر لليوم الأول لعودة "مالك" الرسمية لإدارة شؤون الإمبراطورية تتسلل بنعومة فائقة من بين الشقوق الطفيفة للستائر المخملية الثقيلة، لترسم خطوطاً ذهبية دافئة فوق الفراش الملكي الفسيح. كانت الأجواء عابقة بعبير عطر الأوركيد والياسمين البري الذي يفوح من جسد "تولين" المستلقية برقتها المعهودة، وشعرها الحريري الداكن منفرط بعشوائية ساحرة فوق ذراع "مالك" العريضة القوية. كان نومها هادئاً، مستكيناً، يحمل ملامح السلام المطلق الذي لم تعرفه منذ أن كانت طفلة تراقب جفاء رجلها من خلف حوض الورد.
بجانبها، كان "مالك" مستيقظاً منذ ساعة الفجر الأولى. لم يكن جسده المرهق أو عقله المخطط ليعرفا طعم النوم الطويل؛ فالألم الطفيف الذي كان يعاوده أحياناً في موضع بتر ساقه اليمنى لم يعد يمثّل له دليلاً على العجز البشري، بل بات بمثابة وقود يشعل نيران عناده وجبروته ليثبت للسوق بأنه ما زال "سيد الوجع" وملك الإمبراطورية المطلق. امتدت أصابعه الطويلة لتمسح على وجنة "تولين" الشاحبة برقة بالغة وحنان حارق، ودندن بصوته الجهوري المنخفض كلمات عشق دافئة أقسم في سره ألا يحرمها منها بعد اليوم. لقد تيقن "مالك" أن هذه الأنثى الرقيقة التي ساندت صدره العريض وحمت روحه من رصاص الغدر في المخزن الصحراوي، هي الحصن الحقيقي والوحيد الذي يستحق التضحية.
اعتدل "مالك" في جلسته ببطء شديد مستنداً على ذراعه، وتناول عصاه الأبنوسية الفخمة ذات المقبض الفضي المصمت المطعم بالماس المستقرة بجانب الفراش. وقف على قدميه بثبات أشد، ورغم الألم، كان يرفض إظهار أي ضعف أمام زوجته وشريكة عمره. ارتدى ملابسه الرسمية؛ حُلة سوداء كلاسيكية بالغة الأناقة صُممت خصيصاً لتناسب هيئته القوية ومظهره القيادي الجديد، وصفف شعره بعناية، ثم انحنى ليطبع قبلة حانية طويلة وعميقة فوق جبين "تولين" المغمضة العينين، قبل أن يتحرك بخطوات متزنة تضرب الأرضية الرخامية بإيقاع حازم متوجهاً نحو الطابق السفلي حيث كان "ياسين" و"عاصم بيه" في انتظاره.
داخل غرفة المكتب السفلي الفخم، القابع خلف جدران الماهوجني الداكن والرفوف الممتدة بأمهات الكتب الرسمية، كانت الأجواء مشحونة بنوع آخر من الترقب العملي الصارم. كان "عاصم الراوي" يجلس بوقاره المعتاد واضعاً يديه فوق مقبض عصاه الكلاسيكية، وبجانبه "ياسين" الذي كان يراجع بعض الأوراق والملفات المالية الجديدة وعلامات التوتر ترتسم على وجهه المرح.
دخل "مالك" وضغط بعصاه على الرخام ليعلن وجوده وجاهزيته، وقال بنبرة حادة وصارمة اخترقت سكون الغرفة:
— صباح الخير يا جماعة. عمي عاصم.. ياسين.. أنا جاهز للتحرك للشركة النهارده. آسر كلمني من الميناء من نص ساعة وطمنّي إن الشحنة المهربة اللي رأفت الكلب كان راسمها باسمنا تم مصادرتها بالكامل بالتنسيق مع الأجهزة السيادية، واسم "الراوي" خرج بريء وبشهادة رسمية من وزارة الداخلية.
وقف "ياسين" وتقدم نحو شقيقه الأكبر بابتسامة فخر حقيقية:
— صباح النور يا عريسنا.. والحمد لله على السلامة. الشغل بره مستقر بالكامل، والبورصة مسجلة صعود تاريخي لأسهمنا بعد إعلان القبض على رأفت المنشاوي وتطهير قطاع النقل والجمارك.. بس في ملف جديد ظهر الصبح على مكتب الإدارة العامة ومحتاج فحص دقيق منك بنفسك. في مجموعة استثمارية دولية مجهولة الهوية مسجلة بره مصر باسم "حصون الشرق"، بدأت تشتري حصص وأسهم صغيرة من صغار المستثمرين في شركاتنا ببطء شديد ومن ورا ضهرنا طوال الأيام الثلاثة اللي فاتت.. النسبة لحد دلوقتي مش كبيرة، يادوب 3%، بس التحرك ده مش مريحني وحاسس إن في أفاعي جديدة بتحاول تحفر تحت جدار القصر في غيابنا.
ضيق "مالك" عينيه الصقريتين ببريق غاضب ومحمل بالوعيد، واستند بكامل ثقله على عصاه الفخمة:
— 3% في تلات أيام ومن ورا ضهرنا؟! يعني في حد لسه بيلعب في الخفاء وفاكر إن غياب طارق ورأفت هيسيب السوق فاضي ليه! ياسين.. الملف ده يتم فصحه بالورقة والقلم، وآسر أول ما يرجع من الإسكندرية يتولى تتبع الحسابات البنكية للمجموعة دي بره وجوه مصر.. اللي بيفكر يلعب مع مالك الراوي الليلة دي، مش عارف إن الأسد لما بيفقد جزء من جسمه، بيبقى نابه أشد شراسة وقطاع لرقابين الكلاب.
تحدث "عاصم الراوي" بصوته الرخيم المهيب، ووقف مستنداً على عصاه ونظر لابن أخيه باحترام تام:
— تحركك النهارده للشركة يا مالك خطوة ممتازة ولازم تكون بقوة وجبروت يهز السوق.. لكن بلاش تخلي الشغل يعميك عن بيتك وعن تولين.. البنت صانتك بدمها، وحقها عليك تكون ليها الزوج والأمان اللي يحميها من برد الدنيا.. الشغل هيروح وييجي، بس نقاء تولين لو ضاع مش هتعوضه بمليارات السوق كلها.
نظر "مالك" لعمه بثبات ونبرة دافئة:
— متقلقش يا عمي.. تولين بقت هي الإمبراطورية الحقيقية اللي بحارب عشانها، واليوم اللي هيعدي من غير ما أكون ليها السند والوجع الشافي، مش محسوب من عمري.. أنا هتحرك للشركة دلوقتي مع ياسين، ومش هأخر بره القصر.
وفي غضون ساعتين، وفي الطابق العلوي للقصر.. استيقظت "تولين" ببطء على نغمات زقزقة العصافير في الحديقة بالأسفل. التفتت بجسدها فلم تجد "مالك" بجانبها، لكن وسادته كانت ما تزال تحمل عطر رجولته القوي الدافئ. ابتسمت برقة ونقاء أضاء وجهها الساحر، ونهضت ترتدي فستاناً كلاسيكياً ناعماً بلون أزرق سماوي يبرز رقة جسدها وعينيها الواسعتين اللامعتين ببريق السعادة الجديدة.
نزلت إلى البهو السفلي الفسيح، لتجد شقيقتها "ليان" ووالدتها السيدة "فريدة" تجلسان في ردهة الطعام وبجانبهما باقات زهور الياسمين التي تفوح برائحة زكية ملأت المكان. اقتربت منهما بابتسامة خجولة:
— صباح الخير يا ماما.. صباح الخير يا ليونتي.
قامت "ليان" بسرعة واحتضنتها بحنان وفرحة عارمة:
— يا صباح الفل والنور على أحلى وأجمل عروسة في الدنيا! طمنيني عنك يا توتة وعن أحوالك.. مالك باشا صحي من الفجر ونزل الشغل مع ياسين وبابا كأنه رايح يفتح عكا برجليه الحديد دي! ما شاء الله عليه، الهيبة والجبروت بتوعه رجعوا أشد من الأول والفيلا كلها كانت بتهتز تحت صوت عصايته الفخمة دي!
جلست "تولين" ووضعت يدها على وجنتها بخجل تلونت معه بشرتها الوردية:
— مالك طبعه كدا يا ليان.. الشغل والمسؤولية في دمه، وأنا مش عايزة أقف في طريقه أو أحسسه للحظة إن وجودي جنبه بيعطله عن نجاحه.. المهم عندي إنه يكون مرتاح، والجرح اللي في رجله وفي قلبه بسبب خيانة أمه يخف تماماً.. أنا هكون دايماً السند والراحة اللي بيلجألها لما يتعب من وحوش السوق بره.
قالت السيدة "فريدة" بنبرة حانية وممتنة:
— ربنا يسعدك ويهدي سرك معاه يا بنتي.. مالك راجل وصانك وعوضك عن كل ليلة بكيتي فيها بجوار حوض الورد.. بس خليكي صاحية وفاتحة عينيكي دايماً، عالم رجال الأعمال ده مبيتصفاش، والكلاب بره بيموتوا من نجاح عيلتنا.. صوني جوزك وبلاش تخلي حد يدخل بينكم تاني بعد ما الأقنعة كلها سقطت.
طمأنتها "تولين" برقة وهي تداعب أوراق وردة بيضاء موضوعة على المائدة:
— متقلقيش يا ماما.. طالما إيدي في إيد مالك، مفيش مخلوق في الدنيا دي هيقدر يمس شعرة من بيتنا أو يهد حصون حبنا تاني.. إحنا اتعمدنا بالوجع والمؤامرات، والحب الصادق هو اللي كسب في النهاية.
عند الساعة الواحدة ظهراً.. في المقر الرئيسي لشركات "الراوي" بوسط العاصمة..
وصلت السيارات السوداء المصفحة الفارهة، وانفتح الباب ليخرج "مالك الراوي" بكامل هيبته وجبروته الأرستقراطي الطاغي. كان يستند على عصاه الأبنوسية الفخمة بيده اليمنى، ويخطو بخطوات بطيئة لكنها ثابتة، قوية، تصدر منها نبرة حازمة فوق أرضية الرخام اللامع للبرج الزجاجي ناطح السحاب. اصطف الموظفون والمديرون ورؤساء مجالس الإدارات الفرعية على الجانبين، ينحنون باحترام ممزوج بالهيبة والخوف الحقيقي؛ فقد ظن الكثيرون في السوق أن بتر ساقه اليمنى سيجعله منكسراً أو متوارياً عن الأنظار، لكن ظهوره المفاجئ بحُلتة السوداء وعينيه الصقريتين الحادتين أثبت للجميع أن الأسد قد عاد لعرينه أشد ضراوة وجبروتاً مما كان عليه قبل الحادث.
دلَف "مالك" إلى مكتبه الفخم، وجلس خلف طاولة العمل الضخمة، ووضع عصاه بجانبه لتستند على الجلد الفاخر للمقعد. لم تكد تمر ساعة من مراجعة البنود المالية والحسابات مع ياسين، حتى طُرِق الباب بديرية ودخل السكرتير الخاص بوجه شاحب وعينين متسعتين بقلق واضح، وقدم لمالك بطاقة عمل معدنية سوداء فاخرة مطبوعة بخط مذهب بارز:
— مالك باشا.. في سيدة أعمال عربية بره طالبة تقابل حضرتك فوراً وبشكل شخصي مستعجل.. بتقول إنها رئيسة مجلس إدارة مجموعة "حصون الشرق" الاستثمارية الدولية، وإنها جاية تقدم لحضرتك عرض شراكة مش هتقدر ترفضه لو عايز تحمي شركاتك من الانهيار في البورصة بكره الصبح.. مش راضية تتكلم مع حد من السكرتارية ومصّرة تدخل لحضرتك حالا.
تصلب جسد "مالك" تماماً، وتلاقت نظراته الحادة مع نظرات شقيقه "ياسين" المصدومة. ضيق "مالك" عينيه ببريق صقري غاضب ومحمل بقمة التحدي؛ فالأفعى الخفية التي كانت تشتري الأسهم طوال الأيام الثلاثة الماضية قد كشفت عن وجهها وقررت الدخول لعقر داره بنفسها وفي أول يوم لعودته!
قبض "مالك" على البطاقة المعدنية السوداء بيده اليسرى بقوة كادت تطحنها، وقال بصوت جهوري تملأه الصرامة والبرود القاتل:
— خليها تدخل حالا يا ياسين.. وخلي رجالة الأمن واقفين بره الممر.. خلينا نشوف الأفعى الجديدة دي مين اللي مشغلها وفاكر إنه يقدر يلوي ذراع مالك الراوي في مكتبه!
انفتح الباب الخشبي الثقيل للمكتب ببطء وثبات، ودلفت منه امرأة في أواخر الثلاثينات من عمرها، تفيض بالأناقة الأرستقراطية الطاغية؛ ترتدي حُلة رسمية بيضاء فاخرة، وشعرها الأسود الداكن مرفوع بعناية كلاسيكية، وتضع نظارات شمسية سوداء نزعتها برقة لتكشف عن عينين حادتين كالجمر وابتسامة مكر وثعلبية غلفت وجهها الجذاب. تقدمت بخطوات واثقة، تتمايل بكبرياء ترفُّعي، وجلست على المقعد المخملي المقابل لمكتب مالك دون انتظار دعوة، ونظرت إلى العصا الأبنوسية المستقرة بجانبه بنظرة شماتة مبطنة، ثم قالت بصوت أجش يحمل فحيح الأفاعي:
— أهلاً أهلاً مالك باشا الراوي.. ألف مبروك على الجواز الأسطوري، والحمد لله على سلامتك بعد الحادثة المأساوية اللي هزت السوق.. ما شاء الله، رجعت لمكتبك بكامل شياكتك وجبروتك.. بس واقـ.. أقصد قاعد بعصايتك الفخمة دي كأنك لسه ملك السوق ومفيش مخلوق يقدر يهز عرشك.
لم تحرك كلمات المرأة المستفزة شعرة واحدة في وجه مالك الرخامي الصارم؛ بل مال بجسده القوي للأمام، ونظر في عينيها مباشرة ببرود قاتل جمد الدماء في العروق، وقال بنبرة حادة كالشفرة:
— أنا معنديش وقت للمجاملات الرخيصة ولا للكلام الفاضي في مكتب الشغل يا مدام.. شركات الراوي مش مكان للاستعراض. اتكلمي دغري وهاتي اللي عندك.. مين انتي؟ وإيه هي مجموعة "حصون الشرق" دي اللي بتلعب في الخفاء وتشتري أسهم من ورا ضهري طوال تلات أيام؟ ومين الحوت اللي مشغلك وجايبك لحد هنا فاكر إنه يقدر يهد حصوني؟
اتسعت ابتسامة المرأة الخبيثة، ووضعت حقيبتها الجلدية الفاخرة فوق المكتب، وقالت بثقة تامة تفيض بالمكر الشيطاني:
— أنا اسمي "كارما السيوفي".. رئيسة مجلس إدارة مجموعة حصون الشرق الدولية.. ومظنش إن في حد مشغلني يا مالك باشا، أنا اللي بدير اللعبة دي بنفسي ولحسابي الخاص. الـ 3% اللي اشتريناهم طوال الأيام اللي فاتت كانوا مجرد جس نبض للسوق ولجبروتك.. وجاية النهارده أقدم لك عرض شراكة ودي؛ مجموعتنا مستغلة أوراق وثبوتيات قديمة وخطيرة كانت في مكاتب "رأفت المنشاوي" قبل ما يتم القبض عليه، المستندات دي بتثبت إن في ثغرات قانونية ومالية ضخمة في قطاع النقل والاتصالات لشركاتكم، ولو الأوراق دي اتسلمت لهيئة الرقابة المالية بكره الصبح، أسهم عيلة الراوي هتهبط للصفر والشركة هتدخل في حظر دولي يمنعكم من الشغل بالمليم!
تصلبت ملامح "مالك" واشتعلت عيناه بنيران الغضب العارم، لكنه حافظ على ثباته المخيف، وتابعت "كارما" بخبث أشد وقسوة لا ترحم:
— العرض بتاعي بسيط جداً.. مجموعة حصون الشرق تشتري 25% من أسهم إدارة عيلة الراوي بالثمن الفعلي القديم، وبالمقابل المستندات دي هتتحرق قدام عينيك والشركة هتفضل نظيفة ومحمية بوجودنا.. فكر كويس يا عريس، كبرياءك الأعمى وعصايتك دي مش هينفعوك لو شركاتك أعلنت الإفلاس والكلابشات اتلفت حوالين رقبتك ورقبة عمك عاصم بتهمة التلاعب المالي الدولي! العرض ده صالح لحد غروب الشمس النهارده بس، والنهاية هتنكتب بإيدك لو رفضت!
قام "مالك الراوي" من مقعده فجأة بحركة حازمة، دوت معها ضربة عصاه الأبنوسية على الرخام بقوة أحدثت رنيناً مرعباً في جدران المكتب. وقف بكامل طوله وجبروته الأرستقراطي الطاغي، واقترب من طرف المكتب ليقف فوق رأس "كارما السيوفي" كالقاضي الغاضب، ونظر في عينيها مباشرة بصوت جهوري زلزل أركان البرج الزجاجي:
— اسم الراوي وإمبراطوريته مبيتهددوش من أشكال الحشرات الخائنة اللي زيك يا كارما!! رأفت المنشاوي وطارق وشاكر كانوا حيتان ومرميين في السجون دلوقتي وهيتم إعدامهم، والملفات اللي بتتكلمي عنها دي لو فيها مسمار واحد حقيقي يمس شرفي وشغل عيلتي، أنا بنفسي اللي هقدمه للمحكمة! شركات الراوي قايمة على الأصول والنقاء الصادق، والكلب اللي باعتك وفاكر إنه يقدر يلوى دراع مالك الراوي عشان ياخد حصة من دمي، هيكون حفر قبره بمليون مليم! اطلعي بره مكتبي حالا.. وقولي للي وراكي إن الأسد لسه واقف بطوله، والإمبراطورية دي هتدفنكم كلكم قبل ما تتهز شعرة واحدة من حصون حبنا وشغلنا!!
انتفضت "كارما السيوفي" واقفة وتغير لون وجهها الجذاب للون الأحمر العنيف من شدة الغيظ والذهول من قوته وجبروته الذي لم تكسره الإعاقة الجسدية، ونظرت إليه بوعيد مرعب وفحيح قاتل:
— ماشي يا مالك باشا.. أنت اللي اخترت الخراب لنفسك ولعيلتك بكبرياءك الأعمى وغرورك ده! غروب الشمس النهارده هيكون ليلتك الأخيرة في الحرية والسيادة، وبكره الصبح لما تلاقي شركاتك في الحضيض والبوليس الدولي مستنيك بره البوابة، متجيش تعيط وتطلب الأمان.. نهايتك قربت والمرة دي مش تلاقي "تولين" تنقذك من الجحيم اللي هيحرقكم كلكم!
خرجت "كارما السيوفي" من المكتب وأغلقت الباب خلفها بعنف أحدث صداً مدوياً مخيفاً في الأركان.. بينما بقي "مالك" واقفاً بمفرده يستند على عصاه بقلب ينبض بالغضب العارم وعقل يخطط للمواجهة الدامية القادمة، وتيقن في تلك اللحظة الحرجة والحابسة للأنفاس أن الفخ الدولي الجديد أشد قسوة وضراوة، وأن حرباً شعواء بانتظاره لحماية شرفه، واسمه، وعشقه الجارف لـ "تولين" التي باتت حياته كلها!
مع أول شعاع لضياء الصباح، استيقظت العاصمة على قرع طبول حرب مالية طاحنة لم تشهدها دهاليز البورصة المصرية من قبل. كانت المكاتب الفخمة لشركات "الراوي" في وسط القاهرة تبدو كخلية نحل حربية؛ الموظفون يتحركون في الممرات بسرعة لاهثة، وشاشات العرض الكبيرة المعلقة في ردهة الإدارة العامة تومض باللون الأحمر الصاخب، معلنة عن تراجع تدريجي ومفاجئ لأسهم المجموعة مع الدقائق الأولى لافتتاح جلسة التداول. كان هناك تدفق مريب لأوامر بيع مكثفة وبأسعار بخسة، مصدرها محافظ استثمارية تابعة بشكل غير مباشر لمجموعة "حصون الشرق" الدولية بقيادة كارما السيوفي، بهدف إحداث حالة من الذعر والهلع بين صغار المستثمرين لدفعهم إلى التخلص من أسهمهم وتدمير القيمة السوقية للإمبراطورية.داخل المكتب الرئيسي، كان "مالك الراوي" يجلس خلف طاولة العمل الضخمة بكامل هيبته وجبروته الأرستقراطي الطاغي. لم يكن يرتدي بدلة كلاسيكية عادية، بل اختار حُلة سوداء قاتمة من قماش فاخر يبرز قوة جسده المفرود وعناد ملامحه الحادة التي لم يخطّ عليها الإنهك العصبي أي أثر للتراجع. كانت عصاه الأبنوسية ذات المقبض الفضي المصمت المطعم بالماس الخالص مستق
لم تكن شمس اليوم التالي لتشرق على قصر عائلة "الراوي" كأي شمسٍ مضت؛ بل جاءت خيوطها الذهبية ممتزجة ببريق النصر الحاسم الذي اهتزت له أروقة المال والأعمال في العاصمة بأكملها. مانشيتات الصحف الاقتصادية الكبرى كانت ما تزال تتصدر الشاشات، معلنة الانهيار الكامل لمجموعة "حصون الشرق" واقتياد "كارما السيوفي" إلى ساحات التحقيق خلف جدران مديرية الأمن الكلية، لتدفن أوهامها في نفس الزنزانة التي ضمت طارق ورأفت المنشاوي.في الجناح الرئيسي الفخم، كان الصمت المهيب يلف الأركان، صمتٌ دافئ تكسره أنفاس "تولين" الهادئة والمستكينة في نومها. كانت مستلقية برقتها المعهودة فوق الفراش الملكي، وشعرها الحريري الداكن ينسدل كأمواج الليل فوق ذراع "مالك" العريضة. كان فستانها الشيفون الوردي الناعم يلتف حول جسدها الرقيق ليبرز نقاءها الساحر الذي لم تلوثه قذارة الحروب المالية بالخارج.بجانبها، كان "مالك" مستيقظاً منذ الفجر، يتأمل ملامح وجهها الجميل بنظرة تفيض بعشق جارف طالما حاول إخفاءه خلف أقنعة البرود الكاذبة. امتدت أصابعه الطويلة لتبعد خصلة متمردة عن جبهتها بحنان حارق، وشعر بغصة خنقت حنجرته وهو يتذكر كيف
انقشع غبار المواجهة العنيفة في مكتب الإدارة العامة لشركات "الراوي"، مخلّفاً وراءه غلياناً مكتوماً في الأروقة الزجاجية ناطحة السحاب. كان صدى الكلمات القاطعة التي ألقاها "مالك الراوي" في وجه "كارما السيوفي" ما زال يتردد في الفراغ كأنه تراتيل حرب أعلنت التحدي ضد حيتان السوق الجدد. بعد خروج كارما بعاصفة غيظها، أدار مالك جسده ببطء ومشى متكئاً على عصاه الأبنوسية نحو النافذة الزجاجية الضخمة التي تكشف عن معالم العاصمة الممتدة تحت أشعة الشمس القاسية. كانت قبضته الفضية تلتحم بالمقبض بقوة تبرز عروق يده، بينما بدأت قطرات العرق الباردة تتسلل على جبينه المربع بفعل الإنهاك الجسدي العنيف الذي أصاب موضع بتر ساقه اليمنى، إثر وقفته الطويلة والمتحدية.استند بكامل ثقله على العصا، وضيق عينيه الصقريتين وهو يراقب سيارة كارما الفارهة وهي تغادر محيط البرج بسرعة جنونية. التفت نحو شقيقه "ياسين" الذي كان يقف جوار المائدة الخشبية الكبيرة، وقد شحب وجهه المرح واختفت منه الابتسامة ليحل محلها قلق داكن، وهتف ياسين بنبرة لاهثة:— مالك.. كارما السيوفي مش بتلعب لوحدها، دي حية مسمومة والسوق كله عارف إ
مرّ أسبوعان كاملان على انقشاع كابوس "رأفت المنشاوي" الغابر، أسبوعان تبدلت فيهما موازين القوى داخل السوق المصري، واهتزت لهما أركان البورصة التي بقيت تسجل صعوداً قياسياً ومستمراً لأسهم عائلة "الراوي" عقب تصفية الحيتان والمنافسين التقليديين الذين ظنوا يوماً أن جدار العائلة قد شُطب أو انكسر. في بهو القصر الأرستقراطي المهيب بجاردن سيتي، غمرت الطمأنينة الردهات العتيقة، وبدأت الحياة تتنفس بنقاءٍ كامل بعد غياب الأقنعة المزيفة والنفوس الحاقدة التي طُردت إلى غير رجعة؛ حيث استقرت "شاهيناز هانم" في منفاها الإجباري بمزارع الفيوم تحت رقابة صارمة، بينما كان "طارق" و"شاكر الجويلي" وابنته "ميرا" يواجهون مصيرهم المحتوم خلف جدران الزنازين المغلقة بانتظار أحكام النيابة الكلية.في الجناح الرئيسي العلوي للقصر، كانت نسمات الصباح الباكر لليوم الأول لعودة "مالك" الرسمية لإدارة شؤون الإمبراطورية تتسلل بنعومة فائقة من بين الشقوق الطفيفة للستائر المخملية الثقيلة، لترسم خطوطاً ذهبية دافئة فوق الفراش الملكي الفسيح. كانت الأجواء عابقة بعبير عطر الأوركيد والياسمين البري الذي يفوح من جسد "تولين" المستلقية بر
ساد الظلام الدامس أرجاء القاعة الخرسانية الشاسعة ككفن أسود هبط فجأة ليلتف حول رقاب الجميع، وتبددت الإضاءة الصفراء الشاحبة في جزء من الثانية إثر قطع "ياسين" و"آسر" لكابلات المولد الرئيسي بالخارج. في تلك اللحظة التي انعدمت فيها الرؤية تماماً، انطلقت الشرارة الأولى للجحيم؛ ولم تكن الآذان بحاجة إلى أعين لترى، فقد تكلّم الرصاص بلسان من نار، ودوت في عتمة المخزن الصحراوي أصوات انفجارات مكتومة ومتلاحقة، ممتزجة بفحيح الرصاص الذي كان يخترق الهواء ليصطدم بالجدران الخرسانية، صانعاً شظايا متناثرة ورائحة بارود خانقة تملأ الصدور بالذعر.لم يكن "مالك الراوي" بحاجة إلى الضوء ليتحرك؛ فعقله الحاد وصوت صراخ "تولين" الأخير حددا له إحداثيات الهدف بدقة متناهية. وفي اللحظة التي انقطع فيها النور، ألقى بجسده القوي نحو الجانب الأيسر غريزياً، متفادياً وابل الرصاص العشوائي الذي أطلقه رجال رأفت المنشاوي برعب وتخبط. سقطت عصاه الأبنوسية من يده لثوانٍ، لكنه استند على ركبته السليمة، وبحركة خاطفة تملأها الشراسة، رفع مسدسه الناري وبدأ يطلق رصاصاته الدقيقة والمحسوبة نحو مصادر الوميض الناجم عن أسلحة الأعداء.
في المكتب الرئيسي لشركات "الراوي"، كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة ظهراً بقليل حين تحولت الأجواء من الترقب الصارم إلى غليان دموي مكتوم. كان "مالك" يجلس خلف مكتبه، وعيناه معلقتان بشاشة الحاسوب يتابع حركة السفن الموشكة على دخول المياه الإقليمية، ويده اليسرى تطرق فوق سطح المكتب الخشبي بإيقاع منتظم ومتوتر، بينما كانت عصاه الأبنوسية الفخمة مسندة بجانبه كحارس صامت ينتظر إشارة البدء.انفتح باب المكتب فجأة ودون طرق، ودلف "ياسين" بوجه شاحب كالموت، وعيناه تتسعان بفزع شلّ أطرافه، وكان يمسك بهاتفه المحمول بيد ترتعد بعنف. تقدم نحو شقيقه الأكبر بخطوات متعثرة، وهتف بصوت مخنوق لاهث:— مالك.. مصيبة يا مالك! تولين.. تولين مش في القصر، الحراسة اللي كانت معاها فوق في فرع الدقي لسه مكلمينا حالا بعد ما فكوا نفسهم.. تولين اتمسكت يا مالك! "رأفت المنشاوي" نصب ليها فخ وخدها من مكتب شاكر الجويلي القديم!انتفض "مالك" من مقعده بحركة مفاجئة وعنيفة نسيت معها شياطين الكبرياء آلام ساقه المبتورة. سقطت العصا الأبنوسية على الأرضية الرخامية لتحدث رنيناً مدوياً اهتزت له جدران المكتب الفخم. استند







